الصفحة الأساسيةبقايا ذاكرة
لماذا يحن الآباء إلى أبناء جيلهم
الثلاثاء ٥ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٦
بقلم عادل سالم

عندما كنت طالبا في المدرسة الابتدائية، كنت من عشاق السينما، وكنت أحرص كل أسبوع على مشاهدة فلم أو فلمين على الأقل في إحدى دور العرض الثلاثة التي كانت قائمة في القدس حتى أواخر ثمانينات القرن العشرين، وهي (سينما القدس) أكبرها وتقع في شارع الزهراء، و(سينما الحمراء) الواقعة في شارع صلاح الدين، و(سينما النزهة) الواقعة في نهاية شارع صلاح الدين بالقرب من مدرسة دار الطفل العربي.
لم أترك فلما عربيا، أو هنديا لم أحضره سواء كان فلما استعراضيا، مثل معبودة الجماهير، أو فلما كوميديا، لثلاثي أضواء المسرح، أو فلما من أفلام فريد شوقي، ومحمود المليجي التي كانت تستهويني أنا وأبناء جيلي أكثر من أي فلم آخر.

كنا نحب الأفلام التي تكثر فيها الأحداث، أحداث العنف والضرب، خصوصا تلك التي ينتصر فيها البطل (فريد شوقي، أحمد رمزي إلخ) على رموز الشر مثل (توفيق الدقن، محمود المليجي، حسن حامد إلخ).

نصفق عندما يهجم فريد شوقي على حسن حامد، ونزعل عندما ينتهي الفلم بدون الضرب وتسديد اللكمات، حتى أننا كنا نعد الأفلام التي لا يوجد ضمن أحداثها ضرب وتكسير بأنها خالية من الأبطال، فالبطل كما كنا نفهمه ليس من يقوم بالدور بل من ينتصر في العراك.

كثيرا ما كنت أعود من السينما فيسألني والدي رحمه الله:
- أين كنت؟
- في السينما.
- وماذا شاهدت؟
- شاهدت فلما لفريد شوقي.
- هذا ممثل تعبان.
- لماذا يا والدي؟
- هؤلاء ممثلو الجيل الجديد لا يتقنون التمثل.
- ومن تحب من الممثلين؟
- زكي رستم، أنور وجدي، عادل خيري، اسماعيل ياسين.

كنت أتعجب لماذا لا يحب والدي إلا الممثلين القدامى، لماذا يكره الممثلين الجدد؟ هل هو رجعي؟ أم أنه لا يفهم بالفن؟ أم أم أم؟
وعندما كبرت واجهت نفس المشكلة وبشكل دائم، فكان يقول لي:
- من هؤلاء المطربون الذين تسمع لهم؟ كاظم الساهر؟ أم الخالع عمرو دياب؟ أم نانسي عجرم؟ ها ها ها ها عشنا والله وشفنا مطربين آخر زمن!

تعودت على تعليقاته ولم أعد أعيرها اهتماما، إلا عندما تجاوزت الخمسين من عمري، حينها بدأت أتفهم مشاعر والدي، ولبست بعض عباءاته. وعندما أردت أن أفاتحه بالموضوع رحل عنا، ودفن دون أن يتسنى لي المشاركة في تشييع جنازته.
الآن فهمتك يا والدي، وشعرت بما تشعر به قبل أربعين سنة، ولكن كلفني ذلك جيلا بحاله حتى أستوعب ما كنت تقوله لي.

لا أنكر أنني أحيانا كثيرة أستمع لأغاني حديثة لبهاء سلطان، أو شيرين وجدي، أو كاظم الساهر إلخ لكني أعترف لكم أنني أطرب أكثر عندما أستمع لأغنية لأحد الراحلين كفريد الأطرش، وعبد الحليم حافظ، وأم كلثوم، وفهد بلان، ومحمد رشدي، وكارم محمود إلخ.

لتلك الأغاني في نفسي وقع خاص، وسحر قوي لأنني أثناء سماعها أستعيد زمنا مضى، وتعود بي الذكريات ثلاثين، أو أربعين سنة إلى الوراء.
فعندما أستمع لأغنية عبد الحليم حافظ (رسالة من تحت الماء) أتذكر أيام السبعينات من القرن العشرين عندما كنت عضوا في جمعية الشبان المسيحية التي كنا نطلق عليها اختصارا اسم «الواي» وكلما كنت أذهب للسباحة مساء كان يأتي في نفس الوقت شاب نسيت اسمه، يطلقون عليه اسم (سينما) لأنه كان يعمل في سينما القدس، فيبدأ أثناء تغيير ملابسه والاستحمام بغناء (رسالة من تحت الماء) فيطربنا معه، وأعترف لكم أن صوته كان جميلا.

كل أغنية تذكرني بمناسبة، وكل فلم يذكرني بحدث، وربما بأحداث كثيرة، فبعد حضوري لفلم (قيس وليلى) بطولة شكري سرحان، وماجدة قررت أن أكون عاشقا.
إذن هو حنين لأيام الشباب!

حنين لسنوات الطفولة، لسنوات المطاردة، والحب، والمغامرات، سنوات الفتوة، والأصدقاء الأوفياء الأبرياء من الأمراض، والأحقاد.

عالم الشباب لم يكن مجرد مرحلة انتهت في حياتنا، بل هي المرحلة الأهم في حياتنا كلها، لأنها مرحلة أحلامنا، وحبنا للاستكشاف، استكشاف الذات والاندفاع إلى الأمام.

إنها مرحلة تكثر فيها الألوان، فتمسك فيها بالريشة، وتختار ما يعجبك من الألوان، لتلطخ بها لوحتك.
أما اليوم فلم يعد أمام جيلي الكثير من الألوان لنستعين بها في رسم لوحتنا الجميلة. وأكاد أجزم أنه لم يبق لدى بعضنا سوى لون واحد.

سألت أمي ذات يوم:
- لماذا كان أبي يحب دائما أن يستمع إلى أغنية (وحياة عينيك) لفريد الأطرش؟
تنهدت، ثم ابتسمت، وقالت لي:
- كان أبوك في مطلع الستينات في ألمانيا، حيث سافر للعمل هناك، وبعد عدة أيام سمع من إذاعة (صوت العرب من القاهرة) التي كانت متاحة من دول أوروبا أغنية فريد الأطرش (وحياة عينيك) فقرر قطع هجرته والعودة فورا إلى القدس.

الآن فهمت لماذا كان يحب سماع تلك الأغنية، فهل يفهم أبنائي سر مشاعري، وحنيني لجيل لم يكونوا قد ولدوا فيه بعد؟

هل سيسألني أحدهم:
- ما سر حبك لمارسيل خليفة؟ لماذا تكثر من ترديد أغنيته المشهورة (منتصب القامة أمشي)؟
هل سيقول لي أحدهم يوما ما:
- لقد زهقتنا من أغاني جوليا بطرس، وفيروز، هذه أصوات انتهت، ونحن نريد الجديد.

ترى لماذا اللوحات الفنية القديمة أغلى من الجديدة؟
ألأن الألوان عندما تجف على اللوحة يزداد سعرها، كالخمر المعتق؟

هل علينا الانفصال عن جيل أبنائنا كما فعل والدي، أم الانسلاخ عن ماضينا، أم دمج الصور كلها في ألبوم واحد؟ إذا فتحته من اليمين تدخل إلى الماضي لتصل إلى الحاضر، فتنتقل من واحة، إلى أخرى حتى تصل شط البحر. وإن فتحته من اليسار دخلت لعالمك الحالي، لتعود أدراجك إلى الماضي البعيد، لتطل على بوابة التاريخ، كأنك راكب سفينة العودة.


ما أجمل أن تمزج الألوان معا، إنها فن جميل رائع، هل جربت مزج الألوان باستخدام الحاسوب؟ قد تعدها مسأله سهلة مع أنها ليست كذلك أبدا، بل لعلها مهمة أكثر تعقيدا مما حلمت، لأن المهم ليس المزج العشوائي للألوان، بل المزج الفني، إنها مثل مزج الأحاسيس، والمشاعر لا يجيدها إلا العشاق وحدهم. فهل جربت أن تصبح عاشقا يوما ما كما فعلت أنا؟

تعقيبك على الموضوع
مشاركة منتدى:
لماذا يحن الآباء إلى أبناء جيلهم
الجمعة ١٢ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٠
بقلم الكاتبة : أسمى وزوز

أعجبني ذلك المقال وكل منا سيجد نفسه يوما في مفترق للذكرى بين ماض حمل فيه الكثير من الحب والتعلق بأناس أو أغان واسته في جرحه وغربته وبكى فيها مثل عبد الحليم وورده في أغنية بودعك وخليك هنا والعيون السود .أو فيروز الصوت الأسطوري الذي لن يتكرر.

حقا عندما أسمع محمد رشدي في أغنية البيت القديم تستهويني الذكرى ولكن أشعر أن هذا الجيل لن يطرب لأي شيء طربنا نحن له. أو يتعلق بأي مثل كنا نقدسها. كل شيءتغير وحقا
سنشعر ما شعر به آباؤنا لأن الزمان ليس هو الزمان ولا المكان هو المكان.




الرد على هذه المشاركة

في هذا القسم أيضاً