الصفحة الأساسيةقصص وسرد
المهرب
السبت ٥ تموز (يوليو) ٢٠٠٨
بقلم عادل سالم

حمل يوسف الحقيبة الصغيرة التي كُلِّفَ بنقلها في سيارته، وانطلق من منسوتا متوجها نحو ولاية داكوتا الجنوبية.
كان خائفا من أن يراقبه أحد، عيونه على المرآة، كلما شاهد سيارة شرطة توهَّم أنها ستلاحقه فيدُبُّ الرُّعْبُ في قلبه. كان مَرْعوباً جدّاً، متوتِّر الأعصاب، وبعد ساعة من السفر بدأ يفكر بالعودة وإلغاء فكرة نقل الحقيبة من رأسه، فالمواد التي يحملها تكفي لو ضُبطت معه لسِجْنه عشرين عاما. قبل أن يتخذ قراره النهائي بالعودة لحقت به سيارة للشرطة وطلب الشرطي منه التوقف، شعر أن نهايته قد حانت، وان شهادته الجامعية التي بقيت له سنة واحدة للحصول عليها قد أصبحت في مهبِّ الريح.

أوقف سيارته على جانب الطريق، فليْسَ لديه خيار آخر، إذ لو فكر بالهرب سيطارده الشرطي حتى يلقي القبض عليه .
تقدم الشرطي نحوه بعد نزوله من سيارته. كان يسير بشكل عادي مما طمأنه قليلا وهدَّأ من روعه.

قال له الشرطي:
- رخصة سواقتك.

قدم له يوسف رخصة السواقة ثم سأله:
- ما الأمر..؟! كنتُ أسير بسرعة عادية..
- ألَمْ تَنْتَبِه إلى أنَّ رخصة رقم السيارة قد انتهت الشهر الماضي وعليك تجديدها ؟

ارتاحت أعصاب يوسف وشعر أن ماءً بارداً قد أطفأ النيران التي اشتعلت في جسمه، ثم ردَّ عليه:
- آه، يا الهي يبدو أنني نسيت، أنا أعتذر هل يمكنك منحي فرصة لتجديدها ؟
- سأمنحك مهلةً يوماً واحدا إنْ لمْ تُجَدِّدْها ستدفع غرامة مالية.

عاد يوسف أدراجه إلى البيت فقد كان بحاجة إلى ذريعة كي لا يواصل السفر، وكان خائفا، ولولا حظه لكان الآن في السجن. حَمَد يوسف ربَّه على إنقاذه وأقسم أن لا ينقل تلك البضاعة السامة إلى أي مكان آخر.

اتصل يوسف بصديقه الأمريكي كني الذي حمَّله البضاعة وطلب مقابلته وفي بيته أبلغه أنه لن يستطيع نقل البضاعة لأنه خائف وشرح له قصة الشرطي .

حاول كني إقناعه بالعدول عن موقفه وأغراه بالمال الذي ينتظره وعندما فشل في ذلك بدأ يُرَهِّبه بالحديث عن العصابة التي لن تتركه بسلام.

- لقد تعهدت بمحض إرادتك بإيصال البضاعة وعليك القيام بالمهمة، فالبضاعة في حوزتك ولا أستطيع إرجاعها لأن الشخص الذي سلَّمني إيَّاها إختفى ولا أعرف مكانه، وإنْ لمْ تُسَلِّمْها في الوقت المناسب سيحدث لك مكروه.. ليست لعبة..

لم يكن أمام يوسف سوى أحد الخيارين تسليم البضاعة كما تعهد من قبل أو مواجهة العالم السفلي بكل وساخته فاختار الأوَّل، وانطلق إلى المكان المحدد بعد أن جدَّد رخصة رقم السيارة.

وصل يوسف المكان الذي سيسلم فيه البضاعة. أوقف سيارته وقبل التوجه إلى البيت جال ببصره يميناً وشمالاً فلم يلاحظ أي شيء غريب. قرع الجرس ففتح له الباب رجل أبيض في الثلاثين من عمره.

- أهلا

سأله يوسف حسب ما طلب منه كني:
- هل هذا بيت سوزان كلي؟
- تفضل أنت في بيتها .

دخل يوسف البيت ، وعندما تأكد أن كل شيء في أمان عاد إلى سيارته لإحضار الحقيبة الصغيرة . وسلمها للرجل في البيت .

فتح الرجل الحقيبه ثقب الكيس، وفحص البضاعة بأصبعه ثم قال له البضاعة سليمة يمكنك العودة من حيث أتيت وقبل أن يخرج من الباب ، اقتحم البيت عدة أفراد أمن شاهرين سلاحهم:

- إف بي آي… لا تتحركا.. إرفعا أياديكما إلى الأعلى..

وضعا القيود بيديه وحده، وشاهدهم يتحدثون بلطف مع الرجل الذي تسلم البضاعة. شعر يوسف بحجم المصيبة وبدأ يتمتم: يبدو أنني وقعت في الفخ، كنت أعرف أنني أخطأت وها أنا ذا أدفع الثمن..

ظل يوسف في السجن ليوم كامل دون أن يسأله أحد شيئا. لقد بات الأمر واضحا. لقد وقع ضحية مؤامرة. لم يسأله أحدٌ شيئا عن البضاعة ولا عمَّنْ أرسله، كأنهم يعرفون الحكاية كاملة.

في اليوم التالي نقلوه في سيارة خاصة إلى منسوتا ، وفي مكتب التحقيقات وسط مدينة منيابولس فوجئ قبل توجيه أي سؤال إليه بكني يدخل عليه مبتسما:
- أهلا يوسف.. لقد وصلت البضاعة..
- إذن أنت تعمل مع الحكومة ؟
- مهمتي ملاحقة تجار المخدرات
- ولكنك أنت الذي غررت بي وليس رجال المخدرات
- النهاية واحدة.. لو قام أيُّ شخصٍ آخر بعَرْضِ الأمر عليك لوافقتَ وقُمْتَ بالمهمة.. غير ممكن الحكومة تُغَرِّر بالناس ثم تتهمهم

إنتهى دور كني هنا، وجاء دور المحقق الذي كان يستمع إلى الحوار بين يوسف وكني وقال ليوسف:
- هل تعرف ما هي عقوبة نقل تلك الكميه من المخدرات ؟
- لا أعرف
- عشر سنوات كحد أدْنَى، وإذا قبلت بصفقة مع الإدِّعاء العام واعترفت بالتهمة بالمحكمة ستُخفض العقوبة إلى خمس سنوات..

استشاط يوسف غضبا ولم يعرف ماذا يقول. سالت دموعه على خدَّيْه. أكثر ما كان يقلقه هو أنْ تشجع الحكومة الانحراف ثم تلاحق المنحرفين.

رفض يوسف الاستمرار بالرَّدِّ على أسئلة المحققين وطالب بمحام يتولى الدفاع عنه، وكانت مفاجأة له أن يستمع إلى المحامي يعرض عليه بعد دَرْس القضية الموافقة على الصفقة قائلا:

- حظك في كسبك القضية ضعيف فالشهود ضدَّك كلُّهم.. وهُم من رجال الإف بي آي، وقد نقلت البضاعة بسيارتك وسلمتها لهم، وصورك وأنت تنقل البضاعة من السيارة وأنت تُسلِّمها لأحد رجالهم، فماذا سنقول لهيئة المحلفين..؟!

انفعل يوسف وصاح غاضبا:
- قل لهم لقد خدعوني، لقد غرَّروا بي، لولاهم ما أقدمت على ذلك …

قاطعه المحامي قائلا:
- القضاء هنا للأسف لا يهتم بهذه الأمور، لا يحكمون بالمشاعر ولا بالأحاسيس، هم أشخاص مجردون من أية أخلاق إنسانية يتعاملون بالأوراق والقانون والأدلة، وعلى كل حال أنا لا أقول لك أن تقبل بالصفقة ولكني أنصحك بالموافقة لأنك لو خسرت القضية فسوف تقبع في السجن أكثر من عشر سنوات.. أنا هنا للدفاع عنك لأنصحك بأفضل الممكن.. أنا لا أتحدث من الخطأ ومن الصَّحّ ،ولكني أتعامل حسب القوانين التي يتعاملون بها.

سكت يوسف وطالب بمهلة للتفكير.

في اليوم التالي كان يوسف في زنزانته يفكر في وضعه الجديد وفي المصير المظلم الذي وجد نفسه فيه، إذا بالمحقق يظهر له فجأة على باب زنزانته. نظر إليه من بين القضبان وقال له:
- اسمع يا يوسف.. نحن يجب أن نتحدث معك من خلال محاميك ولكن أحببنا أن نعرض عليك صفقة جديدة لا علاقة للمحامي بها..

وصمت بُرهةً قبل أن يُضيف قوله:
- يمكنك الخروج الآن إلى البيت.. وسنغلق ملف القضية ….

لم يصدق سامي ما سمع. هبَّ واقفاً وسأله:
- أجادٌّ أنتَ في كلامك ؟
- بشرط.. أن تتعامل معنا..
- أتعامل معكم؟ وماذا يمكنني أن أقدم لكم ؟ أنا لا أعرف أحداً من تجار المخدرات.
- ومن قال لك إننا نريدك ملاحقة رجال المخدرات ؟
- ماذا تريدون إذن؟
- أن تجمع لنا معلومات عن طُلاَّب الجامعة العرب، والمتردِّدين على الجوامع وتتلقط أخبار الذين يؤيدون الإرهاب..
- تريدون أن أكون جاسوساً لكم؟ الآن عرفت سبب تغريركم بي لنقل شحنة المخدرات……..
- يوسف اهْدَأ.. نحن لا نُريدك أن تتجسَّسَ على الناس ولكنك تخدمهم لأنك تساعدنا في القبض على الإرهابيين الذين يخربون عليكم هنا ويسيئون لسمعتكم..
- أُغْرُبْ عن وجهي.. لا أريد رؤيتك.. لعنكم الله.. سفلة.. كلاب.. لن أوافق على التعامل معكم حتى لو مِتُّ في السجن.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً