الصفحة الأساسيةقصص وسرد
زافر كنغ
اعتنق المسيحية ليحافظ على عائلته
الثلاثاء ٢٨ شباط (فبراير) ٢٠٠٦
بقلم عادل سالم

أذكر إنني التقيت به أول مرة عام 1988 عندما كنت في زيارة صديق لي في ولاية تنسي الأمريكية الواقعة في وسط الولايات المتحدة، كان لقاء بمحض المصادفة فحتى صديقي فريد لم يخطط لتعريفي به. كنا في أحد مطاعم مدينة ناكسفيل يوم التقينا به، فسلم على صديقي فريد الذي بادر بتعريفي عليه:
-  أعرفك على صديقي زافر كنغ ( قالها بالإنكليزية)
-  أهلا وسهلا سعيد جدا بمعرفتك، وسلمت عليه
-  (مي تو)، وأنا أيضا رد علي بالإنكليزية فعرفت إنه لا يجيد الحديث بالعربية فسألته
-  هل تتحدث العربية؟
-  شوية زغيرة، قالها ثم ابتسم
-  زافر كنغ لا يعرف سوى بعض الكلمات لكنه عربي فلسطيني ومن خيرة الشباب العرب المغتربين، قال لي فريد مقاطعا.

طوال الطريق من المطعم إلى البيت ظل فريد يحدثني عن صديقه زافر كنغ (ظافر)، فوالده هاجر من القدس في خمسينات القرن العشرين إلى الولايات المتحدة وفوجئت إنه من عائلة أبو غنام واستقر به المقام في تلك البلد الصغيرة في تنسي الجميلة في سهولها وأشجارها خصوصا المناطق القريبة من الجبال.

حاول نبيل -والد ظافر- أن يجد عملا هناك لكنه فشل في الحصول على عمل رغم حاجة المصانع هناك إلى العمال لقلة المهاجرين الأجانب في مدينة صغيرة، وعندما ضاقت به الحال نصحه أحد المعارف الأمريكيين هناك بأن يغير اسمه لأن الشركات وأصحاب المحلات هناك عنصريون، وربما لم يقبلوا به بسبب اسمه الذي يوحي بأنه عربي فاضطر مكرها في الأيام التالية إلى تغيير اسمه بشكل رسمي من نبيل أبو غنام إلى مايكل كنغ.
سألت فريدا لماذا اختار عائلة كنغ. ألأنه يريد أن يكون من عائلة الملك؟
ضحك فريد وقال لي:
لا ليس كذلك، فالقصة بكل بساطة جاءت بالمصادفة، فعندما كان في أحد الأيام يسير بالشوارع يتفرج على المحلات التجارية لفت نظره محل كبير لبيع المفروشات اسمه King Furniture فقرر أن يسمي نفسه بمايكل كنغ فقد كان يعتقد أن أصحاب الشركات ربما اعتقدوا أنه من أقارب صاحب المحل المذكور.
فبعد أن غير نبيل اسمه وجد عملا على الفور.

قصة غريبة لا بد أن صاحبها كافح من أجل لقمة العيش لكن لماذا لم يعلم ابنه العربية؟
رد علي فريد قائلا: ليس الأمر بتلك السهولة التي تتصورها.

نعم لم يكن الأمر سهلا مثل الوقت الحاضر لا يوجد فضائيات ولا راديو بالعربية ولا إنترنت ولا مؤسسات إسلامية كتلك الموجودة حاليا.

وعندما تزوج مايكل كنغ من شابة أمريكية كان يعتقد كغيره من أبناء العرب أنه سيعود معها لبلاده بعد عدة سنوات، فلم يكن يعتقد أو يحلم أنه سيدفن هناك في تنسي وسيظل ابنه ظافر وأحفاده في الولايات المتحدة للنهاية. هنا ولدوا وهنا سيعيشون وهذه هي بلدهم ووطنهم.

الأمر الوحيد الذي أثار دهشتي أن ظافر كنغ تحول من الإسلام للمسيحية، هكذا من دون قناعة حقيقية، لماذا حصل ذلك؟

معقول؟ لا بد لي أن أراه مرة أخرى أريد أن أعرف كيف حصل ذلك ولماذا، كلام صديقي فريد غير مقنع، فهل يعقل أن يتحول رجل من دين لدين من أجل الحفاظ على عائلته؟ ولماذا لم تتحول المرأة وليس الرجل وكيف تخلى بسهولة عن دينه؟
هل هو مرتد؟

كيف لنا أن ندعوه مرتدا وهو لم يعرف أصلا ما هو الدين الإسلامي، فأبوه لم يعلمه من الدين سوى الشهادتين ولم يكن يقيم أية شعائر دينية، كان مفتونا بزوجته وترك لها كل شيء. لكن أمه لم تشرح له عن الدين المسيحي شيئا بل قال له أبوه إنها أسلمت وتبعت أباه، فكيف تحول الولد عن دين والديه؟
شوقتني يا فريد لكن أحب أن أسمع كل ذلك من ظافر نفسه فمتى سنلتقي به؟
رد علي فريد قائلا:
- ظافر كنغ يحب الحضور للنادي مع أولاده، فهو يحب الرياضة خصوصا معهم وهو واحد من الذين يقضون مع أسرهم وقتا طويلا.
- حسنا متى يكون ذلك؟
- عادة في المساء
إذن لنذهب إلى هناك مساء الغد إذا سمحت
-  لماذا أنت مهتم به كل هذا الاهتمام؟ سألني فريد، فليس هو الوحيد الذي غير دينه. كثيرون منهم من يغير دينه ليعيش ليكون جزءأً من المجتمع الذي يعيش فيه. آلاف المسيحيين في الدول العربية تحولوا للإسلام في الماضي ليتحسن وضعهم وليس لقناعة منهم، ويحدث العكس تماما وإن كان بشكل أقل الآن لكن في الماضي عندما حكم فردناند وازابيلا اسبانيا واضطهدوا المسلمين هناك تحول الكثير منهم للمسيحية وبقوا هناك مع أحفادهم حتى هذه اللحظة.
-  هذا صحيح لكن لا أدري لماذا أشعر أن المسألة تهمني لهذا الحد. دعني أستمع منه ولو من باب الفضول.

كنا مساء اليوم التالي في النادي حيث كان ظافر مع أولاده هناك في المسبح، وعندما رآني ترك أولاده يسبحون وحدهم وجاء ليسلم علينا.
سعدت لحضوره، لا شك أنه يعتبرنا جزءاً منه مهما غير من لونه.

دمنا يشبه دمه وهيئتنا قريبة منه وأنا ابن القدس ويهمني أمر هذا الشاب وكأنه قضيتي الشخصية.
دعوته للجلوس بعيدا بعض الشيء عن المسبح لنتحدث بهدوء.
قلت له: أنا من القدس وأعرف الكثيرين من عائلة (أبو غنام) فهل جربت أن تزورهم هناك؟
-  لا لم أزر القدس حتى الان ولكني أفكر بذلك فقد ألتقي ببعض أقاربي هناك فعندي صور بعضهم.
-  ستكون فرصة طيبة حيث ستزور الأماكن التاريخية والدينية وخصوصا المسجد الأقصى أولى القبلتين. قلت ذلك وأنا أدقق في تعابير وجهه.
ابتسم قائلا:
-  طبعا سأزور كل هذه المناطق وكوني تحولت للمسيحية فلا يعني ذلك أنني أصبحت معاديا للإسلام فقد فعلت ذلك لكي أحافظ على عائلتي.
سعدت لرده فقد كنت أريده أن يتطرق للموضوع بنفسه دون أن أسأله مباشرة.
قلت له باسما:
لا بد أنك تحب أولادك. وضحيت من أجلهم، إليس كذلك؟
-  بلى أخي العزيز، العرب هنا لا يقدرون ذلك ويهمهم فقط أن يكون الواحد مسلما ولو بالاسم، المسألة ليست بتلك السهولة وفي النهاية فربنا يحاسبنا جميعا.
-  هل لك أن تحدثنا عن ذلك
-  ألم يحدثك فريد عن القصة فهو يعرفها بالتفصيل
-  لم نجد الوقت الكافي لذلك فأحببنا أن نسمعها منك

المسألة بالنسبة لي ليست تفضيل الإسلام على المسيحية أو العكس، فأنا لم أنشأ متدينا ولم يربني أبي على إقامة شعائر دينية فلم يكن هو يقيمها أصلا وكل ما كان يقوله لي إنني مسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، حتى شهر رمضان المبارك لم يكن يصومه فنشأت مثله ولأنني نشأت في هذه المدينة الصغيرة فلم أتعلم اللغة العربية فلم يكن هنا جالية عربية أصلا في تلك الفترة وهؤلاء الذين تراهم الآن مثل صديقك فريد فقد جاءوا لهذه المدينة حديثا ولم نكن نعرفهم في تلك الفترة.
إن تسألني هل كنت فعلا مسلما أقول لك نعم ولم أكن أخطط لاعتناق المسيحية لكني وجدت نفسي مضطرا لذلك.

تزوجت لندا منذ عشر سنوات، وكانت علاقتنا معا جيدة جدا فقد أحببتها قبل زواجنا حيث كنت أعرفها منذ أيام الدراسة في المدرسة، وقد وقفت معي وكانت مخلصة وتصدت للطلاب العنصريين عندما كانوا يحاولون الإساءة لي لأصولي العربية.
أنجبت 3 أطفال ابنين أسميتهما نبيل ويوسف وبنتا واحدة أسميتها جولي على اسم أمي.

خلال السنوات الأولى من حياتنا كنت مشغولا في العمل وكانت هي تربيهم وتعتني بهم. وكانت تأخذهم معها للكنيسة أيام الآحاد أحيانا ولم أعترض لأن البديل هو أن أقوم بالاعتناء بهم أثناء غيابها ففضلت أن يكونوا معها.

في أعياد الميلاد كانت تأخذهم لأقاربها للاحتفال معا وأحيانا كنت أشارك معهم، فنشأوا نشأة مسيحية على الرغم مني .
لم أستطع منعم لأنه ليس عندي البديل، فما الذي يمكنني أن أقدمه لهم؟
مع من سأحتفل معهم في عيد المسلمين هنا؟
شعرت مع الأيام أنني أصبحت بعيدا عنهم، حيث يقيمون الاحتفالات الدينية وحدهم وأنا أتفرج وإن لم أشارك فلن أغير من حقيقة الموضوع شيئا.

عندما يذهبون للكنيسة يعودون مسرورين وعندما يشترون بعض الهدايا أصبحوا يشترون ما يوحي بأنهم مسيحيون.
هل أحاربهم ؟ هل أتخلى عنهم؟
هل أتخلى عن زوجتي التي تحبني والتي لم تمنعني أن أشرح لهم عن الإسلام؟
لكن ماذا أقول لهم؟ أية طقوس أتحدث لهم عنها وأنا لا أعرف شيئا أصلا؟
عشت في صراع نفسي حاد عدة سنوات.
فعلاقاتي مع كل أفراد أسرتي حسنة بل رائعة ما عدا قصة الدين الإسلامي، وأقول لك لم أجد في الأشياء الأساسية فروقات تستحق أن أقف عندها.

أنا رجل يؤمن بالخير والإيمان الروحي وأحب للناس ما أحبه لنفسي. أنا أومن بالمحبة للجميع وكان علي أن أختار، إما أن أبقى بعيدا عن أفراد الأسرة فتضعف علاقتي معهم وإما أن أكون معهم في كل شيء ونكون أسرة متحابة. فاخترت الثانية وانضممت لدينهم.

كنت أنصت إليه مشدودا ولكن سؤاله حيرني فماذا يمكنه فعله في تلك الظروف. وما ذنبه فهو لم يعرف عن دينه شيئا.

فجأة انطلق صوت أولاده في المسبح:

-  دادي، وي آر ويتنك فور يو (نحن بانتظارك يا والدي)
-  أوكي آيم كنغ (أنا قادم)، استأذن منا ظافر للحاق بالأولاد.

حيرتني قصته، أمضيت أياما أفكر بها فلم أصل إلى حل ، لكن حتى لو وصلت إلى حل فلن يكون عمليا فقد انتهى كل شيء.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً