الصفحة الأساسيةمقالات ودراسات
المفتش إمانيشي يحقق
رواية يابانية في قمة الإبداع
الأربعاء ٣١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٨
بقلم عادل سالم

قبل أسابيع وقعت في يدي بالمصادفة رواية للكاتب الياباني المعروف (سيشو ماتسوموتو) مترجمة إلى اللغة الإنجليزية، لم أتردد لحظة في قراءتها لأنني واحد من المتلهفين للاطلاع على الأدب في آسيا، وخصوصا الصين، واليابان، وكوريا، والهند، وسائر دول تلك المنطقة.

فنحن العرب، ومعنا معظم دول العالم الذي يسميه الغرب ظلماً وبهتاناً بالعالم الثالث، ليس لنا أية روابط ثقافية تستحق التأريخ مع شعوب تلك الدول، وتنحصر ترجماتنا من الإنجليزية وإليها، والفرنسية بشكل أساسي، ولا أقول الوحيد، ليس لأنه لا ثقافة ولا آداب إلا بتلك اللغتين، ولكن لأننا ما زلنا حقيقة نعاني من بقايا الاستعمار الأوربي المترسب في ثقافتنا، وعلاقتنا مع العالم.

إن تأثيرنا في الثقافات الأخرى غير مرئي لأن الجهات المسؤولة في دولنا العربية الفقيرة والغنية لا تولي تلك المسألة أهمية، وكيف توليها؟ وهي تقضي معظم وقتها تبحث عن مواقع لحجبها عن مواطنيها بدعوى أنها معادية؟ مع أن الفضائيات لم تترك بيتا إلا ودخلته.

بعد قراءتي لرواية الأديب الياباني ازداد شعوري وإيماني بضرورة الإسراع في إنشاء مجلس ثقافي تابع لجامعة الدول العربية، تكون مهمته ترجمة آداب وثقافات لغات كثيرة إلى العربية، ومن العربية إليها، وعندما أقول ضرورة أن تكون مثل تلك الهيئة تابعة لجامهة الدول العربية فلأن مشروعا كهذا يحتاج إلى موازنة ضخمة ومشرفين وأكاديميين، ليس بمقدور فرد أو عدة أفراد نقله إلى حيز الموجود.

لنعد إلى رواية (سيشو ماتسوموتو) وعنوانها (المفتش إمانيشي يحقق) وهي رواية قديمة، كتبها الأديب الياباني سيشو عام1961 وترجمتها (بِثْ كاري) الأمريكية عام 1989 نظراً لأهمية الرواية، فتاريخ إصدارها لا يلغي ضرورة الاطلاع عليها وقراءتها، بل يجعلها أكثر أهمية لأنه ينقلنا كقراء إلى أجواء اليابان في خمسينيات القرن العشرين، تلك الأجواء التي نجهلها، ولا يعرف معظمنا إن لم يكن كلنا شيئا عنها لانبهارنا فقط بالغرب، كأننا نعشق الغروب ونكره لحظة شروق الشمس.

الأديب الياباني صاحب الراوية من كتاب اليابان الكبار، حصل على عدة جوائز رفيعة المستوى في بلده، أهمها جائزة (أكوتاجاوا) الأدبية، وهي في تلك الفترة أرفع جائزة أدبية، وليس غريباً أن يحصل الأديب سيشو على تلك الجوائز على الرغم من أنه بدأ بكتابة الرواية (والأدب بشكل عام) بعد سن الأربعين، فقد ألّف بحسب ما جاء في غلاف الرواية أكثر من 450 موضوعا خلال حياته، في التاريخ والرواية والأدب.

وكتبت رواية ( المفتش إمانيشي يحقق) بلغة أدبية رفيقة، تجعلك خلال قراءتها تتابع أحداث الرواية بشغف ومن غير ملل، لأنك تعرف القاتل الذي ارتكب الجريمة والذي يبحث عنه (إمانيشي) في الرواية.

فجريمة القتل التي حصلت في محطة قطار في طوكيو لم تترك للمحقق أية أدلة تقوده إلى القاتل حيث إن الضحية تعرضت لتشويه متعمد في الوجه، وخلال البحث تكتشف أن بعض المدن اليابانية قد تعرضت خلال الحرب العالمية الثانية إلى الإبادة التامة وضياع ملفات وسجلات مئات الآلاف من البشر مما جعل مهمة المحقق إمانيشي صعبة، وتكاد تكون مستحيلة، لكنه في النهاية ينجح في حل اللغز بجهود لا تتوافر لكل محقق، فهذا المحقق يستغل الكثير من وقته الخاص وعلى نفقته، ويسافر من قرية إلى قرية آلاف الكيلومترات ليجمع المعلومات التي تدين المتهم، إنها رواية بوليسية متقنة وممتعة، بل أكثر إمتاعا من مسلسلات المحقق الأمريكي (كولومبو) الشهيرة. وقد استغربت شخصيا ولا بد أن يستغرب معي القراء من الطريقة الفنية التي استخدمها المجرم الذي قام بأكثر من جريمة قتل في تنفيذ جريمته التي عجز الأطباء أنفسهم عن كشفها، واعتبروها حالات وفاة عادية.

هل سمعتم بالموجات الصوتية والموسيقية العالية التردد التي لا تستطيع الأذن سماعها والتي تسمى(ألتراسونك)؟ هذه الموجات هي التي استخدمت في القتل بالاستوديو الذي يملكه القاتل. فقد اكتشف المحقق بالمصادفة أن هذه الموجات عندما تكون عالية، ( أكثر من عشرين الف ذبذبة) فإن الأذن لا تسمعها لكنها تحدث ضررا بالجسم، ودواراً في الرأس، وقد تؤدي إن كانت عالية إلى الوفاة. وفور اكتشاف المحقق ذلك يبدأ بالبحث عن حيلة للدخول إلى بيت المشتبه به ليفاجأ أنه زرع في استديو بيته تلك الأجهزة التي كانت حديثة العهد في تلك الفترة، ولم تكن ثمة قوانين تمنع استخدامها كما هو الحال الآن، حيث تستخدم(ألتراسونك) في الطب والأبحاث العلمية.

المشوق في الرواية ليس الأحداث، وطريقة سردها ولكن نجاح المؤلف في جعلنا نعيش في قلب المجتمع اياباني.

(1)عرفتني الرواية على أن اليابانيين يحبون شرب الشاي، بخلاف الأمريكيين الذين يشتهرون بشرب القهوة، ونادراً ما يشربون الشاي، وعرفت أنهم يأكلون الرز مع الشاي الأخضر، حيث يصبون الشاي الأخضر على الرز، كما يستخدم الأُردنيون والفلسطينيون اللبن الجميد مع الرز.

(2) قارئ الرواية يكتشف أن في اليابان شبكة واسعة من القطارات التي تصل معظم المدن، وهذا في مطلع الستينيات من القرن العشرين فكيف حالها الآن؟

(3) تعرفنا الرواية على أن سكان اليابان يختلفون في لهجاتهم من منطقة إلى أخرى حتى إن بعض اللهجات غير مفهومة لدى مناطق أخرى لذلك تعتبر اليابانية الرسمية وسيلة اتصالهم الدائم.

(4) يستخدم اليابانيون كلمة (سان) عند مخاطبة الأشخاص بشكل رسمي، وهي مثل سيدة أو سيد في العربية، فمثلا: ( أمانيشي سان) ( يوشيمورا سان) (عادل سان)….الخ

(5) تعرفنا الرواية على أهم منطقة يحج إليها اليابانيون البوذيون، حيث تضم تمثالا كبيراً لبوذا وتسمى ( آيْس)، يتوافد إليها اليابانيون باستمرار للحج وحرق البخور.

(6) يبدو من الأسماء الكثيرة اليابانية المستخدمة في الرواية أن اليابانيين يكثرون في كلماتهم من حرف الشين والكاف، مثل إمانيش، يوشيمورا، بوشيكو، شوكيشي، سوميكو، ميكي، سيجاكاوا، كَنيشي، واكا….الخ

ختاماً، إن (المفتش إمانيشي يحقق) رواية رائعة تستحق الترجمة إلى العربية، أشكر الكاتبة الأمريكية (بِثْ كاري) التي نقلتها إلى الإنجليزية، وأتاحت لي فرصة الاطلاع عليها، بث كاري ولدت في اليابان، وعاشت فيها، وتخصصت في الدراسات الآسيوية، تعيش الآن في كاليفورنيا، وتعمل مساعداً لرئيس شؤون الجالية اليابانية في شمال كاليفورنيا.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً