الصفحة الأساسيةحوارات
آخر تحديث :
الاثنين ٢٠ شباط (فبراير) ٢٠١٧
في حوار مع جريدة الجماهير السورية
علينا مخاطبة أنفسنا وشركاءنا في الوطن
أجرى الحوار بيانكا ماضية - سوريا
الاثنين ٩ نيسان (أبريل) ٢٠٠٧

1- كانت لك تجربة مريرة في سجون الاحتلال الإسرائيلي في القدس ، هل لك أن تحدثنا عن هذه التجربة ، وماصنعته في نفسك من رؤى شعرية وقصصية تلقي بظلالها على تلك الفترة ؟

تجربة الاعتقال في السجون الصهيونية كانت تجربة مؤلمة وغنية في آن معا، فهي مؤلمة ليس لأنها تحد من حرية الإنسان الفلسطيني فقط ولكن لأنها تضعه في مواجهة يومية مع إدارة السجن التي تعمل وفق مخطط مدروس لقتل الأسير الفلسطيني والعربي داخليا وتفريغه من أفكاره، وانتمائه الوطني، وهي لهذا تخلق له المتاعب اليومية خلف القضبان حتى لا يهنأ، ولا يفكر، ولا يكتب، أو يقرأ، يريدونه أسيرا يقضي يومه باللعب والنوم. ولهذا فالأسير الفلسطيني دائما في حالة تأهب لمواجهة إدارة السجن كأنه في حرب متواصلة، لا مكان للراحة له فيها.

لقد سطر أبطالنا الأسرى في السجون الصهيونية آيات من البطولة وقدموا الشهداء في انتزاع حق امتلاك الورقة والقلم حيث كان ممنوعا في سنوات الستينات ومطلع السبعينات، وبعد القلم والورقة ظلت إدارة السجون تصادر المواد المكتوبة، لذلك كنا نوزع ما نكتبه بطرق سرية يصعب وصفها. وهي تجربة غنية أيضا لأنها توفر مادة واسعة للكتابة عن الأسرى ومعاناتهم وقصصهم، ومشاعرهم، وأحلامهم.

تأثير الاعتقال واضح على الكثير من الكتابات التي كتبتها سواء شعرا أو قصة، وأخيرا البحث عن الأسرى خلف القضبان الذي صدر العام الماضي، ولدي الآن مجموعة قصصية على وشك الانتهاء عن الأسرى خلف القضبان، سأحاول نشرها هذا العام وإلا ستنشر في مطلع العام القادم.

2- أين تضع تجربتك الشعرية والقصصية في حيز المكان ؟ ، وماذا أضافت رحلة التنقل إلى ذخيرتك المعرفية ؟

وما أوتيتم من العلم إلا قليلا، رغم كل ما تحقق أقول لا زلت في بداية الطريق، ربما لم أبدأ بعد، أحلامي كبيرة وأمامي الكثير من المهمات، تنقلت في حياتي كثيرا وأصبحت مثل البدو الرحل، فعمري الان خمسين سنة، تنقلت فيها في حوالي 45 بيتا، بحيث أصبحت أنشد الراحة والاستقرار، أتمنى أن أعيش في بيت لا أنتقل منه إلا إلى المقبرة.
هذا التنقل ضيع الكثير من وقتي وحرمني الاستقرار وأثر على الكثير من مشاريعي، وكان علي أن أتأقلم على ذلك وأعود نفسي عليه. لا أنفي أن هذا التنقل زاد من خبرتي وأضاف إلى معرفتي الكثير ووسع رؤيتي للمستقبل.
أعترف أنني بعد هذه المحطات كلها اكتشفت نفسي من جديد وعدلت الكثير من قناعاتي السابقة.

3- مكان ميلادك : القدس ، البلدة القديمة ، بجانب المسجد الأقصى ، ماذا يصنع هذا المكان في ذاكرة الأديب عادل سالم ؟

القدس، وخاصة البلدة القديمة لها مكان واسع في ذاكرتي، وهي لا تزال سليمة والحمد لله، أستعيدها كلما أحببت وأنا مستلق على فراش أو جالس على شط بحيرة. ولدت في حارة القرمي، وفي أزقتها
عشت أكثر من عشرين سنة من عمري على الأقل قبل أن أنتقل خارجها.

زيارة المسجد الأقصى كانت يومية لنا، ليس للصلاة فقط وإنما للدراسة في أروقته بعيدا عن أصوات الأهل والجيران. فقد عشت بعيدا عنه مائتي متر فقط.

في شوارع البلدة القديمة خرجنا نتظاهر ضد الاحتلال الصهيوني، ومنها اعتقلت أول مرة عام 1978، وفي مدارسها تعلمت، وفيها أحببت أول فتاة، حب مراهقة طبعا، وفيها كتبت أول قصائدي، وفي شوارعها نعيت صديقا قديما هو الشهيد محمود الكرد الذي قتله الصهاينة عام 1976 في شارع باب خان الزيت، فسال دمه وسجل تاريخ شعب مقاوم. وفيها اشتغلت خلال المدرسة، أبعد كل هذا ألا يحق لي أن أحتفظ بأغلى الذكريات عنها..

في هذا الرابط قصيدة عن القدس

http://www.adelsalem.com/spip.php?article65

4- أصدرت كتاباً هو دراسة توثيقية جاءت بعنوان (أسرانا خلف القضبان) ما الذي احتواه هذا الكتاب؟

يتألف الكتاب من ثلاثة فصول إضافة للملاحق والمراجع. الفصل الأول عن أهم أساليب التحقيق التي تمارسها المخابرات الإسرائيلية مع المناضلين العرب، والفصل الثاني حول ظروف الاعتقال والأسر داخل هذه السجون والمعتقلات الصهيونية، حين تتوحد هناك إرادة الأسرى الفلسطينية، والأسرى العرب من سوريا، والأردن، ومصر وغيرهامؤكدة تلاحم هذه الأمة، وتراص صفوفها، والفصل الثالث (في رحاب الأسر) ينقل الكاتب فيه تجارب حية عايشها مع الأسرى خلف القضبان لقد أهديت هذا الكتاب للأسير الشهيد عمر القاسم الذي استشهد في سجن نفحة عام 1989 بعد أن قضى أكثر من 21 عاما خلف القضبان كانت حتى استشهاده أكثر مدة يقضيها أسير فلسطيني في السجون الصهيونية.
الكتاب يعتمد إضافة إلى المراجع والمصادر على اللقاءات الشخصية التي كان يجريها الكاتب مع العديد من الأسرى أثناء وجوده معهم في ثمانينات القرن الماضي. وهو وثيقة دامغة تسجل انتهاكات إسرائيل المتكرر ضد شعبنا وأمتنا والإنسانية جمعاء.

5- مجموعة ( لعيون الكرت الخضر ) القصصية التي نشرتها في العام 2006 ، تدور موضوعاتها حول الجالية العربية المغتربة في أمريكا ، كيف تنظر إلى دور هذه الجالية في تعاملها مع قضايا أمتها هناك في المغترب ؟

حسب وجهة نظري (أنا أعيش هناك منذ أكثر ربع قرن، وأقاربي هنا يعدون بالمئات)، الجالية العربية لا زال دورها ضعيفا وهذا يعود لعدة أسباب منها ما يتعلق بحداثة هذه الجالية مقارنة بجاليات أخرى مثل اليهودية، أو الهسبانك (تسمية يقصد بها الأمريكيين من أمريكا الجنوبية)، أو السود مثلا، وثانيا لأن هذه الجاليات لا زالت تحمل معها كل خلافاتها القديمة، فكل جالية عربية من دولة ما متقوقعة على نفسها، وكل شخص يهتم بمصالحه الخاصة، والمسألة الثالثة والأهم منها جميعا أن الجالية العربية لا زالت تعيش غريبة عن المجتمع الأمريكي ونخص المسلمين منهم بشكل خاص ولذلك فإن إمكانية التأثير في المجتمع ضعيفة جدا.

فاليهود مثلا يشاركون في كل مرافق الحياة الأمريكية يتزوجون من الأمريكيين ويختلطون معهم يذهبون لباراتهم، لملاعبهم، الخ
لكن نحن نتصرف كأننا منعزلين عنهم تماما. بل هناك عرب يعيشون هنا منذ ثلاثين سنة، ليس لهم ولو صديق أمريكي واحد، ولو حصل واشتغل عربي مثلا في سلك المخابرات الأمريكية سينظر له أغلب العرب بأنه جاسوس، خائن للعرب، ويبتعدون عنه.

نعم لقد بدأ الكثير من أبناء الجالية في المشاركة والتغيير وخصوصا من الجيل الثاني، والثالث من العرب الأمريكيين إذ يصعب القول أنهم مغتربون لأن الجيل الجديد لم يعد يفكر بالعودة لوطنه الأصلي، ويعتبر أمريكا هي وطنه النهائي، لكن هؤلاء لا زالوا قلة ومنهم من يتعرض للتحريض من قبل أهاليهم بعدم الاختلاط بالأمريكيين البيض والابتعاد عنهم.
تلك حقيقة قد يحاول بعضنا انكارها لكنها موجودة رغم أنفنا.

6- أسست مواقع إلكترونية متعددة، وديوان العرب واحد منها ، وهو يستقطب الأدباء والمفكرين والشعراء والكتاب العرب من مختلف أرجاء العالم ، ماهو تأثير التجربة الرقمية على الساحة الثقافية العربية برأيك ؟

تأثير ايجابي في الإطار العام لكن لا زلنا نحن العرب لم نستفد منه سوى خمسة بالمائة فقط. ومعظم ما أراه هو انبهار من المواطنين العرب بالمحادثات وكتابة المقالات للتعبير عن الرأي، لم نمسك بجوهر الشبكة، هناك جامعات مثلا تقدم دورات ومحاضرات على النت فأين نحن من ذلك؟ أنا أتكلم عن الجميع وليس عن جامعة محددة واحدة.

هناك شركات تدير أعمالها وبرامجها على النت فأين نحن من ذلك؟
كل البنوك الأمريكية يمكنك عبر النت من إدارة حساباتك بنفسك فهل هذا ممكن لدى كل البنوك العربية؟ طبعا لا فالشبكة غير منتشرة عندنا أصلا في كل بيت.
نسبة المشاركين في الشبكة من الدول العربية لا تزيد عن خمسة في المائة.
لماذا تنتشر مقاهي النت في الدول العربية؟ ببساطة لأن الناس لا تملك ثمن الجهاز ولا الاشتراك.
في المكتبات العامة في أمريكا وهي كثيرة وفي كل منطقة يوجد عشرات أجهزة الحاسوب في كل بناية مجانا لاستعمال الناس فأين نحن من ذلك؟
لنعد لحرية النشر على الشبكة العنكبوتية، أرى أنها فتحت آفاقا لتبادل الآراء والمعرفة، ولكن أغلب كتابنا للأسف استسهلوها ولم يعودوا يفكرون بتطوير لغتهم وأساليبهم، فوجد جيل من الكتاب الشباب إن جازت التسمية غريب عن لغته، ضحل في أفكاره، يهمه فقط أن يقول شيئا ليصل الآخرين، ولا يعرف أن ما كتبه اليوم قد لا يقرأ غدا.

آلاف الشباب يدعي كل منهم أنه كاتب، ومفكر، وشاعر، وعندما يوجه لهم أحد نقدا لغويا، أو يرشدهم لأخطائهم يثورون عليه، ويشتمونه.

لكنها تبقى في الإطار العام نقلة كبيرة إلى الأمام، لم نمسك بزمامهما بعد. فنحن لا نبحث في الشبكة عن كل ما هو إيجابي بل عن كل ما هو سلبي فيها.

7- ماهي الصعوبات التي تعترض مسيرة تجربتكم الثقافية الإعلامية في (ديوان العرب) ؟ وأي العوامل التي تساهم في إنجاح هذه المسيرة ؟

بالتأكيد أهم الصعوبات التي تواجه كل المؤسسات الثقافية العربية هي عدم وجود أموال كافية للقيام بالعديد من المشاريع الثقافية والفكرية التي تعتبر من أهم أهدافنا، كما تحد القوانين العربية من امكانية تسجيلنا رسميا في إحدى الدول العربية، لأن القانون يشترط فتح سجل في قسم الضرائب وشروطا كبيرة يصعب توفرها، فيما سجلناها هنا في أمريكا بخمسة وثلاثين دولار فقط وبدون عراقيل أو أية أسئلة.
ألا يدعو هذا للرثاء؟


8- مامن شك في أن لهذا الموقع رسالة إلى الآخر الغربي ، ماهو مضمون هذه الرسالة ؟

أولا الآخر ليس فقط الغربي الذي يبهرنا بالتكنولوجيا حتى بدنا ننسى الآخر الأقرب في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، بصراحة لا في ديوان العرب لم نتوجه بعد للآخر .

فلا يمكن مخاطبة الغربي باللغة العربية، لكن لنا طموح لا ندري متى يتحقق أن نترجم إبداعاتنا إلى لغات أخرى نستطيع من خلالها أن نطل عبرها بعض الشيء للآخرين، علينا قبل مخاطبة الآخر سواء كان غربيا أو شرقيا، أو إفريقيا، أو أمريكيا جنوبيا، علينا مخاطبة أنفسنا وشركاءنا في الوطن، علينا أن ننجح في حوار أبنائنا الذين يعيشون معنا.

نحن يهمنا في الأساس تمتين جبهتنا الداخلية الثقافية التي يهملها الكثير منا، في كل مؤتمراتنا الثقافية ندفع آلاف الدولارات لدعوة كاتب من أمريكا أو بريطانيا، هذا الاهتمام يجب أن يوجه للداخل بكل قومياته ومكوناته، علينا إيجاد مناخ ثقافي عربي يؤمن بأن العروبة هي ثقافة إنسانية، وحضارية منفتحة وتستوعب شركاءها في الوطن والدين وليست ثقافة عنصرية تقوم على العنصر، أو الطائفة. السياسيون العرب أساءوا للثقافة العربية عندما ظلموا الآخرين باسم العروبة، وعلينا نحن المثقفين أن نصحح هذا الخلل ونعيد للداخل لحمته، نحن في ديوان العرب نمد أيدينا لكل شركائنا في الوطن الناطقين بالعربية ليتقدموا نحونا فصدورنا مفتوحة لهم كما قلوبنا وأفكارنا، فلا مستقبل لأبنائنا بغير مستقبل أبنائهم ولا حرية لنا إلا بحريتهم وازدهارهم.

9- بماذا تختم حوارنا أستاذ عادل في ظل ماتعيشه الأمة من صراعات داخلية وخارجية تؤثر سلباً على الإنسان لما يلقاه من حروب وآلام ودمار وسلب لحقوقه ؟

أكثر هذه الصراعات تأثيرا على حياتنا هي الصراعات الداخلية، كما هو الحال في العراق مثلا أو لبنان، السودان، الصومال، اليمن، فلسطين، وغيرها. ليس أمامنا سوى طريق واحد لتقدمنا وازدهارنا، الانفتاح بين أبناء أمتنا بكل مكوناتهم، تقبل كل منا للآخر كما هو ، والعمل معا لبناء وطن الأبناء، وطن الأحفاد، بعيدا عن توريث الأحقاد، والتعصب، والعنصرية، لن ينهزم أعداؤنا بدون تمتين جبهتنا الداخلية.

أقول لأبنائي وأبناء كل شعوبنا العربية، وأبناء كل سكان هذا الوطن الكبير من عرب وأكراد، وأمازيغ، وأفارقة، ومسلمين شيعة، وسنة، ودروز، ومسيحيين أقباط، ومارونيين، وكاثوليك، وأرثوذوكس، ويزيديين ووووو
لا تسمعوا لآبائكم إن دعوكم للتحارب، ومعاداة بعضكم بعضا.

لتصنعوا معا ما فشل الآباء في صنعه، المحبة والتسامح ولتتعانق أيديكم معا من أجل مستقبل باهر تكونون فيها روادا في الفكر، والأدب، والعلم، والفن وشتى شؤون المعرفة.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً