الصفحة الأساسيةقصص وسرد
حلم لن يتحقق
الأربعاء ٢١ حزيران (يونيو) ٢٠٠٦
بقلم عادل سالم

كانت الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية حلماً لدى سامر ظل يراوده سنوات طويلة حتى تحققت أخيرا بقدرة قادر، كأن الله استجاب له أخيراً لكثرة دعائه بأن يوفقه للهجرة إلى بلد الحرية والديمقراطية كما كان يقول، بلد النساء الجميلات الفاتنات ، والدولارات الخضراء تتطاير هنا وهناك تبحث عمن يلتقطها.

كان سامر سعيداً جداً بعد أن استقر به المقام فى ولاية نورث كارولينا المطلة على المحيط الأطلسي، ذات الجبال المتعرجة التي تشبه جبال لبنان الخلابة التى قرر سامر هجرتها لأنها لم تعد بلد الحرية والجمال كما كانت فقد شوهتها الحرب الطويلة وطمس الفقر فيها كل إحساس بالامان وزادت العنصرية البغيضة الشعور بالخوف من المصير المجهول لبلد تتناحر فيه المصالح لابسة عباءات الطوائف .

لم يمر وقت طويل حتى تزوج سامر الأمريكية الشقراء سندي التي تبدو أنها سحرته بجمالها واستقر به المقام معها فى شقة جميلة في ضاحية من ضواحي مدينة ونستون سالم فى ولاية نورث كارولينا والتي يتكاثر فيها العرب. وعندما أنجبت زوجته طفله الأول كاد يطير من الفرح. فكر طويلا ماذا يسميه حتى قرر أخيراً أن يسميه سام وكان يقول لأصدقائه العرب بأن اسمه سامي.

كان الطفل مزيجاً من الوالدين، وجهه يشبه أباه وعيونه زرقاء مثل أمه. فكان بذلك يجمع بين الشرق والغرب فى شكله ونسبه.
قال سامر لاصدقائه:
- هذا الولد سيكون له مستقبل كبير فى هذه البلاد.
وعندما ضحكوا قال لهم:
- لم لا يكون خليفة جورج بوش في المستقبل؟!.فهو مولود في الولايات المتحدة ، عيونه زرقاء ، اسمه سام، وأمه أمريكية بيضاء.
- ولماذا نسيت أباه؟.
- أبوه لبناني ولبنان بلد المحبة والسلام.
ثم أضاف سيكون سام أفضل من يرسي السلام فى العالم ويمنع انتشار الأسلحة النووية والكيماوية وغيرها من دون حروب وسفك دماء.
وقف برهة ثم قال:
- لعل ما يخفف الحروب فى هذا العالم هو أن تتزاوج الشعوب بعضها من بعضها الآخر كما فعلت أنا فيكون الأبناء ذا نسب مزدوج فتقل العداوات.

اليوم عيد ميلاد سام، الرئيس الأمريكي القادم بعد أربعين سنة. هكذا كان سامر يقول فى نفسه، قرر هو وزوجته إقامة احتفال صغير له في البيت دعوا إليه بعض الأطفال وأهاليهم حيث أطفأ الصغير شمعته الوحيدة وهو يضحك ويصفق وغنى له بقية الأطفال مع أهاليهم أغنية عيد ميلاد سعيد (هابي بيرثدي تيو)،والتقط سامر بالمناسبة عشرات الصور لسامر وضيوفه الحلوين.
وما إن جاء صباح اليوم التالي حتى طار إلى محلات تحميض الصور لتحميضها وطباعتها،كان ينتظر الصور بفارغ الصبر، حتى يرسل بعضها لوالديه وأقاربه فى لبنان ليروا صورة سامي الذي يستطيع بجواز سفره الأمريكي أن يزور كل الدول العربية من دون عراقيل ولا حتى فيزا فيما فشل أبوه بزيارة أي منها لأنه لبناني عانى ما عاناه من فقر وتشرد.

هل يستطيع مسئول الأمن أن يقول لا لسام الذى توحى عيونه الزرقاء أنه واحد من الأوربيين والأمريكيين الذين تتهافت دولنا العربية على كسب رضاهم. غداً سيحاولون كسب رضاك يا سام عندما تكون أول رئيس أمريكي من اصل عربي .. نعم سينتخبونك رئيسا لهم ، لم لا؟

العنصرية؟ لا ليس في هذا البلد عنصرية فها أنا قد نزوجت فتاة جميلة ، رائعة، من دون اعتراض من أهلها ، أين هي العنصرية؟ العنصرية عندنا فأهل الخليج يكرهون العرب الآخرين، والمصريون يكرهون السودانيين ويعاملونهم باحتقار ونحن اللبنانيين نكره السوريين والفلسطينيين، والعراقيون يكرهون الكويتيين وهلمجرا.

سنثبت لهم يوما ما أن الديمقراطية في هذه البلد بخير وأن العنصرية ما هي إلا وهم في رؤوس الحاقدين على أمريكا.

جاء وقت استلام الصور، سأذهب إلى المحل لاستلامها، يا الله كم ستكون سعيدة أمي عندما ترى حفيدها الأمريكي، لا تخافي يا أمي بعد اليوم فلن تستطيع إسرائيل أن تقصفكم لإن سام عندما يصبح رئيساً سيلزمها احترام سيادة الدول الأخرى وسيمنع عنها المساعدات إذا اعتدت على جيرانها وسيجبرها على الإنسحاب من أراضي العرب التي احتلتها عام 1967 وإعادة الفلسطينيين اللاجئين في لبنان إلى بلادهم.

وصل سامر إلى محل الصور، دخل على الموظفة، قدم لها الوصل وانتظر بشوق استلام الصور . ذهبت الموظفة تبحث عن الصور، لكنها عادت تطلب منه الانتظار عدة دقائق أخرى لأن الصور لم تجهز بعد.
- لا بأس قال لها سأنتظر هنا.
جلس على كرسي الانتظار وبدأ يتساءل لماذا تأخروا عن الموعد ربما كانوا مبهورين بصور سام، فعلا عيونه تسحر من رآه! سبحان الخالق، هذا الطفل كل من رآه قال لي، هذا الطفل يشبه بجماله البنات(!!) لماذا البنات؟ هل البنات فقط اللواتي يتمتعن بالجمال؟ الجمال ليس له علاقة بالجنس ولا حتى اللون .. لا لا اللون جزء من الجمال ، لا يمكن أن تكون العيون البنية أجمل من الزرقاء ولا اللون الأسود الداكن أجمل من الأبيض.

فجأة قطع حبل أفكاره دخول أفراد من الشرطة المحل فاستقبلتهم الموظفة وأشارت إليه. تقدم منه أحد افراد الشرطة الثلاثة قائلا:
-  ألديك بطاقة( رخصة سواقة)؟.
-  نعم، وناولهم إياها ، ما الذي فعلته قال لنفسه ، هل كنت مسرعا وأنا فى الطريق؟ سألهم ما الأمر فقالوا له أنت متهم بانتهاك طفل جنسياً ، سنأخذك معنا للقسم.
صرخ بهم:
-  وت (ماذا) أي طفل؟.
-  ستعرف ذلك بالقسم ، ثم أضاف الشرطي ، أنت الآن رهن الاعتقال وبالفعل وضع القيود بيديه ونقلوه لقسم الشرطة .

فى قسم الشرطة ، قدموا له صورة وهو يقبل مؤخرة ابنه سام، كانوا قد حصلوا عليها من الاستديو. دقق سامر بالصور أمامه فرأى صورته وهو يقبل ابنه صرخ فيهم:
-  هذا ابني ، ابني سام، كان يوم أمس عيد ميلاده الأول وهذه صورنا معه، كنا نحممه أنا وأمه سندي، هذه صورة يبدو أن سندي صورتنا وأنا أقبله فرحا به. هل تعرف ماذا يعني الابن لأبيه . إنها مجرد تعبير عن سعادة. لكن المحقق قال:
-  آسف سيد سامر ، هذا ليس من اختصاصي ،أنا مضطر لتقديمك للقاضي غداً وهو صاحب الكلمة الفصل.
-  ماذا تقول ؟ قاضي؟ عندما يقبل رجل ابنه تريد تقديمه للمحاكمة.
-  أنت تقبل مؤخرته ، هذا انتهاك جنسي.
-  قلت لك . إنه ابني وعمره سنة واحدة ، أي انتهاك جنسي سأله المحقق :
-  هل عادتكم في بلاد العرب تقبيل مؤخرات أولادكم ؟ وحتى أي سن يسمح لكم تقبيل المؤخرات .. و(ابتسم هازئاً)؟.
-  لا أسمح لك بهذه الشتائم.
فقال له المحقق ، ما هو رقم هاتف البيت أريد إحضار زوجتك لأسمع رأيها.

بعد أن حصل المحقق على رقم هاتف بيت سامر اتصل بزوجته سندي طالبا منها الحضور للقسم لأن زوجها معتقل هناك بتهمة انتهاك جنسي.
لم تصدق سندي ما سمعت فحملت طفلها معها وانطلقت بسرعة إلى قسم الشرطة، وعندما سمعت الحكاية انفجرت في المحقق ..

-  ما هذه السخافات التي تتهمون سامر بها؟.
لقد كان سعيداً وهو يحممه وعندما انتهى من الحمام وحمله بالمنشفة بدأ يقبله في كل أنحاء جسمه ومنها مؤخرته ، كنوع من الدعابة فالتقطت له صورة دون أن يدري.
قال الشرطي الذي يجلس بجانب المحقق:
-  ألم تلاحظي إنه يحب الشذوذ الجنسي؟
غضبت سندي..
-  اللعنة عليكم وعلى أسئلتكم السخيفة ، تريدون أن تشوهوا صورة زوجي ، هل هذا ما تضيعون وقتكم فيه؟ أليس لديكم ما هو أهم لتعملوه؟ لماذا لا تحافظون على أمن البلد وتلاحقون اللصوص والمخدرات ...؟

قاطعها الشرطى غاضبا بعد أن ضرب يده على الطاولة..
-  أنت تتسترين على جريمة ويمكن أن تواجهي عقوبة السجن معه وفي هذه الحالة سنأخذ الطفل منك.
-  ماذا تقول؟ تأخذون ابني؟ يا مجرمون ، لا لا أستطيع تحمل استفزازاتكم أريد الاتصال بمحام الآن فوراً لم أعد أثق بكم بعد الآن، الآن عرفت لماذا يقول المغتربون العرب هنا إنهم يواجهون العنصرية والتمييز . بسببكم أنتم.

تدخل المحقق لتهدئة الموقف وقال لها ، حسنا يوجد هاتف فى الغرفة الأخرى يمكنك الاتصال بمحام لأننا لن نفرج عن سامر حتى نعرضه على القاضي يوم غد وهو حر في أن يفرج عنه أو يأمر باعتقاله.

اتصلت سندي بالمحامي الذي تعرفه وشرحت له الأمر فطلب منها أن تغادر القسم للبيت، انتظاراً لجلسة المحكمة وأن لا تجيب عن أسئلة المحقق إلا بوجوده وتوصي زوجها بذلك.

فى اليوم التالي يطالب المحامي باسم موكله الافراج عنه شارحا لهم ملابسات الحكاية، وقد أكدت زوجة سامر أقوال المحامي وقالت إنها تحب زوجها وإنه مثال للعربي الطيب الذي يحب زوجته وبيته، لكن الادعاء العام يصر على التهمة ويقول بأن المتهم يقبل ابنه بشكل يوحي بأنه يعشق ممارسة الجنس مع الأطفال . لم يصدق سامر ما يسمع، يتهمونه بابنه الذى أحبه أكثر من نفسه، يصفونه بأبشع التهم، إنهم يقتلونه ، يدمرون أعصابه لم يعد يقدر على الكلام، ذرف دموع الألم والإحساس بالظلم والإهانة.

بعد جدال طويل بين الادعاء والمحامي بوجود القاضي قرر القاضي إرضاء الطرفين وأصدر قراره التاريخي.

-  حكمت المحكمة على سامر .. أن يكون تحت المراقبة لمدة 3 سنوات يلتزم خلالها أن لا يكون مع الطفل سام وحدهما إذ يجب على الأم سندي أن تكون موجودة وإذا اضطرت للخروج من البيت عليها أخذ سام معها!.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً