الصفحة الأساسيةقصص وسرد
لعيونك يا فلسطين سأغني!!
الاثنين ١١ شباط (فبراير) ٢٠٠٨
بقلم عادل سالم

اليوم الأحد، وعلي ألا أنسى دعوة صديقي حسان لحضور حفل زفاف ابنه، فالتخلف في هذه المناسبات غير مبرر، ولا تقبل فيها الأعذار، وأهم ما في الأعراس حضور المدعوين، فالحفل بدون ناس ليس له طعم ولا رائحة.

لم أكن أتخلف عن حفلات الزفاف التي كنت أدعى إليها من قبل الأصحاب، والأقارب، فقد كانت مكانا لتجمع الأحبة، والمعارف، وفيها نشارك مع بقية الشباب في الدبكة الشعبية، ونغنى على دلعونا، وميجنا، وين ع رام الله، وغيرها من الأغاني التي كان يغنيها لنا مطرب تلك الحفلة.

الحديث عن تلك المناسبات فيها من الشجون ما يكفي لأن أكتب عنه كتابا، ولم يختلف الأمر عندما انتقلت إلى الولايات المتحدة، وبقينا نغني للوطن وللعودة.

وصلت برفقة زوجتي الساعة السادسة مساء لنكون من الفوج الأول من المدعوين، فصديقي حسان يستحق أن أقف معه في تلك المناسبة. كان وزوجته في استقبالنا وأصر على مرافقتنا إلى الطاولة التي اختارها لنا فقد كانت قريبة من الفرقة الموسيقية في وسط القاعة، ورغم إلحاحي أن أكون بعيدا عنها، فلم أعد ذلك الشاب اليافع الذي لا يترك مناسبة إلا ويدبك فيها، للسن أحكام، وقوانين، فقد أصر أن أجلس هناك لأكون قريبا من فرقة الغناء، والرقص، والدبكة، وقال لي قبل أن يتركني:
- لن تهرب من الدبكة يا سالم، حضر حالك سندبك معا، ونرقص، فهذه ليلة لا تعوض.

حقا إن ليلة زفاف الأولاد والتمتع بمشاهدة الفرح في عيونهم لا تعوض، وهذا عرس ابنه البكر عباس، أليست فرحتنا نحن الآباء في في مشاهدة جيل الأبناء، وهم في قمة فرحهم وسعادتهم؟؟

كنت جالسا حول الطاولة المخصصة لنا مع زوجتي وبعض المعارف، فجأة اقترب مني رجل في سني، يبدو أنه يعرفني، كان يمشي مسرعا باتجاهي، وقد بانت أسنانه من البسمة، رافعا يده سلفا لأصافحه، كان يسرع بخطواته بحيث لم يفسح لي المجال لتذكره، اقترب أكثر فبادلته البسمة، ووقفت لأسلم عليه، عندما اقترب مني تماما وصار أمامي، هجم علي ليعانقني، وهو يقول:
- أين أنت يا سالم؟ والله لك وحشة، ما هذا الشعر الأبيض الذي بدأ يغطي رأسك؟
عانقته بحرارة، فلا يعقل أن لا أرد التحية بأقل منها، فجأة عرفته من صوته، نظرت إليه مستغربا دون أن أشعره، وقلت له:
- هشام؟!! أووووووف، ما هذه المصادفة؟ هل أصبحت تعيش في أمريكا؟
- منذ 15 سنة.
- لم أسمع عنك في شيكاغو؟
- يا عمي لسنا على البال، طبعا أمريكا أنستك أحبتك وأصحاب زمان.
ثم أكمل ...
- أنا في ولاية أوهايو لكني جئت إلى منسوتا بدعوة من أهل العروس لأحضر زفاف ابنتهم.

ياه! أكثر من عشرين سنة لم أره، ولم أسمع عنه شيئا، ولم يفكر أي منا بالسؤال عن الآخر.

كنا أصدقاء، أكثر من إخوة، رفاق درب، سجنا معا في زنازين إسرائيل العنصرية، واجهنا السجان، والسجن، لم نترك مظاهرة لم نشارك فيها معا، ولا مسيرة، ولا تحركا شعبيا، إلا وكنا في طليعته...

لا بد أنه يتذكر، أجزم أنه يفكر الآن بما أفكر به، بل أقسم أنه يحدث نفسه بما أحدث به نفسي.
تعرفت على زوجته وتبادلنا التحايا أفسحت له مكانا حول طاولتي، فمن غير اللائق أن لا أفعل ذلك بعد كل تلك السنين.
قال لي:
- السنون زرعت الشيب في رأسك.
ابتسمت وقلت له:
- وجمعتنا بعد طول فراق.
ألم تجمعنا بعد أن فرقتنا السياسة؟ كان يقول لي:
- إلى متى سنبقى رافعين راية تحرير كل فلسطين؟ إلى متى سنظل نظالب بعودة اللاجئين إلى فلسطين؟ أمريكا لن تسمح بذلك، وعندما اختلفنا بدأ يصفني بأنني من أصحاب الأفكار المحافظة، لم يكتف بذلك بل أصبح يكتب ضدي ويهاجمني وكأنني عدوه وليس صديقه.

دقت الموسيقى، وبدأ الشبان يتمايلون على صوتها، آآآآآه يا ليل ...
تمايل صديقي ومال إلي هامسا:
- هل تذكر حفلة زفاف عليان في بيت عنان؟ هل تذكر عندما كنا ندبك معا ويدي بيدك؟
إنه يدغدغ مشاعري بأسئلته، وكأنه نسي كل ما فعله بي، نسي في آخر ندوة حضرناها معا عندما أغاظه رأيي فحمل كرسيا يجلس عليه، وخرج عن طوره ليهجم علي، ولولا أن فرق بيننا الشباب لكان حصل ما لم يحمد عقباه.
منذ تلك الفترة لم أعد أره ولم أعد أحضر أية ندوات، فرقتنا السياسة، سافرت إلى أمريكا وتركت له الوطن، لم أفهم كيف يختلف رفاق الدرب الواحد وهم يواجهون عدوا واحدا شرسا لا يفرق بين واحد والآخر.

نعم فرقتنا الأيام، بل هزمتنا، كسرتنا، باعني هذا الصديق أمام أول خلاف سياسي نشب بيننا.

هل نسي صديقي كل ما فعله؟ وما حصل منه؟؟ أم أنه اعتبر ما جرى كان أيام زمان عندما كان محسوبا على الوطنيين، والأحزاب؟

اليوم بعد أكثر من عشرين سنة، يبدو أنه ترك العمل السياسي، فتغيرت أفكاره، هل كان مسؤولا عما حصل؟ أم أنسى الموضوع وكأن شيئا لم يكن؟؟

بعد نصف ساعة جاء صديقي حسان وسلم علينا ودعانا لندبك معا، تململت بعض الشيء لكنه سحبنا الاثنين وأقسم أن ندبك معا احتفالا بلقائنا بعد انقطاع طويل، ذهب إلى المطرب وهمس في أذنه، فإذا بالمطرب ينتقل فجأة إلى الأغنية الفلسطينية المشهورة:

يا بو عقال وكفية والمهرة العربية

لعيونك يا فلسطين رح غني هالغنية

وقفت أحرك يدي وأدْبك أمام هشام الذي حمل الحطة الفلسطينية بعد أن سحبها من أحد الشباب، والتف الشباب حولنا يدبكون بعد أن شبكوا أيديهم ببعض، كنا نتمايل كأننا في وسط فلسطين، آخ على أيام حفلات الزفاف في قرى رام الله!!!

كان هشام لا زال يتمايل كالشباب، نسي كل خلاف السنوات الماضية، نسي كل شتائمه واتهاماته لي، نسي الكرسي الذي حمله ليضربني به، ها هو أمامي يدبك ويغني مع المطرب، ويوجه لي قبلاته على الهواء مباشرة كأنه في حفلة من حفلات رام الله في مطلع الثمانينات.

انتهت الأغنية فانتقل المطرب مباشرة يغني أغنية فرقة العاشقين الفلسطينية:

اشهد علينا وعليهم يا بيروت،
اشهد على الحرب الشعبية

انفعل صديقي كثيرا، وصار يردد بصوته العالي والمسموع بقية الأغنية مع المطرب:
واللي ما شاف في الغربال يا بيروت،
عمى في عيون أمريكية

هشام يتمنى العمى للعيون الأمريكية رغم أنه يعيش فيها وربما يعرضه ذلك إلى السجن، لكن يبدو أن حماسه أنساه نفسه.
كان يقول لي عندما اختلفنا :
-  الحل بيد أمريكا، وعلينا كسب ودها.
واليوم بعد أن تخلى عن السياسة صار يغني عمى في عيون أمريكية!!
تعبنا من الدبك فانسحبنا إلى الطاولة تاركين الحلبة إلى جيل الأبناء، ليتنا نترك لهم كل شيء ونريح أنفسنا.
قلت له مازحا:
- العريس لم يدبك مثلك، يبدو أنك تريد أن تصبح مكانه.
ضحك وهو ينظر إلى زوجته سهام المنشغلة مع زوجتي في الحديث وقال:
-  ليس لي أفضل من سهام.
تبادلنا الحديث وتابعنا أبناءنا يدبكون ويرقصون، كانوا يذكروننا بكل خطوة وكل حركة بأيام الشباب، كانوا أكثر خفة منا يبدو أنهم سيحتلون مكاننا بعد قليل.
سألت صديقي هشام قائلا:
- انظر لقد تعبنا وتركنا الحلبة للأبناء، فلماذا لا نترك لهم كل شيء ونراقبهم كيف يقودون الحلبة؟
ضحك ثم قال :
-  أعتقد أنني فهمتك يا سالم، ليتهم يفعلون ذلك فقد يحققون ما عجزنا عنه نحن.
ثم أكمل قائلا:
- سالم: ألا زلت تذكر أيام خلافاتنا؟
- نسيتها يا هشام، مرحلة ومرت، فلماذا نستعيد ذكرياتها؟
- هل أستطيع القول إن قلبك صفى لي بعد كل السنين التي مرت؟؟
- لم أحمل في قلبي إلا المحبة لك، ولكل أصدقائنا القدامى.
- شكرا على مجاملتك.
صمت لثوان ... ثم قلت له:
- هل بقي شيء نختلف عليه يا هشام؟
قال لي متعجبا:
- في الوطن فرقتنا السياسة، وهنا وحدتنا الدبكة، أليس ذلك مدعاة للضحك؟
ضحكت ثم قلت له:
- لعل أبناءنا يتعلمون من أخطائنا.
نظر إلى وجهي، وسألني:
- هل تذكر يا سالم؟ ألا تحن إلى أيام زمان؟ هل تذكر تلك الأغنية التي كنا نغنيها معا في زنزانة المسكوبية في القدس؟
هززت رأسي، وقلت له:
- وكيف أنساها، لكن هل هذا وقتها؟
- لم لا؟
تعجبت من أسئلته، فقلت له:
- إن كنا لا زلنا نحمل الوطن في قلوبنا، فلماذا جئنا إلى هنا؟
نظر إلي محدقا، وقال:
- جئنا نبحث عن مستقبل مزيف لأبنائنا، هربنا من نار إلى نار، من نار الاحتلال إلى نار الغربة، جئنا نصنع جيلا من الأبناء لا يعرفون فلسطين إلا عبر الصور المنشورة في الشبكة العنكبوتية.
- هل فعلت فيك الدبكة كل هذا الحنين؟
- وأنت هل مات الحنين فيك إلى الوطن؟
- دخيلك لا تفتح مواجعي ودعني أطرب مع العروسين في حفل زفافهما، ....
فجأة وقف وتقدم نحو المطرب فوق المنصة، كان يتمتم في أذنه، وبعد دقيقة كان هشام يحمل المايكروفون ويغني مع الفرقة الموسيقية:

وين ع رام الله وين ع رام الله
وانت يا مهاجر وين ع رام الله

كنت أهز رأسي طربا، بينما أسائل نفسي، هل جئت إلى حفل زفاف؟ أم إلى حفل آلام؟؟؟

تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً