الصفحة الأساسيةقصص وسرد
سامحني يا صديقي
الاثنين ٣١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٧
بقلم عادل سالم

لم أتوقع أن تصل الأمور حد الموت، وأن يُتهم صديقي، وجاري في الشارع إلى متسبب بالقتل.
ها هو الآن في السجن بعد أن حكم عليه بالسجن خمس سنوات!!
- خمس سنوات؟!!
لم أصدق أذني بعد أن نطق القاضي قراره، حتى قرأت الخبر في اليوم التالي في كل الصحف اليومية.

يا لهذا الخبر السيء الذي لم يكن في الحسبان، أنا تسببت في كل هذا، أنا المسؤول رغم أنني لم أقصد سوى أن أمزح مع صديقي كما تعودنا أن نقيم المقالب في بعضنا بعض.
كان علي أن أكون جريئا وأعترف للشرطة بما حصل. لماذا لم أفعل ذلك؟
ألأنهم لن يصدقوني؟ أم لأنني خشيت أن أتعرض للملاحقة بدلا منه؟
لا لا لم أخف من هذا كله، فليتهم يسجنوني بدلا منه، سأقبل الحكم رغم أنه جائر، فصديقي لا يستحق أن يحكم ولو بيوم واحد سجن، لكنني ...، خشيت على مشاعر صديقي، خشيت أن أعترف له أنني سبب ما ألم به، صداقتنا أكبر كثيرا مما يتصورها أحد، فهو تاجر مثلي يملك محلا تجاريا في أحد محلات دمشق القديمة، محلا صغيرا لبيع الملابس الجاهزة، يقع محله مقابل محلي تماما لذلك فأنا أراه كل يوم تقريبا منذ عشرين عاما.
غالبا ما كنا نتناول الفطور معا، وأحيانا بمشاركة بعض الجيران، تلك هي دمشق القديمة، يعيش تجارها وأصحاب محلاتها كأنهم في بيت واحد.
لعل ما جعلنا أصدقاء أنني أملك محلا يختلف عن محله، فلم أكن منافسا له، فأنا أبيع الأقمشة.

منذ تلك الحادثة فقد أغلق محله، إذ لا يستطيع أولاده الصغار أن يتابعوا محل أبيهم، ولم تستطع أمهم إدارته، لم أعد أراه أمامي كل صباح، اختفى وجه مألوف لدي كان جزء من حياتي وعضوا في أسرتي.

حدثت نفسي أكثر من مرة بضرورة زيارته والاعتراف له بما حصل، في كل مرة كنت أزوره وأحاول الحديث في الموضوع، كنت أتردد، هل أنا المسؤول عما حصل له؟ أم أنه قدر صديقي أن يقع في هذا الفخ، هل أنا الذي أتحمل المسؤولية؟ أم أن القاضي لم يحكم بالعدل؟ لكن أيا كانت الأسباب فلماذا لم أعترف له؟
- لِمَ لم أعترف له بما فعلت؟
هل أنا خائف من صداقتنا أن تتدهور؟ أم خائف أن أسجن بدلا منه؟ أم أنني لا اريد لكبريائي أن يسقط أمام صديقي؟ أيكون كبرياء مزيفا؟

صداقة عشرين سنة الآن أمام الامتحان، هل أعترف بما حصل، أم أعتبر نفسي في حل مما جرى؟

لم أنم تلك الليلة، كنت أنتظر الصباح بفارغ الصبر، اليوم موعد زيارتي له، اتفقت مع زوجته أن لا تزوره هذا الأسبوع، لأنني سأزوره مع أصدقاء آخرين، لم أقل لها الحقيقة، لم أقل لها أنني ذاهب لأعترف له بشيء يريح ضميري.

وأخيرا وصلت السجن، نادى السجان على اسمي فدخلت أبحث عنه بين السجناء، ها هو بشحمه ولحمه، نقص وزنه، وبانت على وجهه إمارات اليأس، لعله مهموم بأن يقضي خمس سنوات سجنا ظلما وعدوانا.
سلمت عليه من بين القضبان، تحدثنا عن أشياء كثيرة، وبعد أن سكت قلت له:
-  يا عاصم أريد أن أعترف لك بشيء يؤرقني.
فرد علي قائلا:
-  وهل أنت متهم حتى تعترف؟
-  حسنا دعني أقول لك شيئا مهما.
فأجاب:
-  وهل هناك أهم من رؤيتك؟
-  هناك شيء يجب أن تعرفه.
-  ما دمت تعرفه أنت فهذا يكفي، ألسنا أصدقاء؟ وجرحي هو جرحك؟
كل أجوبته لي كانت تقتلني، كنت أتضاءل أمامه، وأشعر بالخزي أمام نفسي، لم أدعه يكمل، فقاطعته قائلا:
-  عاصم أنا المسؤول عما حصل لك.
ضحك ثم قال:
-  أنت؟ وما دخلك بالموضوع؟ هذا قدري يا صديقي، وما دخلك به، أنا الذي دفعت الرجل بيدي فسقط على الأرض، لقد مات دون قصد مني، ليتني ترويت، كل هذا لا يستاهل ما حصل، لكن الأمر الآن انتهى، ونسأل الله الصبر.
-  لكن يا عاصم أنا الذي أكلت لك صحن الحمص وأنت مشغول مع الزبون خارج المحل يوم الحادث، أنا عملت لك المقلب، ولم أكن أتصور أن يأتي زبون آخر فيدخل المحل فتتهمه به فيصرخ بوجهك فتدفعه بيدك فيقع على الأرض فيضرب رأسه بحافة الباب فيسقط ميتا.
كنت أعترف له بكل ذلك مرة واحدة كي لا يقاطعني، وكنت أشعر بأنني أزحت صخرة ثقيلة عن صدري، لم أنظر في وجهه، لأنني أعرف أنه سيصاب بالذهول عندما يعرف الخبر الذي حبسته عنه طيلة ستة أشهر مدة المحاكمة، نعم كنت خجلا من نظرات عيونه، لكن أذني كانتا تنتظران رد فعله، صمت بعض الشيء لعله كان يبحث عن كلمات يرد بها علي، ليته يسامحني، ليته يضربني يبصق في وجهي، يفعل أي شيء، ....
-  أعرف ذلك يا عبد الله ...
لم أصدق ما سمعت، نظرت إليه، وسألته: ماذا قلت؟
- أعرف أنك أنت الذي قمت بالمقلب، أو بشكل أصح عرفت ذلك فيما بعد.
-  وكيف عرفت؟
-  عندما جئت أنت بعد الحادث لتعانقني أمام الشرطة شممت رائحة الحمص والبصل من فمك فعرفت أنك فعلتها.
-  يا إلهي ولماذا بقيت ساكتا؟ لماذا لم تقلها؟ لماذا لم تقل شيئا؟
-  أكنت تنتظر مني أن أعترف عن صديقي بالتحقيق، فأجرك للسجن معي؟
- أنا الذي يستحق العقاب؟
-  وما الفرق، ألسنا أصدقاء؟ ألا يسجن الصديق بدل صديقه؟
كلماته كانت سكينا يطعنني به، لقد تحمل كل ذلك دون أن ينبس بكلمة، في حين بقيت أنا صامتا خوفا من السجن، لا ليس خوفا من السجن لكن خوفا من عيون صديقي،قلت له بعصبي:
-  لماذا لم تصارحني عندما زرتك؟ لم لم تقل لي إنك تعرف ذلك؟
-  أكنت تنتظر مني أن أقول لك أنني اكتشفت مقلبك؟ أم كنت تنتظر أن تتوفر لديك الشجاعة الكافية لكي تعترف لي بها؟
-  أعترف أنني أخطأت بحقك عندما لم أعترف منذ اليوم الأول بما حصل، أنا أطلب منك أن تسامحني، وأنا مستعد أن أعترف عن ذلك أمام المحكمة من جديد.
-  لم يعد ذلك ينفع في شيء.
-  لماذا سأذهب إلى الشرطة، وأقول لهم عن كل شيء، سأطالب ببراءتك، يجب أن يسجنوني بدلا منك.
-  قلت لك لن ينفع ذلك في شيء حتى لو برأتني المحكمة؟
-  لماذا؟
-  لأنني خسرت ما هو أهم من الحرية.
-  أفصح عما يجيش بصدرك.
-  خسرت صديقا كان مثل أخ لي؟
-  هل تقصد أنك لن تسامحني؟
-  لو لم تكن صديقي لسامحتك، لكن لأنك كنت أفضل صديق لي، لن أسامحك عما حصل.
-  أنا أشعر بمرارة غضبك، وأتقبل كل ما تقوله، اشتمني، اضربني لكن سامحني، أرجوك أقبل يديك سامحني!
-  وماذا لو سامحتك؟ هل سيرضى ضميرك؟
-  لا لا لن يرضى لكن على الأقل أشعر أن صداقتنا ستستمر.
-  كيف تستمر، هل تستطيع بعد اليوم أن تنظر في عيون أطفالي، بعد أن انتزعت أباهم منهم وأودعته السجن؟
-  ماذا ستقول لهم؟
-  أنا مجرم سافل غدار لكني أطمح بسماحك؟
-  هل جئت تطلب السماح لتريح ضميرك أم لتحافظ بها على صداقة قتلتها بيديك؟
-  هل أفهم من ذلك أنك لن تسامحني؟
رفعت صوتي عاليا ليسمعه السجانون:
- أنا السبب، أنا المجرم الحقيقي، عصام بريء يا عالم، عاصم بريء أنا المجرم الحقيقي، اسجنوني بدلا منه.
جاء أحد السجانين يسأل فأشار له عاصم أنني مجنون وقال له لا تصدقه، لقد انتهت الزيارة، ثم أدار ظهره وعاد إلى داخل السجن.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً