الصفحة الأساسيةقصص وسرد
مقصلة الدولار
الخميس ٣١ أيار (مايو) ٢٠٠٧
بقلم عادل سالم

اليوم الخميس، لدي موعد مهم في وسط المدينة، علي الذهاب إلى هناك مبكرا، يا له من يوم مزعج، فأنا واحد من الذين يكرهون الذهاب إلى وسط مدينة شيكاغو رغم أن الكثيرين يسعدون بذلك ليستمتعوا بمشاهدة أبراجها العالية، والتمتع ببحيرتها الكبيرة، بحيرة ميتشغان المليئة بقوارب الأغنياء الذين لا يستخدمونها ربما سوى عدة مرات طوال السنة.

لن أذهب إلى وسط المدينة بالسيارة، ففي الصباح الباكر تكون الشوارع والطرق السريعة مزدحمة بالسيارات والحافلات، وقد أصل هناك بعد ساعتين، والأهم من كل ذلك سأكون على أعصابي طيلة المدة التي تستغرقها الرحلة إلى وسط المدينة. فالسواقون يزاحمون بعضهم بعضا والازدحام لا يترك لك وقتا للراحة فعليك أن تكون متنبها لكل حركة، وعلى رجلك اليمنى أن تكون مثل آلة أوتوماتيكية تدعس على الفرامل ثم تعود فورا لتدعس على البنزين وهكذا.

وإذا نجحت ووصلت بسهولة فعلي البحث عن مكان لإيقاف السيارة وعادة معظم الأماكن تكون مليئة هذا عدا عن أجرة إيقاف السيارة والتي تبلغ 22 دولارا ولو لساعة واحدة.

إنهم لصوص، لا أستطيع أن أجد تسمية لهذا الاستغلال الفاحش سوى أنهم لصوص.
كثيرا ما أتساءل لماذا تصر البلدية على أن تحافظ على هذا الازدحام في وسط المدينة، أليس بإمكانهم أن ينقلوا الكثير من المؤسسات والشركات الكبيرة إلى أماكن أبعد وأقل ازدحاما؟؟
يبدو أنني غبي لا أعرف بإن أي تغيير طابع وسط المدينة يعني هبوط سعر العقارات هناك، وهو ما يحاربه أصحاب النفوذ، وأصحاب الملايين، هل قلت الملايين، أقصد البلايين.

لبست بعض ما عندي، وتوجهت على الفور إلى محطة القطار، القريب من بيتنا، مدة السفر إلى وسط المدينة حوالي 35 دقيقة، وها أنا الآن جالس أمتع نظري بشوارع المدينة، هادئ البال، غير متوتر الأعصاب.

وصل القطار فنزل المئات منه مرة واحدة، يا إلهي كل هؤلاء يستخدمون القطار، ورغم ذلك تجد الشوارع مزدحمة بحركة المرور.

تابعت سيري على الفور لأصل إلى هدفي، لحظات كنت خلالها أسير في شارع آدمز، قطعت الجسر وسرت باتجاه الشرق كنت أفكر بلقاء العمل الذي سيتم بعد دقائق معدودة، فجأة مجموعة من الفتيات الجميلات يقفن على الرصيف يتبادلن أطراف الحديث، كانت إحداهن تتفوق على زميلاتها بجمالها، أو هكذا خيل لي، طويلة القامة شعرها يتدلى على كتفيها حتى خصرها الرفيع، أما وجهها فكان آية في الجمال سبحان خالقها، تخيلت وأنا أقترب منها أنني سأكتب بها قصيدة شعر، فلحظات الإلهام نادرة، نظرت إلى قلمي في جيب قميصي، ودفتري الصغير، وقبل أن أمد يدي إليه فوجئت بها تنظر نحوي وتصوب شعاع عينيها باتجاه عيني اللتين لا تقويان على مقاومة كتلك.
- أصحيح إنها تنظر إلي؟
نظرت إلى جانبي لأرى إن كانت تلك النظرات تقصد غيري فلم أر أحدا يسير بجانبي، أو حتى يتطلع إليها، تمهلت في سيري لأتأكد مما أرى، فبدأت بالسير باتجاهي.
- يا إلهي، هل تعرفني هذه الحسناء؟ كأنني رأيتها من قبل، هل هي .....؟ لا لا أظن.
ازدادت اقترابا فكل منا يسير باتجاه الآخر، وكلما اقتربت توسعت ابتسامتها، كشمس الصباح التي تزيد إشراقا كلما اقترب الصباح.
-  ربما تمزح معي، آخ تذكرت يبدو أنها الكاميرا الخفية يريدون أن يسجلوا ردود فعلي وأنا أقترب من امرأة حسناء، هل علي أن أخفي مشاعري، أم أترك للكاميرا أن تسجلها؟
لكن لماذا اختاروني أنا من بين هذا الحشد الكبير من المارة، بسرعة البرق التفت إلى الخلف لأتأكد أن أحدا لا يصورني، فلم ألمح شيئا يقلقه ما يحدث بيننا.

اقتربنا من بعض حتى جاء وجهي بوجهها ابتسمت وبدأت تسير بجانبي تضرب كتفها بكتفي، استدارت نحوي ثم قالت:
-  هاي
قلت لها:
-  هلو، كيف حالك؟
ابتسمت وسارت تتغندر مثل بطة تتمايل يمينا ويسارا بطريقة مثيرة لرجل مثلي.
-  لا أصدق، لماذا اختارتني من بين كل الناس، وأنا رجل غزا المشيب رأسه حتى لم يترك له شعرة سوداء في شعره؟
-  ألم تر الشباب يملأون الشارع لتحتك بهم؟
-  لا بد أن سرا في الأمر

فجأة استدرت لها لأسألها، هل تعرفينني؟
نظرت إلي بعد أن توارت ابتسامتها، ثم عادت أدراجها إلى الخلف.
كان سؤالي جوابا لما يدور في ذهنها، استدرت إلى الخلف لأشاهدها تتمايل من جديد كأنها لوحة جميلة فقدت أحد ألوانها.
اقتربت من رجل آخر، وبدأت الحديث معه، ضحك لها وأكملا السير خلفي.
تساءلت محتارا وأنا أسير إلى موعدي المنتظر:
-  لماذا يذبح كل هذا الجمال على مقصلة الدولار الأخضر؟


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً