الصفحة الأساسيةقصص وسرد
الحاج سمور
الثلاثاء ٢٧ نيسان (أبريل) ٢٠١٠
بقلم عادل سالم

كان الحاج سمور يسير في الشارع المؤدي إلى مدرسة طارق بن زياد في مدينة الخليل عصر يوم الأربعاء من شهر تشرين أول 1995 عندما سمع صراخ فتاة خلفه. استدار إلى الخلف فرأى صبية تركض هاربة وخلفها شابان في العشرينات من العمر أحدهما يحمل سكينا كبيرا. كانت الصبية تصرخ بأعلى صوتها طالبة النجدة من المواطنين، وعندما اقتربت من الحاج سمور احتمت به، وضعت يدها على حزامه قائلة:
- أنا بعرضك يا حاج،(انا بحمايتك). [1].

احتار الحاج سمور في الأمر، لكنه لم يتردد في قبول استجارتها وحل المشكلة مع الشابين المهاجمين، فقد عرف بخبرته الطويلة في لجان الإصلاح وحل الخلافات العائلية أن المهاجمين لا بد أن يكونا من العائلة والسبب كما يبدو قضايا الشرف التي ينظر لها المسلمون في فلسطين بحساسية.

وقف الحاج سمور الذي تجاوز الستين من عمره أمام الشابين طالبا من الفتاة التمترس خلف ظهره. وعندما اقتربا قال لهما:
- اهدأوا يا شباب، هذه الآن بحمايتي أنا الحاج سمور، دعونا نحل الخلاف بهدوء، لا تتركوا لحظة غضب تسيطر عليكم فترتكبوا جريمة تندمون عليها.
صرخ به أحدهما:
-  اتركها يا حاج سمور أحسن لك، هذه العاهرة لطخت شرفنا بالعار.

كانا يتحينان الفرصة لجرها بعيدا عن الحاج سمور، لا يريدان ايذاءه فقد عرفاه، إنه أحد كبار رجال البلد ووجوه الإصلاح فيها، من لا يعرفه في الخليل؟ اذا اعتدى عليه أحدهم فلن يسلم من عائلته؟! لكن ساعة الغضب لا أحد يضمن نتائجها.

قال لهم الحاج سمور:
-  هذا حق لكم أن تغاروا على عٍرضكم الذي هو عٍرضي وشرفي، وأنا معكم في محاسبتها.لكن هل تأكدتم يا أولادي؟ هل دققتم أو إنها لحظة انفعال عاطفية؟ إنها فتاه صغيرة طالبة مدرسة على ما يبدو، حتى لو حصل ما ببالكم، فالإسلام أوجب الجلد وليس القتل. لا تتركوا الشيطان يسيطر على مشاعركم. دعوني أحل المشكلة.
-  لا لا تتدخل، قلنا لك ابعد عنها، قبل أن ينفذ صبرنا.
ثم وجه الأخ الثاني كلامه لها:
-  يا حيوانة ابعدي عنه، لن تهربي منا.
تقدم الأخ الثاني منها ليسحبها من خلف ظهر الحاج سمور فمد يده الحاج سمور وقال له:
-  توقف، قلت لك إنها بحمايتي.

نفذ صبر الشابين، مد يده الأخ الأكبر إلى جيب سترته فأخرج مسدسه منه، وضع الرصاصة جاهزة للإطلاق وهدد الحاج سمور إن لم يتركها سيقتلهما معا.

اهتز بدن الحاج سمور:
-  أتهددني أنا؟ يا عيب الشوم. أين أخلاق الخليل وشهامتها؟
-  يا حاج سمور دخيلك اتركها.

هجم الاثنان معا، لم يستطيع الحاج سمور المقاومة، إنه الموت بانتظارها وحدها أو معا. إنها لحظة الغضب المزيف الذي لا يستطيع أحد الوقوف أمامه. كأنه استسلم لهما، مد الشاب الأصغر حامل السكينة يده على شعرها، سحبها بقوة وهي تصرخ:
-  أنا بحمايتك يا حاج سمور، أنا بعرضك. من أجل الله احمني حماك الله.
كان المارة الذين لاحظوا الحدث من أوله قد تجمعوا من بعيد يتفرجون كأنهم يتفرجون على فلم سينمائي. لا أحد يحاول فعل شيء. كلهم صمتوا كأنهم يوافقون ضمنيا على الجريمة قال أحد كبار السن الذي وقف يتفرج.
-  يا حاج سمور، اتركها لأهلها ليغسلوا عارهم بأيديهم نحن لا نجير العاهرات.
بدأ الأخ الأصغر يصرخ وهو يطعنها بالسكين طعنه إثر طعنة:
-  يا عاهرة هذا جزاؤك،
فيما كانت تصرخ كلماتها الأخيرة:
-  بريئة يا عالم بريئة، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
فجأة شقت جموع المتفرجين امرأة تلبس الحجاب وهي تصرخ:
- ابنتي ابنتي بريئة يا عالم، حرام عليكم، حرام عليكم.
اختلطت الأصوات مع صوت الحاج سمور الذي كان يصرخ بهم:
-  لقد قتلتموها وهي بحمايتي، لن أغفر لكم هذه الجريمة.

قبل أن تصل الأم لترمي نفسها على جثة ابنتها على الأرض تقدم الأخ الأكبر فأطلق على رأسها طلقة ليؤكد وفاتها ارتمت الأم على جثة ابنتها باكية منتحبة، ملطخة نفسها بدمها.

قتلك أخواك يا ميسون، قتلك المجرمان رفعت رأسها إلى الحاج سمور وسألته:
- لماذا لم تحمها يا حاج سمور؟ لماذا لم تجرها؟ كيف وقفتم كلكم صامتون.
وقفت ونظرت إلى جمهور المتفرجين من الرجال.
-  وقفتم تتفرجون عليها، تقتل دون أن تحموها. يا عاركم! هل أنتم رجال؟ اذهبوا وليحلق كل منكم شاربه فلستم سوى مجموعة من النساء يطيب لهم التفرج على قتل الضحايا!

كلكم قتلة، كلكم شاركتم بقتلها، بصمتكم، بعجزكم حكمتم عليها أنها المجرمة حتى دون أن تسمعوا دفاعها. أخذتم برأي القاتل، هل تعرفون لماذا؟ لأنه رجل مثلكم أنتم يا من ترتكبون الخطايا وتعاقبون الضحايا، أنتم الشرفاء! يا لشرفكم الذي تلطخه إسرائيل كل يوم وأنتم عاجزون عن حمايته. ماذا تختلفون عن الحكام العرب الذين يشاهدون إسرائيل تقتلنا كل يوم في فلسطين وفي لبنان دون أن يفكر أحد فيهم بتحريك جيشه لحمايتها؟!

إنهم صورة مكبرة لكم، تركتموها لتقتل، لكنكم نسيتم أنها بموتها قتلت فيكم شهامتكم، كبرياءكم، رجولتكم.

اختفى الشابان بعد الجريمة، فيما طأطأ الحاج سمور رأسه وتساقط الدمع من عينيه وتابع سيره، وبدأ جمهور المتفرجين بالتفرق، وهم يتهامسون على الضحية.

قال أحدهم للآخر:
-  يبدو أنها عاهرة، جنس النساء لا ينفع معه سوى القوه حتى ترتدع البقية، إلى جهنم.
فيما همس آخر:
-  حرام والله حرام، الدين لم يأمر بالقتل، لا إله إلا الله، الله يساعد أمها.

الحاج سمور شعر بإهانة لم يشعرها من قبل، لأول مرة لا يستطيع إجارة أحد، أو حماية أحد طلب منه الحماية، هل يتصل بأولاده فيحولها إلى معركة تهتز لها الخليل؟
لكن ما الفائدة؟ فالضحية ماتت، والمجرمان سيدخلان السجن قريبا، فهل يضيف جريمة أخرى يرتكبها أولاده.
كان يسأل نفسه:
-  لماذا لم أدافع عنها في حينه؟ لماذا لم أشتبك معهما.
لكن كيف وأنا رجل عجوز، لا حول له ولا قوة.
تابع سيره، اقترب منه بعض المارة، شدوا من أزره.
-  الحمد لله على سلامتك.
-  لقد قمت بواجبك وزيادة.
هز رأسه ولم يلتفت لأحد.
اقترب منه شاب صغير السن يبدو أنه طالب مدرسة، كان محمر الوجه مرتعبا من هول المنظر، كان يبكي بصمت.
-  عمي الحاج سمور، أقسم لك إنها بريئة من كل اتهام.
نظر إليه الحاج سمور وسأله، هل أنت أخوها؟
-  لا
-  من أنت ولماذا تدافع عنها؟
-  أنا الذي اتهموها به.
بحلق به الحاج سمور. وسأله
-  ما اسمك؟
-  اسمي عصام. عصام محمد ال.....
-  أنت أبوك بياع الخضار؟
-  نعم هو نفسه.
-  وماذا حصل بالضبط؟
-  لا شيء، مجرد رسائل تبادلناها عبر الشبكة العنكبوتية
للتعارف كطلاب مدرسة في الخليل، لم نلتق بأي مكان، كنت أراها في الشارع عائدة من المدرسة، كنت أود الحديث مع والدي ليخطبها لي، هذا كل ما في الأمر.
-  وكيف عرفت أنها قتلت لهذا السبب.
-  هي التي قالت لي قبل وفاتها رحمها الله.
أرسلت لي رسالة عن طريق صديقتها قالت لي إن أخاها قرأ رسائلها ومنعها من الخروج من البيت وإنها خائفة وتشعر أن شيئا يعد لها.
-  ولماذا يا ابني تراسلها؟ لماذا اقتحام أسرار الناس.
-  يا عمي الحاج لم نرتكب جريمة، ولم نزنٍ، لم نخالف شرع الله، كيف سيتزوج الأبناء إذا منعناهم من التعارف وتبادل الآراء؟ وحتى لو أذنبت فهل هذا يستوجب إزهاق روح بريئة؟
هز الحاج سمور رأسه.
-  هذا ما حصل، فماذا ترى؟
-  أشعر بالذنب، أشعر أنني سبب جريمة لم أرتكبها، لماذا لم يردوا عليك؟ لماذا ضربوا بعرض الحائط حمايتك لها؟
-  لأن جيل الأبناء لم يعد يحترم قوانين الآباء. كنا في الماضي إذا قال أحدهم أنا أستجير بفلان، نقف حتى يأتي الذي أجاره فإما أن يقطع استجارته له أو أن يدفع عن الذي أجاره أية مشاكل عالقة.
صمت ثم قال للشاب:
-  اذهب يا بني إلى بيتك فلا نستطيع عمل شيء.
استغفر الله العظيم وادع لها بالرحمة.

تابع الحاج سمور سيره إلى بيته بينما علت صفارة سيارة الإسعاف، وسيارات الشرطة التي ملأت المكان.
في اليوم التالي خرج الحاج سمور من الحمام وقد حلق ذقنه وشواربه، فوجئت زوجته وسألته:
-  لماذا حلقت شواربك وذقنك؟ لم تفعلها منذ أربعين سنة كأنك تنوي على شيء.
ضحك وقال لها:
-  ليس لنا أفضل منك يا أم البنين. لقد حلقت شنبي لأنني أشعر أنني لم أعد أعيش في زمني، ما حصل بالأمس أشعرني بالعجز، نحن لسنا رجالا، نحن لا نختلف عنكن إلا بملابسنا وأعضائنا التناسلية.
حاولت أن تهدئ أعصابه، فقالت له:
-  لا تزعل، سأعمل لك كأسا من الشاي لنشربها معا.
رن جرس الهاتف نظر إلى رقم المتصل فعرف أنه الحاج عطا من لجنة الإصلاح، فقال لها:
-  ردي عليه وقولي له، إنني تعبان ولن أشارك بأية لجنة بعد اليوم.

[1وضع اليد على الحزام قمة الاستجارة والتذلل، وعادة لا يرد طلب المستنجد


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً