الصفحة الأساسيةقصص وسرد
ممنوع تأييد السيد
الجمعة ١٩ شباط (فبراير) ٢٠١٠
بقلم عادل سالم

دخل كمال إلى زنزانته بعد أن أعياه التحقيق المكثف الذي تعرض له طوال ساعات في وسط مدينة شيكاغو الأمريكية من قبل المحققين الفدراليين، وآخرين لم يعرفهم، ولم يتجرأ أن يسألهم عن هويتهم، فالتهم التي وجهت إليه عقدت لسانه، وأخافته ووضعته في دوامة لا يعرف متى بدأت ولا متى ستنتهي.
جلس على الأرض يفكر بالتهم الموجهة إليه والتي لا يعرف من لفقها له.
- إرهاب، تخطيط لهجمات إرهابية، تحريض على الكراهية، تأييد السيد.
- يا إلهي من أين جاءوا بهذه التهم؟ ما الذي يريدونه؟
- هل أخطأوا بيني وبين شخص آخر؟ هل وشى بي أحدهم؟ لا بد من محام قوي يواجه هذه الاتهامات.

لم تطل إقامته في زنزانته حتى أعادوه إلى التحقيق، هذه المرة قالوا له:
- اسمع يا كمال إن أحببت أن تخفف عنك الحكم عليك التعامل معنا وتدلنا على كل المحرضين الذين تعرفهم.
- لكني لا أعرف شيئا عن التهم التي توجهونها.
- هذا آخر عرض نوجهه إليك.
- أنا أريد محام. أريد الاتصال بزوجتي.
لم يعترض المحققون، رفعوا السماعة واتصلوا بزوجته وأخبروها أن زوجها يحتاج إلى محام.
ذهبت زوجته سميحة مع بعض أصدقائه تبحث عن محام مناسب حتى وجدوا محامي يقبل الترافع عنه.
طلب منهم خمسة آلاف دولار لزيارته ومعرفة التهم الموجهة له وبعد ذلك يحدد التكاليف لقضيته التي لا تقل عن مائة ألف دولار!!
بعد يومين كان المحامي في زيارة لكمال في سجنه.
لم يخف المحامي مخاوف كمال، لكنه زادها عندما قال له:
- إنهم يوجهون لك تهمه الإرهاب، وهذا تهمة حكمها عال، لكنا لا نستطيع الدفاع قبل أن يقدموا لنا بعض التفاصيل. إنهم يتهمونك إنك تؤيد الشيخ حسن نصر الله من لبنان، وتشكل مجموعات لتقديم الدعم له. وربما المساعدة في التخطيط لأعمال إرهابية.
- هذا كذب كذب لا أصدق هذه التهم.
-  اهدأ لا تنفعل فالانفعال لا يفيدك. علينا التفكير في التهم وتفاصيلها ونعد دفاعنا عليها.
صمت ثم تابع:
-  المشكلة أن هيئه المحلفين هنا لن تصدقك، وحسب خبرتي ما إن يسمعوا تهمة إرهاب وعرب ومسلمين، سوف يدينونك فورا.
-  أين العدالة؟
-  وهل تصدق تلك الخرافات؟ عند المحققين هنا لا يوجد عدالة.
-  هل تعتقد أن أحدهم وشى بي لتحصيل كرت إقامة وقدم لهم معلومات كاذبه.
-  لا أعتقد فهم يتحدثون بلهجة الواثق من مصادر معلوماتهم.
-  لكنها معلومات كاذبة.
-  سنرى في الأسابيع القادمة.
- وهل سأبقى بالسجن حتى المحاكمة؟
-  إنهم يرفضون الإفراج عنك بالكفالة لكننا سنقدم أوراقك للقاضي وسنرى ما يقول.

الآن عرف كمال لماذا صادروا جهاز الحاسوب لديه، وجميع كتبه باللغة العربية، والكثير من اسطوانات الأغاني.

كان متوتر الأعصاب عندما جاء السجان ليأخذه لزيارة بعض الأهل، كانت زوجته معهم.
طلبوا منهم أن يتحدثوا بالانجليزية حتى يفهموا عليه.
كان مسرورا لزيارة زوجته، وأصدقائه فلم يرهم منذ أسبوع، قال لهم:
- إنهم يتهمونني بالإرهاب، أنا أنكر التهمة وليس لي علاقة بكل ما يقولونه. حاولوا تهدئته، وتثبيت عزيمته.

لم تطل المحاكمة فقد أدانته هيئة المحلفين بتهمتين فقط تاييد السيد حسن نصر الله، وتشكيل مجموعات تؤيده وتقدم له الدعم الإعلامي. أما التهم الأخرى فقد أكدوا براءته منها فحكمه القاضي عشر سنوات بالسجن.
كان الإدعاء العام قد استند في اتهامه إلى تقرير من المدرسة التي يتعلم فيها ابنه الأكبر سعيد (12 سنة) والتي أشارت فيها إحدى المدرسات أن سعيد يتحدث عن السيد حسن، ويقول للطلاب والمعلمين إن أباه يؤيده.
لم يصدق كمال ما يسمع، عشر سنوات لأنه يؤيد حسن نصر الله؟
- سعيد، سعيد هو السبب، آخ منك يا سعيد، تذهب وتقول للطلاب عني؟

في ذلك اليوم كان السيد حسن يلقي خطابه عبر شاشة الجزيرة وكان كمال يستمع إلى الخطاب باهتمام منفعلا .
-  هكذا هم الزعماء. كل التحية لك..، صحيح... مئة بالمئة.
كان ابنه سعيد يجلس وحده معه فيما انشغل بقية اخوته في ألعابهم، وكانت أمه في المطبخ تحضر العشاء. سأله سعيد:
-  بابا من هذا؟
-  إنه الزعيم.
-  أهو زعيمنا؟
-  إنه زعيم الأمة كلها.
-  هل تحبه؟
-  كلنا نحبه.
-  هل هو من فلسطين؟
-  أنه من كل البلدان العربية.
-  لماذا يضع العمامة على رأسه؟ أهو شيخ؟
-  سعيد دعني أتابع الخطاب ويكفيك أسئلة. هذه العمامة لرجال الدين. نعم.
دعني أستمع، عندما تكبر ستعرف عنه أكثر.

على الفور أخبر كمال محامية بضورورة الاستئناف، ونقل هو إلى أحد السجون في تكساس مقيد اليدين والرجلين والوسط، كان مكروها من السجانين والسجناء وأمضى حوالي السنة وهو يعاني من العنصرية والاعتداءات المتكررة حتى أنه فكر يوما بالانتحار. زارته زوجته مرة واحدة فقد كانت المسافة بعيدة وتكلف الكثير.

كان المدعي العام الفدرالي الجديد قد استلم قضيته وطالب من الادعاء بضرورة إعادة دراسة القضية من جديد.
وقد وظف بعض المتخصصين العرب في الترجمة من اللغة العربية وبالاطلاع على أوراق كل المجموعات التي اتهم كمال بالانتماء لها اقتنع المدعي العام الجديد أن كمال لم يكن يشكل خطرا على الأمن وأنه مارس التحريص وتأييد الزعيم أمام ابنه فقط.

في جلسة الاستئناف لم يقرر القاضي براءة المتهم لكنه اكتفى بمدة سجنه وقرر ابقاء فرض المراقبة عليه لمدة 3 سنوات.
كان كمال سعيدا بالإفراج عنه لكنه كان حزينا لأن القاضي لم يبرئه من التهمة نهائيا.
قال له المحامي.
القاضي لا يريدك أن تقاضي الحكومة فاصدر قراره على هذا النحو.
لكنه ظلم!
يا كمال احمد الله أنك خرجت سالما من بين أيديهم.
-  لكني الآن سأواجه المشاكل بعد أن نظر إلي الناس عبر شاشات التلفزيون بأنني أؤيد السيد حسن. كيف سأعيش؟ أين سأشتغل؟ أي خطر سيتشكل هذا على أولادي؟
-  هل تريد نصيحة؟
- وما هي؟
-  عد إلى بلادك الأصلية ولا تبقى هنا.
هز كمال رأسه قائلا:
-  ترى هل سأجد عملا هناك؟ أم هل سأضاف إلى سجل آلاف العطلين عن العمل؟
صمت ثم تمتم في سره:
-  شيء وحيد فقط يمكنني أن أفعله بحرية هناك، أن (أؤيد السيد حسن وقتما أشاء، وكيفما أشاء).


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً