الصفحة الأساسيةقصص وسرد
من أجل ولدي
الثلاثاء ٢٨ شباط (فبراير) ٢٠٠٦
بقلم عادل سالم

أنهى شوقي عمله مساء أحد أيام الجمعه ، وكان متعبا بعد عمل يوم متواصل فى شركة البناء التى يشتغل بها في مدينة أتلانتا بولاية جيورجيا في الولايات المتحدة الأمريكية.

أحس بجوع شديد وهو في الطريق إلى البيت كانت، الطريق السريعة (هاي وي) مزدحمة كالعادة وهو يجاهد كي يصل إلى البيت لكي يستريح من تعب اليوم ويستعد لعطلة نهاية الأسبوع. فقد قرر أن يخرج صباح اليوم التالي مع زوجته لوريتا المكسيكية الأصل وابنه إبراهيم الذي سماه تيمنا بالنبي إبراهيم- أبي الأنبياء-

كم أحب هذا الولد، قال شوقي لنفسه لا أدري ماذا سيحصل لي هنا لو أصابه مكروه.

الملعونة أمه تحاول وبشكل مبطن أن تحرضه علي،لكن لا لن تنجح فسوف أفشل خطتها. هذا ابني ووريثي بكل شيء، هكذا اتفقنا منذ البداية، قلت لها لنتفق على الأولاد فوافقت على شروطي لكنها تحاول التملص من اتفاقها السابق.

أعرف أنه ابنها ولم أعترض على تربيتها له ونحن متفقون على كل شيء لكنها تخرج عن طورها أحيانا، لا أدري إن كانت بكل قواها العقلية.

وصل شوقي إلى البيت، رن جرس الباب، فلم يفتح أحد . رن مرة أخرى، فلم يفتح، اعتقد أنها مشغولة ففتح الباب بمفتاحه، ثم نادى لوريتا، أنا شوقي وصلت، هل العشاء جاهز!
إبراهيم أين أنت أيها الشقي ؟! أحضرت لك الكاندي . لم يرد عليه أحد . استغرب ذلك وبدأ يتمتم:
لقد قالت لي إنها ستعد عشاء فاخرا الليلة ، لابد أنها ذهبت للتسوق قبل عودتي وتأخرت بسبب زحمة المواصلات ،حسنا لابد _ من حمام ساخن قبل عودتها. فتح باب الكراج فلم ير سيارتها هناك، فعرف أنها خرجت من البيت.
خلع ملابسه وأخذ حماما ساخناً، شعر بعده بالراحة التامة، وزال عنه كل ما أحس به من تعب.
لبس ملابسه البيتية ثم جلس يشاهد التلفزيون غريب أمرها قال فى سره..
تأخرت كثيراً فاتصل بصديقتها روزا التي قالت له ..
- أنا لا .. لا أعرف أين هي، لم أرها منذ يومين، ثم لماذا تعتقد أنها عندي، لا ليست عندي، أنا لا أتدخل بينكما.
- شكراً روزا ، ثم أغلق الخط.
غريب أمر هذه المرأة ، سألتها سؤالا واحداً ،هل عندك لوريتا؟ فأجابتني بمحاضرة طويلة وكان بإمكانها أن تقول لا وتغلق الخط، يبدو أن في الأمر شيئا سيئاً.

اتصل بمعارف وصديقات لها فأنكرن معرفة أين هي .
أين تكون قد ذهبت؟.
لعل في الأمرخيرا دعني أنتظر قليلا لعلها تأخرت في أحد المولات الكبيرة أو لعل إبراهيم أجبرها أن تشتري له البطاطا من مطعم المكدونالد . أعرفك يا إبراهيم تحب البطاطا كثيرا خصوصا مع البندورة(كتشاب).

انتصف الليل ولم يعد أحد. زاد قلق شوقي ، لابد أن في الأمر مشكلة، من الممكن أنهما تعرضا لحادث سير فالمواصلات هنا صعبة والسيارات بالآلاف وهناك الكثير من المجانين الذين يسرعون بطريقة جنونية.

يا رب احفظ إبراهيم من كل سوء . يا رب لا تعرضه للخطر لابد من الاتصال بقسم الطواريء .

اتصل شوقي بالشرطة وأعلمهم بالخبر، زوجة وابنها البالغ من العمر 8 سنوات لم تعد للبيت خرجا بسيارة شيفروليه – إمبالا رقمها.. ، لون السيارة حمراء، ثم أعطاهم أوصاف الأم وابنها وأجاب عن كامل الأسئلة قالوا له سيرسلون بعض المحققين للبيت خلال دقائق.

بعد دقائق حضرت سيارة الشرطة، 3 أشخاص نزلوا منها أحدهم بلباس مدني،عرف منه أنه المحقق جان براون، شرح لهم شوقي القصة كما حصلت معه،وأوضح لهم أنه اتصل بكل من يعرف من صديقاتها ومعارفها فأنكرن جميعا معرفة أين ذهبت. طلب المحقق من شوقي أن يفحصا البيت وقرر أخذ البصمات عن جميع أقفال الأبواب فسأله شوقي.
- هل تشك أن أحداً خطفهما؟.
- لا أستطيع الجزم بشيء ،لكن علينا إتمام مهمتنا حسب أصولها، كل الاحتمالات واردة. دخل الشرطى غرفة النوم، تفحص الأوراق في الجوارير والخزانة، فجأة نادى شوقي..
- سيد شوقي هل لك أن تحضر هنا.
ذهب شوقي فإذا بالشرطي الذي أوكلت له مهمة تفتيش غرفة النوم يسأله:
- أين ملابس زوجتك؟ لا أرى شيئا هنا؟.
نظر شوقي للخزانة فلم ير أي شيء له علاقة بلوريتا ولا حتى بإبراهيم. استغرب الأمر وقال:
- يا إلهى، ما هذا، هل عملتها وهربت؟ أيكون لها عشيق هربت معه وتركتني؟ لا لا يمكن.
حضر المحقق من الغرفة الأخرى ليرى الخزانة فارغة إلا من ملابس شوقي فقال له:
- سيد شوقي عليك أن تهدأ ، كل الاحتمالات واردة.
- أية احتمالات . أنا يهمني ابنى و لتذهب للجحيم.
وبدأ يصرخ منفعلا لا يدري ماذا يقول:
- سيد شوقي قد تكون هربت لكن لا يزال احتمال أنها خطفت واردا!
- كيف؟.
- ربما خطفهما شخص أو عصابة أو قتلوها ثم سرقوا الملابس ليوحوا لنا أنها هربت مع ابنها . وهناك احتمال آخر مستبعد الان.
- ما هو؟
- ليس الآن وقته.
- حسنا ما العمل؟.
- دعنا نكمل اجراءاتنا ، اهدأ قليلا واسترح فى غرفة الجلوس أو ابحث لنا عن آخر صورة للمفقودين .

ذهب يبحث فلم يجد أية صورة.
عملتها المجرمة أخذت معها كل الصور، وشهادات الميلاد وشهادات المدرسة، لا لقد هربت، لم يخطفها أحد لماذا يخطفونها، ليست ملكة جمال حتى يتسابقوا لها ولا صاحبة مال.
فجأة تذكر:
مد يده إلى جيبه ، أخرج محفظته ومد للمحقق صورة صغيرة يحتفظ بها في محفظته منذ 3 سنوات، قال له المحقق أفضل الصورة المعلقة على الحائط فهي أحدث وأكثر وضوحاً.
صحيح ، غاب عن بالي الصور المعلقة ،نعم خذها لكن أرجو إعادتها بعد ذلك.
أنهى المحقق عمله ، قدم لشوقي كرته الذى يحوي اسمه ورقم هاتفه ومنصبه وطلب منه أن يتصل به إذا سمع معلومات جديدة ثم خرج.

جلس شوقي وحيداً في البيت يبكي لا يعرف ماذا يفعل بعد منتصف الليل، أين يمكن أن تكون الآن؟ .. لا أصدق ما فعلته ، هل وصلت بها الجرأة لهذا الحد هل هربت لولاية أخرى؟ لكن كيف سأجدها؟ هذه مهمة فوق طاقتي لكني لن أقف مكتوف الأيدي. هل يمكن أن تكون قد عادت لبلدها الأصلي؟ لم لا، لكن كيف يمكن لها أن تعيش هناك في تلك المدينة الصغيرة التي تشبه قرية خالية ومن أجل ماذا؟ من أجل إبراهيم الذي لم أحرمها منه؟ لم أحرمها منه ، هانحن عائلة واحدة، كل شيء على ما يرام، لكنها كلما ذهبت إلى الكنيسة مع صديقتها روزا عادت وقد تغيرت ، دائمة الحديث عن المسيح، تريد أن تأخذ إبراهيم إلى هناك، لن أسمح لها بذلك، فالولد لا يستوعب أن يشرح له الأب عن دين وتشرح له الأم عن دين آخر لنقول له اختر ما تريد.

اتفقت معها منذ اتفقنا على الزواج، الأولاد سأربيهم تربية إسلامية، فقالت لي لك الأولاد ولي قلبك، الدين كله لله، لماذا تغيرت بعد ذلك وتريد أن تخل بالاتفاق .

هذه المرأة كادت تجننني، تصرفاتها بدت غريبة حتى إنها لم تعد تريدني أن أخذ الولد وحدي لأشتري له بعض الهدايا. كانت تصر على تعليمه الإسبانية لتنفرد بالحديث معه في كل شىء ، لكنني لم أتركها تحقق أحلامها فقد تعلمت الإسبانية قبله لذا أصبح الولد لا يعرف أي الكلمات إسبانية وأيها عربية أو انكليزية ولم تتصلح لغته إلا بعد أن التحق بالمدرسة.

لا لن تنجح لوريتا فى مهمتها ،أنا شوقي ولن يهدأ لي بال حتى أعثر على إبراهيم . صحيح إنني لم أتم الصف السادس الابتدائي لكنني لا أستسلم أبداً للمصاعب، تركت المدرسة صغيراً بسبب الفقر وفي حمص التحقت بسوق العمل المأجور وعمري عشر سنوات . دربتني الأيام وصقلتني الشوارع فأصبحت رجلاً عصاميا أعتمد على نفسي منذ صغري.

لم ينم شوقى لحظة واحدة .كان كمن تعاطى حبوبا لمنع النوم أو كمن تعاطى مخدر(المث) الذي يجعل النوم يطير من عيون الإنسان. ما إن أشرقت الشمس ،حتى لبس شوقي ملابسه وخرج لا يدري إلى أين يبحث في الشوارع لعله يعثر على دليل بقوده لزوجته.

في الطريق خطرت على باله فكرة، لماذا لا يذهب ليسأل صديقتها القديمة؟ هي الوحيدة التي لم يتصل بها ، لعله نسي الآن رقم هاتفها فلم يكن مسجلا على دفتر أرقام الهاتف، لكنه بعد نصف ساعة كان يدق الباب.
فجأة فتح الباب وخرج منه رجل عجوز ما إن رآه شوقي حتى قال
- صباح الخير أميغو كارلو.
- أوه صباح النور أميغو شوقي، كيف حالك يا صديقي ، لم نرك أنت ولوريتا منذ سنة، هاها ها.. هل نسيتنا لأننا أصبحنا عجوزين؟.
ابتسم شوقي أوتظاهر كذلك وقال
- عزيزى كارلو ، أنت دائما على بالنا لكن مشاغل الحياة كثيرة.
حسنا حسنا ، تفضل لا تقل لي أنك مشغول ، كورنثيان أعدت القهوة هذا الصباح وأعتقد أنك بحاجة لفنجان منها.
دخل شوقي وهو يبحث عن فرصة لبدء أسئلته لزوجة كارلو(كورنثيان) صديقة لوريتا أيام الشباب، كان شوقي وزوجته كثيرا ما يزوران كارلو وزوجته، فقد ربطتهما علاقة طيبة، لكن بعد أن تعرفت روزا على لوريتا فترت علاقتها بكورنثيان ، إذ يبدو أن روزا كانت لا تحب كورنثيان وطريقتهما فى الحياة.

سلم شوقي على كورنثيان التي رحبت به، وشدت على يديه .
- سنيور شوقي ، مرحبا بك، ما هذه المفاجأة، أين لوريتا؟
- لهذا أنا جئت لك سنيورة كورنثيان ، أريد مساعدتك ..تغير وجه كورنثيان فقالت له:
- ماذا حصل هل حصل مكروه للوريتا؟ هل تخاصمتما؟.
- خلاف بسيط كورنثيان وأريدك أن تساعديني فى حله .
- طبعا شوقي قال كارلو ، ماذا نستطيع أن نقدم لك؟
- اختصمنا أنا ولوريتا يوم أمس وغادرت البيت زعلانة، لم تقل لي أين لكني أعتقد أنها سافرت إلى أهلها في بلادكم أريد أن أسألك أن تتصلي بأهلها فى بلدكم لتعرفي إن كانت هناك حتى أذهب وأصالحها أنت تعرفين كم أحبها ،ولا أستطيع العيش بدونها.
ثم بدأ بتمتم بالعربية
- ليتها تموت ليتها تموت
فكرت كورنثيان قليلا ثم قالت:
- طبعا سنيور شوقي، لكن هل يمكن أن تذهب إلى هناك وتترك ابنها؟.
- هذا مجرد احتمال .. لا تقلقي على الولد فقد تركته عند صديق وتعرفين أن اليوم إجازة.
ومتى تريدني أن أتصل؟.
- هل أزعجك لو اتصلت الآن؟.
- أبداً سأتصل فوراً.
- أرجو أن لا تخبريها أنني هنا عندك، وإنني سألتك عنها حتى لا تزعل فهى تحرص أن تظل مشاكلنا داخلية.
صمت ثم قال:
- تعرفين ، لولا معزتك وثقتي بك لم أوضح لك طبيعة خلافنا .
- لا تقلق سنيور ،قالت كورنثيان
وأضاف كارلو
-  هيا اشرب قهوتك، ودع كورنثيان تجرى المكالمة.

اتصلت كورنثيان بعد ثوان رفع الخط من الاتجاه الآخر .
- ألو..
- ألو ، من المتصل؟.
- هل نسيت يا ماريا صوتي؟.
- آ.. آ.. أوه ، أأنت كورنثيان؟.
- كيف حالك ماريا؟.
- يا عزيزتي تعبانه جداً ،الطقس عندنا حار جدا ولا يوجد عندنا جهاز تبريد مثلكم، ما هي أخبارك؟.
- ألم تخبرك لوريتا بأخباري؟ أنا عاتبة عليها لم أرها منذ سنة؟.
لا لا سوف أبهدلها اليوم، كيف لها أن تتخلى عنك وأنت صديقة عمرها منذ الطفولة لقد وصلت هنا يوم أمس؟
- الملعونة لم تقل لي إنها ستسافر، لكنت اشتريت لك هدية وأرسلتها معها ، أين هي الآن؟.
- لا زالت نائمة مع ابنها، تعرفين المسافر يصل تعباً.
- تقولين إنها حضرت مع ابنها؟.
- نعم وكيف ستتركه عند زوجها وهو يعمل فى الشركة؟ وضع شوقي أصبعه على فمه في إشارة لكورنثيان بعدم الخوض بالتفاصيل.
- أوكي ماريا سلمي على لوريتا وسنتصل بك في وقت لاحق.
أغلقت كورنثيان الخط ثم قالت لشوقي ..
- لم أفهم ما حصل ألم تقل لي إن إبراهيم عند أحد أصدقائك.
- نعم سيدة كورنثيان ، هو عندي ، أما أمها( أم لوريتا) فقد ادعت أن لوريتا هناك مع ابنها لتوحي لك أن الأمر عادي ولا يوجد أية مشكلة فكيف سيكون موقفها لو قالت لوريتا هنا وحدها؟.
وأعتقد أن لوريتا ربما هي التي خططت ذلك لأمها. لا تشغلي بالك أميغا كورنثيان سأكون فى زيارتهم بعد أيام ومعي باقة من الورد.

كان شوقي يكذب متعمدا فقد كان لا يريد أن تفسد عليه كورنثيان خطته.
قالت كورنثيان :
- أوه سنيور شوقي رائع جداً ما تفكر به ستفرح كثيراً لوريتا وتنسى خلافها معك، أين ستضع الولد؟.
- سآخذه معي لنقول للوريتا نحن بحاجة إليك!.
- هذا رائع يا شوقي، قال كارلو:
فأكملت كورنثيان..
- أسمعت يا كارلو ماذا سيأخذ شوقي للوريتا باقة ورد؟ لماذا فقط شوقي يشترى الورد للوريتا؟ ألا تستطيع كارلو عمل ذلك؟.
ضحك كارلو وقال:
- عليك أنت أن تشتري الورد لي لأنني تحملتك طيلة هذا السنين .
ضحك الجميع
وقبل أن ترد عليه كورنثيان شكر شوقي الزوجين وسلم عليهما وغادر البيت.

كان شوقى مسرورا أنه استطاع معرفة مكان ابنه وزوجته، وكان يشعر بالرضا أنه استطاع بذكائه أن يحصل على المعلومات عن طريق كورنثيان دون أن يعلمها بحقيقة الأمر ،إذ ربما لو عرفت كل شيء لما وافقت التعاون بهذا الشكل، صحيح أن بإمكاني السفر والبحث عنها هناك لكنها سهلت مهمتي. والآن إلى مكتب سفريات لحجز تذكرة في أقرب طائرة متجهة إلى هناك..

فى الطريق فكر بالاتصال بالمحقق جان براون لمعرفة أخبار ما توصل له من معلومات وليطلعه على ما عرفه.
اتصل من هاتف عمومي بالمحقق جان فلم تكن الهواتف المحمولة قد ظهرت في ذلك الزمن، بعد عدة رنات رد عليه جان:
- ألو من المتصل؟.
- أنا شوقي ، قاطعه المحقق بسرعة..
- أين أنت بحثت عنك طويلاً؟
- خير ماذا حصل؟
- لقد وجدنا سيارة زوجتك فى المطار ونحن نبحث الآن مع شركات الطيران عن أسماء الذين غادروا يوم أمس من المطار.
- لقد غادرت للمكسيك وهي الآن عند أمها؟
- كيف عرفت ذلك؟.
وشرح له ما عمله باختصار.
- حسنا دعني أراك الآن، يجب أن أجتمع بك.

فى لقائه مع المحقق براون عرف شوقي أن زوجته وابنه إبراهيم سافرا إلى المكسيك، وعندما قال شوقي للمحقق بأن ابنه ليس لديه جواز سفر إلا إذا خططت ..
قاطعه المحقق..
- السفر للمكسيك لا يحتاج لجواز سفر!
- كيف إذن يدخل المطار، يكفي أن تذهب برخصة سواقه أو شهادة ميلاد تثبت أنك أمريكي.
- وماذا عن العودة؟
- نفس الشيء ، بماذا تفكر؟.
- لا شيء حتى الآن لكن من حقي أن أستعيد ابني.
- ونحن ندعمك يا شوقي ، نحن ندعم حق الطفل الأمريكي بالعودة للوطن الأم فإن كان الأب هو الذى يخطفه ويهرب كما يحدث كثيراً مع المسلمين المغتربين فنحن نقف إلى جانب الأم فى استعادة الطفل أما إذا خطفته الأم كما في حالتك فنحن مع الأب ، لكنا لا ننصحك أن تستعيده بنفس الطريقة، فقد تتعرض لمشاكل مع السلطات الرسمية هناك حينها لا نستطيع أن نساعدك بشيء .
- أتفهم موقفك سيد جان.

حجز شوقي مقعداً فى أول طائرة متجهة إلى بورتو فايارتا كان مصمما على إعادة ابنه حتى لو كلفه ذلك حياته، لم ينس قبل سفره أن يحمل معه بعض الوثائق الهامة مثل شهادة ميلاد ابنه الذى كان يخبئ نسخة منها فى صندوق الأمانات فى البنك بالاضافة إلى أوراق أخرى رأى أنها قد تفيده.

أقلعت الطائرة وهو يفكر بالطريقة الأفضل لإعادة ابنه
لا أعتقد أن فكرة مواجهتها مفيدة، فقد تنقل الطفل لبيت أحد أقاربها فلا أعرف أين هو وتتعقد المسألة، لذلك يجب أن أكون حكيما في تصرفي.

وصل شوقى المدينة الصغيرة الجميلة الواقعة على المحيط، حجز في أحد الفنادق القريبة من وسط البلد.

كان شوقي يتصرف كأنه قد أعد خطته بإحكام رغم إنه جاء للمكسيك لا يحمل سوى إصراره وعناده على استعادة ابنه.

في اليوم التالي استقل سيارة أجرة وقال لسائقها كم تكلف أجرة السيارة في اليوم.
- خمسون دولاراً.
- حسنا ،أريدك أن تبقى معي طوال اليوم.
- أوكي مستر أمريكانو لكن البلد هنا صغيرة ولا تحتاج السيارة طوال اليوم.
- أنا أحب أن أتفرج على هذه البلدة فأنا مصور . أحب صور الشوارع القديمة والشعبية أريدك أن تأخذني لكل الشوارع حتى الشوارع التي لا يدخلها السواح.
- أوكي، متى سنبدأ.
- غداً صباحاً الساعة السابعة.
- هذا وقت مبكر والشوارع تكون مزدحمة.
- هذا ما أحب أن أراه.
- سأكون عندك غداً الساعة السابعة.

استغرب السائق طلب شوقي، قال في نفسه ، مجانين هؤلاء الأمريكان ، يصرفون فلوسهم على الكلام الفارغ ماله وللشوارع القديمة والزبالة التى تزكم الأنوف أليس الأفضل له أن يذهب إلى الشط ليشاهد المناظر الجميلة، لكن ماذا يهمني ما يفعل. ربما يعمل كصحفي ويريد أن يبيع صور البلد.
المهم أن أقبض الخمسين دولارا مساء اليوم ، من يدري ربما يعطيني خمسة دولارات زيادة.

ظل شوقي فى الفندق يتفقد خارطة البلد وأسماء الشوارع حتى استطاع أن يحدد المنطقة التى تسكن فيها والدة ماريا، وضع علامة بالقلم على الموقع ثم وضع الخارطة على الطاولة ليحملها معه في الصباح.

-  حضر السائق فى الموعدالمحدد ، وتوجه به إلى شوارع البلدة الشعبية وشوقي يصور الشوارع وأحيانا يوهم السائق أنه يصورها ويتظاهر باستمتاعه بها، بعد دقائق قال له بعد أن فتح الخارطة فى السيارة، ما رأيك أن تأخذني إلى الشارع الفلاني ،هل تعرفه؟.
- طبعا أنا من سكان البلد.

توجه السائق إلى هناك، فبدأ شوقي بتصوير بعض الأماكن ويتفحص العناوين ومداخل الشوارع سأل السائق هل يوجد مدرسة ابتدائية قريبة من هنا؟.
- نعم
- هل لى أن أصور الأولاد لحظة دخولهم المدرسة؟.
- أوكي أميغو ،سآخذك إلى هناك ..

توقف السائق أمام أحد المدارس ،فيما الأولاد يتوجهون للمدرسة صباحا.
كان شوقي متخفيا عن زوجته وابنه فيما لو رآه أحدهم ، يلبس نظارة سوداء عريضة، وكان قد صبغ شواربه ويلبس طاقية مستديرة، مثل طواقي الكاوبوي(برنيطة) وفى فمه دائما سيجار فاخر.

انتظر شوقي ليرى ابنه فلم يره، قال في نفسه لعلها أرسلته إلى مدرسة أخرى ، أو ربما دخل قبل وصولي. فهي تسكن في تلك المنطقة ومن غير المعقول أن تتركه بدون دراسة، سأل السائق.
- هل هذه المدرسة هى الوحيدة القريبة من هنا؟.
- نعم ولكن يوجد مدرسة أخرى بعيدة بعض الشىء الناس المقيمون هنا لا يرسلون أولادهم إلى المدرسة البعيدة.
- حسنا، يمكنك الان إعادتي للفندق والعودة بعد الظهر قبل خروج الأولاد من المدرسة، أحب أن أصورهم وهم يخرجون بشكل جماعي.

بعد الظهر كان شوقي يتفحص كل طفل يخرج من المدرسة فجأة لمح ابنه يخرج ويسير مشيا على الأقدام إلى بيت جدته القريب من المدرسة، دق قلبه كان يود لو يخرج يضمه لصدره لكنه يعرف أن ذلك يفشل خطته، فلو تأخر عن البيت لبدأت أمه بالبحث عنه. كتم مشاعره وجفف دموعه بمنديل يحملة وطلب من السائق أن يسير بنفس الاتجاه للتأكد أن جدته ما زالت تسكن في نفس المكان. وعندما وصل الطفل إلى البيت وتأكد أنه نفس البيت القديم الذي كان قد زاره من قبل عندما كان زار المكسيك مع زوجته، منذ سنوات طويلة.

طلب من السائق التوجه للمطعم لتناول الغذاء، أصر شوقي أن يتناول السائق الغذاء معه فلم يرفض وكان مسروراً بعد الغذاء عاد شوقي للفندق ليرسم خطته النهائية.

حجز مقعدين بشركة طيران جديدة واحد باسمه والثاني باسم ابنه، وفي صباح اليوم التالي اتفق شوقي مع سائقين، الأول يأتي معه صباحا للمدرسة، ليقوم بمهمة استعادة ابنه والثاني يسير خلف الأول احتياطيا حتى لا تتعطل السيارة معه فتتعطل خطته. قال للثاني ، ستكون خلف السيارة الأولى لأن بعض الأصدقاء سيركبون معنا للذهاب في رحلة.
الساعة السابعة تماما كان شوقي أمام المدرسة ينتظر وعندما شاهد ابنه قال للسائق ،انتظر ، يجب أن أرى ابني قبل السفر.
خرج من السيارة واقترب من ابنه بعد أن خلع نظارته وقبعته وناداه إبراهيم.
- أوه بابا وركض نحوه بحقيبة المدرسة.
حمله شوقي وقبله بطريقة عادية حتى لا يلفت نظر السائق والمارة وقال له
- ألا تريد بعض الشوكلاته؟
- بالطبع بابا
- إذن تعال معي فقد أحضرت لك بعضها.
ثم توجه به للسيارة. قال للسائق:
-  اذهب لأقرب مكان مكدونالدز هنا (القريب من وسط البلد) يجب أن أشترى له وجبة ساخنة .قبل المدرسة.

تحرك السائق الأول ويتبعه الثاني دون أن يدري أي منهما ما الذي يجري. استدار لابنه إبراهيم وقال له بالإنكليزية حتى لا يفهم السائق ما يدور
- اشتقت لك يا إبراهيم، ألم تشتق لي؟.
- طبعا بابا. متى سنعود لأمريكا فأنا لا أحب المدرسة هنا.
- حسنا الآن سأشتري لك بعض الملابس أيضا والكاندي لا تقلق على المدرسة ستعود لها غداً.
- صحيح ؟ واو ، بابا أريد الذهاب للمدرسة فى أمريكا ، أريد العودة لأصدقائي هناك. أحب أن ألعب مع جم وسالي، متى سنعود بابا؟
- اليوم يا إبراهيم.
- حقا؟
- طبعا ألا تصدقني؟
- وماذا عن أمي؟
- ستلحق بنا بعد أيام.

أمام مطعم المكدونالد حاسب شوقي سائق السيارة وقال له لا داعي للانتظار فسوف نقضي بعض الوقت هنا، كما دفع للسائق الثاني، وقال له: سألتقي مع أصدقائي هنا.

وعندما تأكد شوقي أنهما غادرا المكان استقل سيارة أجرة جديدة وطلب منه التوجه للفندق، من هناك حمل حقيبته من قسم الأمانات ،فقد كان قد حاسب الفندق ، واستقل سيارة من سيارات الفندق للمطار.

بعد ساعة كان شوقي وإبراهيم أمام شباك المطار لختم الجوازات .

قدم شوقي تذكرتيهما مع جواز سفره وشهادة ميلاد ابنه.
نظر رجل الأمن المكسيكي للأوراق فقال له
- أين ورقة الدخول؟.
استغرب شوقي.
- أية ورقة دخول ؟.
- الأشخاص الذين لا يحملون جواز سفر يأخذون ورقة عليها ختم تاريخ الدخول، وبما أن ابنك لا يحمل جواز سفر إذن حصل على ورقة عليها تاريخ الدخول.
- أووه فهمت ، لحظة من فضلك.

بدأ شوقي يفتش فى جيوبه وفى حقيبته وهو يلعن في نفسه المحقق جان الذى لم يلفت نظره لتلك الورقة، ماذا عساي أن أفعل؟. بعد لحظات قال له:
-  يبدو أنني فقدتها سنيور. لكنه دخل المكسيك في تاريخ كذا وكذا .
-  حسنا لكني أريد الورقة حتى لا تنتظر مدة طويلة.

مد شوقي يده بجرأة وأخرج مائة دولار أمريكي وقدمها للمكسيكي دون أن يلاحظ أحد ثم بدأ يتحدث معه بالإسبانية

- أنت تتحدث الاسبانية بطلاقة.
- سنيور أنا متزوج مكسيكية وابني هذا نصفه مكسيكي.
ضحك المسئول وختم له جوازه وأشار له بالدخول بعد أن غمزه بطرف عينه.

تنهد شوقى طويلا، فقد كاد ذلك أن يعطل عليه كل شيء.

بعد ساعة كان شوقي في الطائرة متجها إلى جورجيا وبجانبه ابنه . قال لإبراهيم.
- هل أنت سعيد الآن؟
- نعم يا بابا ، أنا لا أحب مكسيك( هل وذ إت) . إلى الجحيم معها.
- حسنا بعد ساعات سنكون فى أتلانتا ،في أمريكا، لن تخرج منها بعد اليوم إلا زائراً وفي الاتجاه الذي أحدده لك.
رمى الطفل رأسه على صدر أبيه وذهب في سبات عميق.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً