الصفحة الأساسيةقصص وسرد
غالب في المصيدة
الثلاثاء ١٨ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٧
بقلم عادل سالم

لم يترك غالب موقعا للدردشة على الشبكة العنكبونية إلا وزاره، خصوصا المواقع التي يشارك فيها الجنس اللطيف، مستخدما عشرات الأسماء الوهمية لكي يصل إلى هدفه.

يريده صيدا ثمينا هذه المرة، فهو لم يعد يلتفت إلى الدردشة مع العجائز رغم أنه تجاوز الخمسين من عمره، ولم يعد يرضى بغير الجميلات ليعوض عن سنوات عمره التي قضاها مع زوجته التي يصف فترة زواجه بها بأنها أسوأ أيام حياته، وأنه لم يسعد بيوم واحد معها بعد زواج استمر أكثر من ثلاثين سنة.

وأخيرا جاءه الصيد إلى الشبكة بنفسه، فتاة في العشرين من عمرها، قالت له إنها تبحث عن رجل كبير في السن لأنه الأقدر على إسعادها!!

بعد شهرين كان في الطائرة المتجهة من نيويورك إلى شيكاغو حيث تسكن الفتاة، فقد وعدته أن تراه في مطعم فاخر بعيدا عن عيون الناس، إنه يعرف شيكاغو جيدا وكل إلينويس، فقد عاش هناك فترة طويلة، ولديه بعض الأقارب، خاف أن يراه أحدهم لذلك كان موعده معها في أحد مطاعم سكوكي، ذات الأغلبية اليهودية.

جلس في مكان قريب من الباب ينظر إلى النساء الداخلة لعله يراها، فصورتها لا زالت في خياله:
-  يا الله ما أجملها، ما أروعها، متى سنكون وحدنا؟ سأعوض معها كل سنوات الشباب التي ضاعت مع أم الأولاد قبحها الله، ياه هل سيتحقق حلمي هذه المرة؟ حاولت مرارا أن أحادثها مباشرة على الشبكة لكنها كانت تتذرع أن أهلها سيلاحظون ذلك، لم أحظ منها إلا بمكالمة تلفونية من هاتف عمومي حتى لا يسجل في الفاتورة أنها اتصلت بأحد غريب، فالأهل هنا يراقبون اتصالاتها حتى لا يغدر بها الشباب.

ما أجمل أن تكون على موعد مع حبيب، الثواني تمر بطيئة، كانها سنين طويلة!!

لن يستطيع أحد أن يغدر بها، فأنا مستعد للزواج منها إن أحبت، على سنة الله ورسوله وتبقى زوجة بالسر، بالسر؟؟ أنا أحبها وهذا كل شيء، إنها فتاة جميلة، فيها كل ما أبحث عنه، سترويني بالتأكيد بعد عطش السنين الماضية، أشعر أنني لن أتركها لحظة تبتعد عني.

فجأة قطع حبل أحلامه دخول بعض الزبائن العرب إلى المطعم.
قال في نفسه، غريب ما الذي أتى بهم إلى هذا المطعم البعيد؟ يا لحظي السيء!
يا إلهي من؟! ابن أختي زياد في المطعم؟ ومن يكون الداخلان معه، يقينا أنني سأنكشف، كل خطتي فشلت، دعني أفكر ما العمل الآن؟
تظاهر بالحديث بالهاتف وأشاح بوجهه جانبا محاولا عدم الاحتكاك بهم لكي يهرب من المطعم قبل وصولها.
أحمد الله أنها سمحت لي الاتصال بها في حالات الطوارئ.
اقترب الشباب الثلاثة منه وكأنه على موعد معهم، فجأة وقفوا عند طاولته حتى إذا أدار وجهه كانوا أمامه وجها لوجه.
قال له زياد:
-  مرحبا خالي! أنت في إلينويس؟ متى جئت إلى هنا؟ ولماذا لم تخبرنا حتى نستقبلك في المطار؟
-  مَن؟ زياد ابن أختى وحبيبي، كم أنا مشتاق لك والله، كنت سأتصل بك بعد هذه المكالمة الهامة، لأخبركم أنني سأزوركم الليلة. آسف لم أستطع إخباركم كانت زيارة عمل لم أخبر أحدا بها حتى زوجتي حتى لا تخرب الصفقة. ألم تسمع بقول الرسول الكريم اقضوا حوائجكم بالكتمان؟!!
-  بالكتمان يا خالي؟!
-  لم تعرفني على الشباب؟!
-  عدنان ابن رشيد من أقاربنا ولو هل نسيته؟
-  أنت عدنان؟ أووف على السنين كيف تمر، أعرفك وأنت طفل صغير، كيف حال الأهل؟
-  وهذا سلمان ابن صاحبك المحروق.
-  ابن المحروق؟ مش معقول!
سلم عليهم وهو يلعن تلك الساعة التي جعلته يختار هذا المطعم البعيد ليلتقي فيه بحبيبته، ثم قال لهم :
- عندي الآن موعد مع مندوب شركة لذلك لا تؤاخذوني لو جلستم لوحدكم بعض الوقت، سأكون معكم.
رد عليه زياد:
-  لا تقلق يا خالي، نحن هنا لبعض الوقت وسنغادر.

جلس غالب متظاهرا بالانشغال، وبدأ يخطط للخروج من هذا المأزق الذي حشره فيه زياد، بعد ثوان كان يضع الهاتف النقال على أذنه، خرج من المطعم ليتصل بها كي لا يسمعه أحد، رن جرس هاتفها، لكنها لم ترد، أعاد الكرة دون جدوى، قال في نفسه:
-  أين تكون الآن؟ لقد تأخرت بعض الوقت، اللهم اجعله خيرا، بينما هو مشغول يحاكي نفسه، صعقه صوت زياد الذي لحقه مع زميليه سائلا:
-  ما الذي يشغلك يا خالي؟
رد عدنان بتهكم قائلا:
- يبدو أن مندوب الشركة قد تأخر
فأكمل زياد: تقصد مندوبة الشركة؟! ها ها ها
استفز غالب فاستشاط غضبا وصرخ في زياد
-  ماذا تقصد يا ابن اختي، أفصح؟
-  أقصد المندوبة التي تنتظرها،
صمت قليلا ثم قال:
- ميسون يا خالي ميسون!
تغير وجه غالب اصفر واحمر، بدأ يتأتئ في الكلام
-  ميسون؟ من ميسون هذه؟
-  هل نسيت من ميسون؟
نظر إلى زملائه وغمزهم بعينه ثم بدأوا كأنهم كورس غنائي
-  أنا قلبي لك ميال، تررم، ومفيش غيرك ع البال... تررررم.
أصيب بصدمة، لم يعرف كيف يفكر، إنهم يغنون تلك الأغنية التي كان يغنيها لحبيبة قلبه ميسون، ويكتبها لها في رسائله وعلى الماسنجر، كيف عرفوا كل ذلك؟ هل أخبرتهم ميسون بكل شيء؟ أم أنهم من الهاكرز الذين يدخلون بريد الآخرين ويعبثون بأسرارهم؟ اللعنة عليهم، من أحضرهم إلى هنا؟
تماسك قليلا ثم قال:
- زياد استحي على دمك ويكفيك هذيانا، ما هذا الكلام مع خالك؟ اغرب عن وجهي وسيكون لي معك كلام آخر عندما أزوركم.
رد عليه زياد ببرودة أعصاب.
-  لكنك لن تزورنا يا خالي، وميسون لن تحضر.
-  قلت لك اغرب عن وجهي، من ميسون هذه؟
أخرج زياد من جيبه رزمة من الأوراق وناوله إياها،
- خذ اقرأ وسترى.
أخذ غالب الأوراق، تفصحها على السريع، وقد هاله ما بها، بدأ يتمتم لنفسه:
- يا إلهي إنها رسائلي لميسون، كيف وقعت بيد اللعين زياد، آخ منك يا ميسون، هل يا ترى عرف أهلها الخبر وهم الذين أعطوها لزياد؟ اللعنة عليك يا ميسون أين أنت؟ يبدو أن أحلامي كلها أصبحت الآن حبرا على ورق!!
نظر إلى زياد بغضب، وسأله:
-  من أين لك هذه الأوراق؟
-  من ميسون.
-  وهل تعرفها؟
-  طبعا.
ه_ نا رد سلمان، وعدنان بصوت واحد:
-  ونحن نعرفها أيضا.
-  وأنتما؟ يا عيني وكيف تعرفتما عليها؟؟
-  منذ زمن بعيد.
-  ولماذا لم تحضر؟
-  بل هي حاضرة!
-  أين هي اللعنة عليكم.
-  هي أمامك.
-  ماذا تقصدون؟
-  كما تسمع
-  هل تقصدون أن ميسون هي ززز ....؟ مش معقول!
ضحك زياد، وقال له:
-  لماذا غير معقول؟ هل تريد أن أريك كل رسائلك على الحاسوب عندي؟
-  وتحتفظ برسائلي عندك؟ يا فرحتك يا غالب!!
-  أليس أفضل من أن تكون في حاسوب شخص آخر ينشرها على الناس ويجعل منك مضغة في أفواههم؟
على الأقل أنت خالي، وسأصون سرك لكن، أرجو أن لا تبحث عن ميسون جديدة على الشبكة الدولية، حتى لا تصل رسائلك هذه ألى زوجتك، وأولادك فتصبح في ورطة كبيرة.
احمر وجهه، نظر إليهم جميعا، لم يدر ما يقول، تمنى لو انشقت الأرض وبلعته، إنها إهانة، لطمة، لقد مرغ هؤلاء الفتيان أنفه بالتراب، بل بالزبالة، ضاعت هيبته، يا لهؤلاء الملاعين، كيف استطاعوا أن يجعلوا مني أضحوكة؟ يبدو أن أولادنا أكثر دهاء منا.

ركب سيارته وغادر المكان، وهو يلعن زياد وأخته التي خلفته، بدأ يهذي مثل المجانين، ميسون .. زياد؟ يا لأحلامي التي أصبحت حبرا بدون ورق، أو ورقا بدون حبر، هل كانت أحلاما فعلا؟ أم مجرد أوهام كنت أعوم فوقها؟ كيف صدقت أنها تحبني، وهي في سن أولادي؟؟ كنت أحاول خديعتها، بل كنت أحبها، تحبها؟ كل الرجال في مثل سني يحبون الصبايا، انظر إلى عيونهم حينما تمر صبية جميلة من أمامهم، يحاولون التهامها كلها، حتى وإن تظاهروا بعكس ذلك، وحدهن النساء اللواتي يعرفن ما يدور بأذهان رجالهن، لكن ماذا يمكنك أن تقدم لها؟ كيف يمكنك إسعادها؟ ألم تفكر ولو لحظة؟

هل سيخبر زياد زوجة خاله؟ أم سينسى الأمر؟

هل سأعاود الكرة لأبحث عن ميسون جديدة؟ لعن الله ميسون، وكل ميسون، يبدو أنه جرس الإنذار يعلن بدء مرحلة جديدة.

وصل غالب البيت في نيويورك، وعندما فتحت زوجته الباب كان غالب أمامها يحمل باقة ورد جميلة، استغربت تصرفه غير المعتاد، ابتسمت ثم قالت:
-  ورد من غالب؟ الله، ما هذه الرومانسية يا حبيبي؟ ضمته لصدرها، وطبعت قبلة على شفتيه، كانت الألذ منذ زواجه منها. ما هذه المفاجأة الجميلة يا غالب؟؟
رد عليها بهدوء:
-  هذا من ميسون يا حبيبتي.
قالت له بعد أن شمت رائحة الورد:
-  يبدو أن ميسون هذه بائعة ورد رائعة! وأين يقع محلها؟
-  اقترب منها بعد أن أمسك بيديها وقال لها:
-  سأحكي لك الحكاية فيما بعد، أما الآن هل يوجد أحد من الأولاد في البيت؟
-  لا لا أحد تعرف أنهم يتأخرون حتى منتصف الليل
-  حسنا هذه فرصتنا،
اقترب منها أكثر بعد أن قبل يديها كأنه يلمسهما لأول مرة، نظر إليها بعيون عاشق عشريني، لم تستطع أن تقاوم نظراته فأغلقت عينيها مستسلمة لهذا الحنان النازل عليها من السماء، اقترب أكثر حتى لامست جبهته جبهتها، فجأة طبع قبلة على جبينها، ضمها بقوة لصدره، وأغمض عينيه، يحلم بحب جديد.
قالت له بصوتها امرأة ناعمة تنام على صدر معشوقها:
-  لأول مرة أراك بهذا الشوق!
-  وأنا لأول مرة أراك بهذا الجمال.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً