الصفحة الأساسيةمقالات ودراسات
قبلة على جبين المتنبي وحفيده محمود درويش
الأربعاء ١٨ تموز (يوليو) ٢٠٠٧
بقلم عادل سالم

يخطئ الكثير من الكتاب، والصحفيين العرب عندما يقيمون إبداع شاعر أو أديب بناء لموقفه السياسي، أو الديني، وليس استنادا إلى النصوص الإبداعية التي قدمها الشاعر أو الكاتب للحركة الثقافية في البلاد العربية. ولهذا تجدهم يرتكبون جريمة لا مبرر لها عندما يشنون هجومهم وغضبهم على هذا الشاعر أو ذاك الأديب لاختلافهم معه في قضية معينة.

من حق أي شاعر، أو أديب، أو كاتب، أو باحث الخ أن يكون له آراؤه وقناعاته في الأمور السياسية، ومن حق أي مواطن أن يؤيد ذلك الموقف أو يرفضه، ولا أحد يصادر حق الكتاب الآخرين في الرد على المواقف السياسية للشعراء أو الكتاب، من حقهم انتقاد مواقفهم، واتخاذ ما يرونه من مواقف، لكن الشيء المؤسف أن ينزلق إلى مهاترات تسخيف قصائد الشاعر، وتراثه الفكري، من باب الخلاف السياسي، ولعل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، أكثر من تعرض لهذا الهجوم، تحت مبررات موقفه السياسي من أوسلو، وتحت مبررات أنه لم يقدم شيئا لفلسطين، رغم هذا الكم الكبير من الدواوين الشعرية التي أصدرها، وكأن الشاعر عليه أن يكتب لفلسطين قصائد حماسية كما يريدها منتقدوه لا كما يراها هو.

قد يكون موقف محمود السياسي متقلبا، وقد يكون عاش فترة منعما في كنف الرئيس الراحل عرفات، وقد يكون الخ مما يقال عنه، لكن هل كل هذا يكفي لكي يهاجم شعريا؟
لا وألف لا، فمحمود درويش شاعر بكل معنى الكلمة، وهو يتربع على عرش الشعر الآن في فلسطين، والعالم العربي، من كان يتهمه بشعره من باب الخلاف السياسي، لا بد أن يكون خاليا من أي ذائقة شعرية.

درويش ثروة ثقافية علينا المحافظة عليها واحترامها.
لنختلف معه، لننتقد مواقفه السياسية ما نشاء، لنكتب عن حياته الاجتماعية كل ما نريد، لكن رجاء عند التطرق إلى شاعرية درويش فيصمت الجميع لكي يغرد درويش في بستان الشعر ما يشاء.

درويش لم يقل إنه قائد سياسي، أو حزبي، فهو شاعر فنان، مثل المطرب، الموسيقي اللذي يعزف ألحانا يستمتع بها الناس، دون أن يسألوه عن مواقفه السياسية، هو عصفور ينتقل من شجرة إلى شجرة، قد نطارده، وقد نحبسه في قفص، لكن لن نختلف على شعره، وإبداعه.

ليس درويش فقط الذي تعرض لذلك فهناك كتاب آخرون مثل نجيب محفوظ، والشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وسميح القاسم، وغيرهم الكثير ولعل آخر هجوم قرأته على صفحات الحياة قبل حوالي شهر من تاريخ هذا المقال يتعرض فيه بعض الكتاب والشعراء للمتنبي ويصفونه بالشحاذ،على حد قول الشاعر السعودي غازي القصيبي، مع العلم أنه لو وجد الشاعر غازي القصيبي أيام المتنبي لكان شحاذا مثله، ولو كان المتنبي الآن سعوديا لكان أحد أمرائها.

يقينا أن اللذين يريدون من الشاعر أن يكون إلها، أو نبيا، أو عمر بن الخطاب في عدله يرون الأمور في غير مكانها، وربما يريدون فقط أن يجدوا شيئا يهاجمون فيه غيرهم.

إن كان المتنبي شحاذا، أو كذابا، أو ما شاء لهم أن يطلقوا عليه من تسميات، فهو رغم كل ما قالوا ويقولون وسيقولون شاعر العرب الأول منذ نطق الشعر حتى اليوم. وكل من جاء بعده لم يصل ولو إلى كتفيه.
ومحمود درويش وبقية شعرائنا الكبار هم أحفاده الأوفياء في مملكة الشعر العربية. تلك المملكة لا يرث فيها الشعراء إلا شعراء مثلهم.

وختاما أكرر، قد نختلف مع درويش، لكنا سنظل نستمع لأشعاره القديمة والحديثة، وكل ما أطربتنا قصيدة، سنقف لنطبع قبلة حب على جبينه كما طبعناها من قبل على جبين المتنبي الذي نردد شعره رغم وفاته قبل ألف سنة.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً