الصفحة الأساسيةمقالات ودراسات
إلى الخلف لقد أمرتكم إلى الخلف
أحورا، أَني أَمَرتِ أحورا
الجمعة ٢٦ نيسان (أبريل) ٢٠٠٢
بقلم عادل سالم

أحورا، أني أمرت أحورا ........

صرخ بنا الجندي الإسرائيلي من بعيد حيث كان ومجموعة من الجنود الإسرائيليين المتمترسين خلف سيارة جيب عسكرية موجهين سلاحهم تجاهنا نحن المواطنين الفلسطينيين في الطريق الممتد من مفرق أبو ديس إلى أعالي جبل الطور في شرقي القدس، حيث أقاموا نقطة تفتيش فجائية كعادتهم خلال الانتفاضة الثانية، يمنعون بواسطتها المواطنين من عبور الشارع سواء مشاة أو بالسيارات إلا بعد أن ينزلوا من سياراتهم ويصطفوا بعيداً عن الجنود بشكل مستقيم ، ثم يتقدموا واحداً واحدا حسب طلب الجنود لتفتيشهم قبل عبورهم الشارع. وعلى كل مواطن أيا كان عمره أن يتقدم رويداً رويدا، ولا يسرع الخطى ثم عليه أن ينفذ أوامرهم التي غالباً ما تكون باللغة العبرية وإذا تلكأ في تنفيذها إما خوفاً أو لعدم إلمامه اللغة العبرية فعليه أن يتحمل النتائج وحده، لأن الجنود الإسرائيليين ينفذون الأوامر العسكرية ويبحثون عن أدنى مبررات لإطلاق النار على المواطنين.

وقفت كغيري في الطابور، فأنا رغم أني أحمل الجنسية الأمريكية لا يغير من موقف الجنود مني شيئاً، ولطالما رموا جواز السفر الأمريكي لأمريكيين عرب على الأرض ثم داسوا عليه طالبين منهم رفعه عن الأرض، ويبدو أنهم حسناً يفعلون عندما يعاملونا جميعاً بنفس الطريقة لأنهم يوحدون كل فئات شعبنا وأماكن تجمعاته في الصراع القائم على حقوقنا الوطنية.

والوقف في الطابور للتفتيش لم يكن أمراً غريباً علي، فأنا عشت نصف عمري في القدس ولطالما اضطررت للوقوف على الحواجز العسكرية، ولطالما تعرضت للإهانات والشتائم والضرب والاعتقال، لكن الموضوع هذه المرة أصبح مختلفاً جداً. فالجنود مستعدون لإطلاق النار فوراً على أي مواطن لا يلتزم بما يطلبونه منه. لقد أصيبوا بحالة من الخوف بعد العمليات العسكرية التي استهدفت جنوداً يعملون في نقاط تفتيش ثابتة.

كان ترتيبي في وسط الطابور، وكان تفتيش كل شخص يحتاج الى خمسة دقائق، وكلما تحرك شخص تقدم الذي خلفه للأمام، وصادف أن تقدم أحدهم قليلاً بانتظار دوره فصاح الجندي بغضب:
أحورا ... أحــــورا .... أحـــــــورا
فلم أتحرك من مكاني ، لأنني لم افهم بالضبط ما يريده الجنود أصلا، لأن معلوماتي قليلة باللغة العبرية، وكلمة (أحورأ) أي ارجع للخلف مشابهة لكلمة (بحورا) التي تعني فتاة أو بنتا، فصرخ الجندي المهووس مرة أخرى:
أحورا، أني أمرت أحورا. فسألت من كان خلفي ماذا يقصد بما يقول؟ فقال لي أنه يقول لنا ارجعوا إلى الخلف: لقد أمرتكم ارجعوا. حينها عرفت بأني تيس في العبرية ولا أريد أن أفهم أكثر من ذلك. فرجعت مع غيري من المواطنين حيث أشار الجندي.

عندما جاء دوري تقدمت عدة خطوات، وتوقفت كما تجري العادة بأمر الجنود، فطلب مني أن أخلع الجاكيت، ورغم البرد والمطر فقد خلعته كما خلعه غيري ثم طلب مني أن أرفع القميص، ليتأكدوا أنه لا يوجد أحزمة ناسفة حول الوسط ثم طلب مني أن ألف حول نفسي لفة كاملة، بعد ذلك أشار إلي بالتقدم.

هويتك قالها بالعبرية (تَعودات زِهوت) فأظهرت له جواز سفري، فتفحصه ثم قال لماذا أنت هنا؟ قلت له زيارة للأهل والوطن فقال، لماذا تزور منطقة كلها حرب، روح بلدان أخرى، فقلت له: تعودنا على الحرب فرمى الجواز وقال انصرف، فانصرفت أتطلع إلى الساعة فإذا بها قد مرت ساعة كاملة على قطع مسافة عشرين متراً لا يحتاج قطعها سيراً على الأقدام أكثر من ثوانٍ فقط.

نقاط التفتيش سواء الثابتة أو المتنقلة كثيرة بل أصبحت خلال انتفاضة الأقصى جزءاً من حياة المواطن الفلسطيني، وكثيراً ما يتعرض المارون للإهانات إن لم يكن القتل. ففي ضاحية البريد القريبة من القدس، طلب الجنود من أحد الطلاب أن يفتح حقيبته المدرسية (من بعيد طبعاً) ويقذف ما بها ليرى الجنود محتويات الحقيبة، وبينما كان الطالب يحاول فتح حقيبته صاح به الجنود موجهين سلاحهم إلى رأسه، فارتعب ولم تفتح الحقيبة حيث تعطل السحّاب فجأة، فخاف الطالب وترك الحقيبة وهرب، فأطلقوا عليه النار وأردوه شهيداً دون سبب، ثم أحضروا ماكينة فحص المتفجرات لفحص الحقيبة التي تبين بعد فحصها ثم فتحها أنها تحتوي على عدة كتب قديمة ودفاتر مدرسية ممزقة.
هكذا إذن، عرفوا أن الطالب بريء ولكن بعد أن فقدته أمه.

وفي مشهد آخر قرب قلندية، طلب من امرأة وضعت مولودها منذ عدة أيام تحاول اجتياز الحاجز حاملة مولودها الجديد الذي لم يبلغ من العمر أسبوعاً بعد، أن تكشف عما تحمله (من بعيد طبعاً) فقالت لهم إنه طفل، فوجهوا سلاحهم تجاهها طالبين الكشف عنه وإلا قتلوها، فاضطرت من خوفها على وليدها أن تعريه كما ولدته حتى سمحوا لها بالمرور.

وفي باب العامود بالقدس وبينما كان يسير أحد الشباب حاملاً شنطة مدرسية على كتفه، توقف فجأة بجانبه سيارة مدنية، نزل منها على الفور وبحركة تشبه حركة الإنزال العسكري أربعة أفراد من القوات الخاصة الإسرائيلية فوجهوا إليه سلاحهم، طالبين منه التوقف وعدم الحركة ثم طلبوا منه إلقاء الشنطة على الأرض وفتحها وبعد فحصها أطلقوا سراحه بعدما كاد يموت خوفاً من هول المفاجأة.

هذه نماذج معدودة فقط من آلاف الحوادث التي يواجهها أبناء شعبنا في فلسطين المحتلة وهي على صعوبتها تهون عن عمليات الإبادة والتنكيل التي مورست ضد مدن الضفة الغربية وخصوصاً مخيم جنين الذي دمر أكثر من 600 منزل فيه حيث حرم آلاف المواطنين من بيوتهم التي تؤويهم. إنه شارون رأس الإرهاب العالمي الذي يجب أن يحاكم على جرائمه البشعة ضد أبناء الشعب الفلسطيني وضد الجنود المصريين البواسل في حروبنا ضد العدو المشترك إسرائيل .

على المواطنين العرب الذين يزورون فلسطين هذه الأيام تضامناً مع أهلنا هناك أن يتعلموا معنى كلمة (أحورا) حتى لا يقتلون هكذا دون سبب وبحجة عدم الالتزام بالأوامر العسكرية.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً