الصفحة الأساسيةقصص وسرد
ثلاث وردات
السبت ٢ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٠
بقلم عادل سالم

كان يفاجئها كل صباح في الطريق إلى المدرسة، كأنه على موعد معها. لم تكن فاتنة تعلم أن خليل يتعمد ذلك، وينتظر مرورها من باب العامود ليسير خلفها حتى أول شارع صلاح الدين، حيث يذهب هو إلى المدرسة الرشيدية القريبة من هناك، في حين تواصل هي طريقها إلى المدرسة المأمونية التي تبعد عن مدرسته خمس دقائق سيرا على الأقدام في مدينة القدس.

وكان حريصا عند وداعها في مدخل شارع صلاح الدين أن يرسل إليها ابتسامة خفيفة كعادة عشاق السبعينات من القرن العشرين، ويغمض عينيه لثانيتين ثم يفتحهما كأنه يرسل إليها رسالته اليومية المليئة بمشاعر العشق، والغرام.

كان خليل يسكن في عقبة البطيخ في البلدة القديمة قريبا من منجرة صندوقة، أما هي فكانت تسكن في شارع الواد القريب منه، قريبا من مخبز الحشيمة.
إنه شاب ظريف، لكنها كانت تخاف أن يشعر أحد بملاحقته لها فتحصل كارثة، فقد يضربها أبوها ويمنعها من الدراسة.

في أحد الأيام اقترب منها كثيرا، ودس لها ورقة في حقيبة يدها. استغربت هذه الجرأة غير المعهودة فيه. ماتت خوفا، فلو رآها أحد فماذا سيقول؟

كادت تسحب الورقة من الحقيبة وترميها إليه، نظرت فإذا به اختفى هذه المرة على غير عادته. فكرت قبل أن ترمي رسالته، ماذا لو رآها أحد الطلاب، فحملها وقرأ ما بها؟ ستكون المصيبة أكبر، وتصير فاتنة على كل لسان.
فكرت قليلا، ثم تراجعت عن خطتها، ستقرأ الرسالة في المدرسة، ثم تمزقها وترميها على الفور.
- يا له من عاشق! أيحبني إلى هذا الحد؟ إن كان يحبني فعليه أن يحرص على مصلحتي. سأعاتبه في المرة القادمة. لكن كيف أعاتبه وأنا لا أحادثه؟ سأرى ما كتبه لي في رسالته.

وصلت فاتنة إلى المدرسة، انزوت جانبا أخرجت الرسالة من حقيبتها، فتحتها، فإذا هي بيان مطبوع بمناسبة «يوم الأرض» الذي يصادف 31 آذار في اليوم التالي يدعو الطلاب إلى الإضراب عن الدراسة، وفي ختام البيان كلمات الشاعر الفلسطيني سميح القاسم:

يا عدو الشمس لكن لن أساوم
وإلى آخر نبض في عروقي
سأقاوم

الآن عرفت فاتنة سر جرأته في دس الرسالة في حقيبتها، إنه يريدها توزيع البيان على الطالبات، إنه من الوطنيين إذن.
حمدت الله أنها لم تتلف البيان قبل قراءته، وزعت النسخة على الطالبات اللواتي تلقفنه واحدة بعد الأخرى وقررن المشاركة في المسيرة السلمية التي ستنطلق في اليوم التالي بالمناسبة، حاملات الأعلام الفلسطينية ولافتات تطالب بوقف مصادرة الأراضي من المواطنين العرب.

في اليوم التالي خرجت طالبات مدرسة المأمونية في مسيرة حاشدة باتجاه باب الساهرة، فالتقت المسيرة هناك بطلبة المدرسة الرشيدية للذكور، وبعد دقائق انضم إليهم طلبة الكلية (الإبراهيمية (ذكورا، وإناثا) ثم بدأت مسيرات الطلبة تتضاعف بمشاركة طلبة المدارس الأخرى، وانطلق المتظاهرون نحو باب العامود (الباب الرئيس للبلدة القديمة.

كانت أعلام فلسطين الممنوعة في تلك الأيام ترفرف عاليا. وقبل أن تصل المسيرة إلى باب العامود، وهي مسافة قصيرة، كانت سيارة الشرطة الإسرائيلية، وحرس الحدود، وخيالة القمع، تحاصر المتظاهرين من كل الجهات. ورغم أنهم كانوا يتظاهرون سلميا، إلا أن قوات الشرطة والجيش بدأوا بإطلاق الرصاص الحي، والمطاطي عليهم.
ها هو خليل يظهر مرة أخرى، لكنه هذه المرة محمولا فوق الأكتاف رافعا علم فلسطين، هاتفا بصوت ما يزال يتردد صداه في أذنها:

فلسطين عربية

فلترحل الصهيونية

لم يكمل خليل هتافه فقد سقط برصاصة أصابته في يده، وتوالى الرصاص، فاضطر الطلاب إلى التفرق يجرون معهم جراحهم. واعتقلت الشرطة عشرات منهم.
عادت فاتنة إلى البيت وقد ازدادت إعجابا بخليل، متمنية أن تراه سالما في اليوم التالي. لم يكن في تلك الأيام هواتف خلوية ولا فضائيات، وكانت الإذاعات العربية تكتفي بنشر خبر عام عن المسيرة، لذلك لم تستطع معرفة أخبار خليل، ولا كيف تطمئن عليه.

توجهت صباح اليوم التالي إلى المدرسة، لكنها لم تجد خليل ينتظرها كعادته، فعرفت من بعض الطالبات في المدرسة أنه نزيل مستشفى المقاصد الخيرية في جبل الطور، فقررت بعد الظهر زيارته للاطمئنان على صحته.
في الطريق من شارع صلاح الدين مرت على محل بيع الزهور واقتربت من صاحب المحل بخجل وسألته:
- ألديك وردة بعشرة قروش؟
نظر إليها صاحب المحل وقد استفزه سؤالها، فأسعار الورد أكثر من ذلك بكثير وقال لها:
- اذهبي لشأنك أيتها الطالبة.
فجأة خرجت من داخل المحل امرأة يبدو أنها زوجته، وسألتها بعد أن رأت فيها صورة لها وهي طالبة مدرسة:
- لماذا تريدين الوردة؟
أجابتها بهدوء:
- لكي أهديها إلى مريض.
نظرت إليها مبتسمة، ثم سألتها:
- أإلى حبيب القلب؟
ارتبكت فاتنة، صمتت ثم قالت:
- إنه بطل جرح يوم أمس.
- وأين هذا البطل الآن؟
- في مستشفى المقاصد.
دخلت المرأة إلى المحل ثم خرجت ومعها صحيفة (القدس) بيدها، وسألتها وهي تريها صور الجرحى المنشورين في الصفحة الأولى:
- هل هو أحدهم.
فوجئت فاتنة بصورته في صدر الصفحة الأولى وقالت لها بصوت يملؤه الفخر:
- نعم إنه ذلك....
- حسنا سأتركك تختارين 3 وردات بعشرة قروش. لن أقدمها لك مجانا، لكي تشعري بقيمتها.
شكرت فاتنة المرأة، وحملت الوردات بعد أن لفتها المرأة بورقة بسبب الشوك الذي يملأ سيقان الوردات.

وانطلقت إلى مستشفى المقاصد مشيا على الأقدام بعد أن لم يبق معها أجرة الطريق. رغم أن المسافة لم تكن بعيدة، حوالي كيلو مترين، لكن جبل الطور ينحدر كثيرا فيصبح المشي إلى القمة متعبا إلى أبعد الحدود، لكن من أجل خليل قررت فاتنة تحمل الصعاب.

توجهت فاتنة إلى غرفة خليل مباشرة بعد الاستفسار من غرفة الاستعلامات، لكنها فوجئت بطلبة كثيرين حول سريره، والأجهزة الطبية تلفه من كل جانب.
خجلت وكادت تعود من حيث أتت. لكنها تجرأت في النهاية. استجمعت كل قواها واقتحمت بورداتها الغرفة المليئة أصلا بباقات الورد من مختلف الأنواع. صمت الجميع لدى دخولها، وبدأت العيون تتوجه إليها وإلى ورداتها الثلاث، وحقيبتها التي تتدلى على وسطها بينما حزام الحقيبة على كتفها.

عندما رآها خليل تسير باتجاهه فوجئ بها، عدل جلسته وبدأت دقات قلبه تزداد، رد على ابتسامتها بأخرى مماثلة. كانت تسير بخطى بطيئة، ترفع بيدها ورداتها وعيونه تلاحق كل حركة من يدها. تطارد كل تعابير وجهها، وحركات شفتيها، ورموش عينيها. كان حلمه أن يراها قادمة إليه، تمنى لو يحملها الآن ويطير بها على فرس أبيض.

عندما اقتربت منه أغمضت عينيها لثانيتين كما كان يفعل عندما يودعها كل صباح، كأنها ترد على رسائله برسالة أخرى تطفئ أشواقه.
كان بعيونه يرسل إليها رسالة خاف أن يبوح بها عبر شفتيه:
- أنا أحبك يا فاتنة.
فماذا في رسالتها اليوم؟
آه ليت تلك العيون تطيل النظر إليه، ليفهم ما يحيط بها من أسرار.
تأخر في استلام ورداتها، كأنه يتعمد تأخيرها، أو كأن عيونها أنسته الوردات لأن أمام عينيه، وردة أكبر وأكثر بهاء وجمالا.

ذابت خجلا، ازداد وجهها احمرارا، رد عليها برسالة من عينيه، وضع أصابعه حول الوردات فأمسك بالأشواك، فجرح أصابعه من دون أن يدري.
قالت له بصوت ناعم:
- الحمد لله على السلامة يا بطل.
وغادرت الغرفة بعد أن تحول خداها إلى تفاحتين حمراوين. سال الدم من أصابعه، انطلق أحد الطلبة لإسعافة: يبدو أنك نسيت نفسك.
فقال آخر:
- أتعرفها؟
ثم بدأت تنهمر التعليقات.

عاد خليل بعد أسبوع إلى المدرسة إثر شفائه من إصابته، لكنه فوجئ بغياب فاتنة. كان متوتر الأعصاب، فعاد ينتظرها في اليوم الثاني، الثالث، وعندما تكرر غيابها خشي أن يكون قد حصل لها مكروه بسبب زيارتها له في المستشفى، فقرر زيارة مخبز الكعك في شارع الواد. ذلك المخبز المشهور بالكعك مع السمسم والبيض المشوي، الذي كان تعود زيارته كلما عنّ على باله رؤيتها بعد الدوام المدرسي متذرعا بشراء كعكة مع سمسم أو أكثر، وبعض البيض المشوي لعله يصادفها خارجة من البيت، أو عائدة إليه. وهناك بدأ يستفسر من صاحب المخبز عن جيرانه، فقال له عزمي الحشيمة صاحب المخبز:
- يا خليل بلاش لف ودوران، ماذا تريد؟
ضحك خليل وقال:
- فاتنة ابنة جاركم (فريد قطينة) لم تعد تأتي إلى المدرسة.
- ألم تعرف لماذا؟
- خيرا إن شاء الله.
- لقد سافرت العائلة كلها إلى الولايات المتحدة.
- ماذا تقول؟
- كما سمعت.
- متى؟
- منذ أسبوع.
- ومتى سيعودون؟
- لقد هاجروا نهائيا.
تغير وجه خليل، ترك الكعك، وغادر المخبز.
ناداه عزمي:
- يا خليل، الكعك ...

عاد خليل من المخبز بعد أن نسي الكعك الذي اشتراه، وظل طوال الطريق يلعن الولايات المتحدة، والآباء الذين يهجرون أوطانهم إليها.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً