الصفحة الأساسيةقصص وسرد
موعد مع خالي الذي مات
الجمعة ٢٣ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٩
بقلم عادل سالم

أحببته كحبي لوالدي، كنت دائما أنتظر زيارته لنا خصوصا في الأعيادِ والمناسبات، فقد كان يقدم لي عيدية كبيرة كانت في حينه أكبر هدية تقدم إلى طفل من أقاربنا. قرشان كاملان، كانت قطعة واحدة لونها أبيض، متداولة بين الناس في خمسينات وستينات القرن العشرين في الأردن، ويسميها الناس بالقرطة، لذلك كان خالي سعيد أكثر الأخوال والأعمام حظوة عندي، أفرح عندما يزورنا وأنتظر قدومة ثانية بثانية، أستقبله بابتسامة ولا أنسى تقبيل يديه، فقد تعلم الصغار تقبيل أيادي الكبار من الأقارب كتعبير عن الاحترام لسنهم، ومكانتهم الاحتماعية، ولم يكن حبي لخالي باتحاه واحد، فقد كان يبادلني الحب، ويسأل عني، حتى أنه كان أحيانا يرسل لي الهدايا مع أمي عندما تزوره وأنا في المدرسة.

فجأة توقف خالي عن زيارتنا، ولم أعد أراه لا في عيد، ولا في مناسبة، كنت أسأل أمي:
- أين خالي سعيد؟
فتقول لي بعد أن يتغير وجهها:
- خالك مشغول.
وعندما أعجز عن فهم سبب انشغاله أسأل والدي بعد عودته من العمل:
- أبي لماذا توقف خالي عن زيارتنا؟
يشيح أبي بوجهه عني، لا يعرف ماذا يقول بعد لحظات يسألني:
- هل اشتقت له؟
- نعم يا أبي، فأنا أحبه.
يقترب مني ويقول لي: لقد سافر خالك، وعندما يعود سيأتي لزيارتنا.

لكن إلى أين سافر؟ حاولت أن أسأل أقاربي الآخرين عن خالي فلم أوفق في الحصول على جواب مقنع، هل فعلا سافر خالي؟ أم أنه قرر التوقف عن تقديم الهدايا لي؟ هل أغضبته في شيء؟ هل تشاجر مع أمي؟ لا ليس كذلك فأمي تزورهم بين الحين والآخر وعندما أسألها أن تاخذني معها تقول لي إنها لا تستطيع زيارة دار خالي إلا وأنا في المدرسة.

يبدو أن في المسألة سِرّاً غامضاً لا أعرفه. لماذا يخفونه عن أطفال عائلتنا؟ هل أنا صغير؟
سنوات مرت ولم أعد أسمع عن خالي شيئا كل ما عرفته أن كل الأطفال من أقاربي لم يعودوا يرون خالي، ولا يسمح لأحد منهم بزيارة بيته. لكني أسمع أمي وأبي يتهامسان عن خالي بالألغاز:
- كيف هو؟ هل تحسن؟
- الأمور تزداد سوءاً

كان قلبي يخفق. لم أفهم شيئا. الشيء الوحيد الذي فهمته أن هدايا خالي وعيديته وقرطته قد اختفت ولن تعود. اختفى خالي من حياتي ولكنه ظل في عقلي، أحلم بين الحين والآخر بتلك القرطة البيضاء التي كان يضعها في يدي الصغيرة.

سنوات مرت قبل أن أعود من المدرسة لأرى أمي تبكي وتصرخ، وأبي ينتظرني على الباب، هل ضرب أبي أمي؟
- ماذا حصل؟ سألتهما.
- خالك يا سليم.
- ماذا حصل ألم تقولوا إنه مسافر؟
- لكنه مات.
- مات في السفر؟
- بل مات في البيت.
- إذن لم يكن مسافرا، لماذا كذبوا علي طوال تلك السنوات؟ لا بد أنه خالي الذي طلب منهم ذلك.

ذهبت معهما إلى دار خالي التي كانت تعج بالمعزين، سلمت على الحاضرين وجلست في غرفة الرجال. كنت مع الأطفال الآخرين نجلس صامتين لا مجال لنا للحديث، فالوجوه عابسة، والجميع يتحدثون عن خالي الذي مات. كنت الوحيد الذي فتح آذانه واسعة لأحاديث الكبار. أدقق في كل كلمة قالوها، كان الاستغراب يتسلل إلى عقلي الصغير رويدا رويدا، يا لها من مفاجآت.
- هل هذا حال خالي قبل أن يموت؟

الآن عرفت لماذا لم نعد نرى خالي سعيد منذ سنوات. الآن حصلت على إجابة كنت أبحث عنها طوال سنوات.

خالي الذي كدت أفقد حبي له، عدت لأحبه من جديد بعد موته.
لماذا يا أبي؟ لماذا لم تخبرني؟ لعلي عاتب على أمي أكثر من أبي. فهو أخوها الذي كانت تزوره دون علمي. ترى ما الذي دفعها لإخفاء الحقيقة عني؟ هل كان يطلب منها ذلك؟ معقول؟
لا لا أعتقد، ربما أثرا أن تظل صورة خالي في ذهني تلك الصورة المقدسة التي ترسخت في ذاكرتي. كانا لا يريدان أن تهتز مكانته عندي. وهل كانت ستهتز لو قالا لي ذلك؟ ربما لأنني صغير توقعت أمي أن لا أفهم الأمر ولا أقدره.
مهما يكن الأمر فخالي قد مات.
مات؟ يعني لن يعود، سافر للمرة الأخيرة. سافر حقيقة هذه المرة. كيف أعرف؟ - ألا يمكن أن يكون ذلك خدعة؟
- خدعة؟
كل هؤلاء الناس جاءوا ليودعوه.
أريد أن أرى خالي، أرى جثته أريد أن المسه، أريد أن أودعه.
- أبي....أنا....
- قل يا بني ماذا تريد؟
- أريد أن أراه. أرجوك، وبدأت دموعي تتساقط على خدي.
ربت أبي على كتفي وأمسك بيدي وقادني نحو غرفة كانوا يغسلونه بها.
دخلت فإذا بمجموعة من الرجال يحيطون به، بعضهم يغسلونه، كانت جثته على تخت صغير.
وقَفْتُ أمامه عاجزا عن الكلام، فتحت فمي غير مصدق، أهذا هو خالي؟
خالي الرجل الطويل العريض المنكبين الذي كان يحملني طفلا صغيرا على أصابعه يقذف بي في الهواء ثم يلتقطني؟ ما الذي حوله إلى رجل نحيف؟ أين عضلاته البارزة، لماذا أصبح وجهه صغيرا؟ إذن هو المرض الذي سمعتهم يتحدثون عن إصابته به قبل موته بشهور.
من أين جاءه هذا المرض اللعين؟ ربما بسبب حالة الإفلاس التي وصل إليها؟ هل كان خالي يخجل أن يزورنا في العيد دون أن يحمل لنا الهدايا ويقدم لنا قرطته المشهورة؟ فآثر الانزواء بعيدا عن عيون الأطفال؟ لماذا يا خالي؟ كيف حصل لك كل هذا؟ الآن عرفت لماذا كانت أمي تبكي خلال الشهرين الماضيين، لأن خالي كان في حالة غيبوبة نهائية. تقدمت قليلا وعيون الكبار ترمقني، وأحدهم يقول لأبي:
- هذا صغير على هكذا منظر.
- تفحصت وجه خالي، لم أعرفه. هذا وجه جديد، المرض غير كل شيء فيه، تجرأت ووضعت يدي على جسده، فأحسسته صلبا كالصخر، إذن الميت يتجمد كالصخر القاسي، هل يحس يا ترى؟ هل يسمعني؟ هل يراني؟ كيف يراني وقد أغلق عينيه، أو أغلقوها له. إنه ميت إذن.
يا لرهبة الموت! ما أقساه؟! نعم للموت رهبة، للموت حالة غريبة تتملك الإنسان.
تقدمت حتى لامسته، ثم قبلته فوق جبينه، فجأة امتدت يد أبي ليسحبني ويخرجني من الغرفة قائلا:
- كفى يا ولدي، أدع لخالك بالرحمة.
- رحمه الله.
في المقبرة كنت قريبا من القبر، شاهدتهم يحملونه بالكفن ليدخلوه في القبر، مقره النهائي.
- هل هذا مكان خالي الأخير؟
تقدم خالي الأكبر يحمل المجرفة ليزيل بها أول حفنه تراب على خالي، وكان بجانبه ابن خالي البكر فوزي.
وما أن بدأوا يهيلون عليه التراب حتى صرخت بأعلى صوت سمعت صداه من جبل الطور القريب.
لا لا لا وسقطت مغشيا على الأرض.

لم أستيقظ إلا مساء اليوم في البيت، اقتربت أمي مني وقبلتني.
- كيف أنت الآن؟
ـ كان أبي بجانبها، نظرت حولي لأجد نفسي في البيت.
- متى سيعود خالي؟
ـ قالت أمي:
- خالك لن يعود يا بني لكنه سيزورنا كل فترة.
- يزورنا كيف؟ وهل سأراه؟
- يمكنك أن تراه إن أحببت.
- طبعا أحب، كيف؟ أين هو؟
عندما تنام بعد تناول عشائك، أدع له بالمغفرة، واذهب إلى النوم، وأنت مرتاح البال. سيزورك في المنام وسيقدم لك هدية العيد.
ـ أسرعت بتناول عشائي وعدت إلى النوم مسرعا بعد أن لبست أجمل ما عندي، فأنا الليلة على موعد مع خالي الذي مات.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً