الصفحة الأساسيةقصص وسرد
مترجم إلى السماء
الخميس ٦ أيار (مايو) ٢٠١٠
بقلم عادل سالم

كان حسام يبحث في الجرائد المحلية والعربية في نيويورك عن فرصة عمل مناسبة بعيدا عن أعين دائرة المهاجرة، فهو لم يحصل على كرت الإقامة بعد، وما زال يبحث عن فتاة أمريكية مناسبة يستطيع أن يتزوجها ليحقق من خلالها أحلام الشباب.

فمنذ أن تغرب عن وطنه قبل سنة وهو يطارد ليل نهار لتأمين مصاريف البلد العالية. مائة دولار في نيويورك ليست مثل مائة دلار في الإسكندرية، الفرق هائل بين البلدين.

فجأة لفت انتباهه إعلان كبير في صفحة كاملة في إحدى الصحف العربية يطالب بمترجمين عرب للعمل براتب مغر مع علاوات ومكافأة لسنوات الخدمة.
-  خمسة آلاف دولار شهريا؟
إنه راتب مغر جدا.
حمل هاتفه النقال واتصل بالرقم.
-  ألو أهلا وسهلا.
-  قرأت إعلانكم حول طلب موظفين للعمل كمترجمين إلى العربية وبالعكس.
سأله المتحدث على الفور:
-  هل عمرك أقل من 35 سنة؟
-  عمري 25 سنة، خريج لغة إنجليزية، وآداب.
-  جيد جدا يمكنك التقدم للمقابلة مع مسؤول قسم التوظيف غدا صباحا على العنوان التالي....
سأله حسام بعد أن أنهى حديثه، أين سيكون العمل؟
-  في البداية سنرسلك إلى العراق.
-  إلى العراق؟ لماذا هل هذا مكتب للجيش؟
-  لا هذا مكتب ترجمة، ولكنا بحاجة لمترجمين لإرسالهم إلى العراق وإلى أفغانستان للعمل كمترجمين في معسكرات الجيش.
-  ولكني لا أحمل كرت إقامة أمريكي.
-  سيساعدك المكتب في الحصول على الإقامة بعد انتهاء مهمتك.
تردد حسام في الموافقة، فقال له الموظف.
يمكن طرح المزيد من الأسئلة على الموظف المسؤول عن التوظيف، لكن تأكد أن الامتيازات عالية.
-  مثل ماذا؟
-  إذا كنت مواطنا غير أمريكي الجنسية سيصبح بمقدورك الحصول عليها بعد عودتك من الخدمة. وسيكون بإمكانك الخدمة في مناطق أخرى بما فيها بلدان مختلفة من العالم.
-  حسنا سأكون غدا حسب الموعد.

فكر حسام في العرض، فهو مغر جدا. راتب عال، سأحصل على الجنسية دون زواج ومصاريف لا لزوم لها وسيكون عملي في مكاتب الجيش ليس لي علاقة بما يحصل للجنود.
فكر لثوان ثم قال لنفسه:
-  إذا شعرت بثقل المهمة، سأطلب إنهاء خدمتي أو سأهرب من هناك.

بعد شهر كان حسام في الطائرة المتجهة إلى العراق.
فور وصوله أدخل مع مجموعة من العاملين مع الجيش الأمريكي القادمين من دول مختلفة مثل الهند. كمبوديا، كوريا، المغرب، الأردن، ومصر، إلى دورة تدريب عسكرية لاستخدام الأسلحة النارية، فسألهم حسام:
-  لماذا التدريب أنا جئت أعمل مترجما؟
فرد عليه الضابط المسؤول:
-  أنت الآن تعمل في عهدة الجيش الأمريكي ويجب عليك المشاركة في التدريب للدفاع عن نفسك، فالإرهابيون هنا نشيطون ولا يتركون أحدا. وحتى تستطيع الدفاع عن نفسك يجب عليك التدرب على استخدام أنواع الأسلحة.

عندما حاول الاحتجاج أفهموه أنه الآن يعمل تحت سلطة الجيش وعليه التزام الأوامر.
-  أمرك سيدي.

بعد انتهاء فترة التدريب كانت مهمته مرافقة إحدى الدوريات الأمريكية العاملة في إحدى نقاط التفتيش في بغداد. كان يقوم بالترجمة إلى الجنود الأمريكيين ما يقوله المواطنون العراقيون، ويترجم للعراقيين أوامر الجنود وشتائمهم. كان يشعر أنه رأس حربة للطرفين، فالمواطنون ينظرون إليه نظرة احتقار بأنه جاسوس لهم، والأمريكيون يرون فيه مترجما متضامنا مع العراقيين.

بعد فترة أصبحوا يتركونه وحيدا ليقوم بتفتيش المارة بينما الجنود يجلسون في سياراتهم يراقبون الوضع مصوبين أسلحتهم باتجاه المواطنين، يدهم على الزناد لإطلاق النار على أية محاولة للهرب أو الهجوم على القوات الأمريكية.

لماذا يفعلون به ذلك؟ سأل حسام نفسه: هل هذه مهمة المترجمين؟ لو حصل أي هجوم على أفراد الجيش سأكون أول المستهدفين. ما الذي ستستفيده أمي من ذلك؟
لو عرف أبي ماذا أفعل لهجم علي يضربني.
يبدو أنهم خدعوني، إن مت سيقولون عربي مات في العراق، لا أحد يعرف كيف جئنا ولا ماذا قيل لنا ولا ما يجري على الأرض هنا، عندما قدم لهم الاستقالة قالوا له عليك إتمام مدة العقد 3 سنوات حتى يمكنك الاستقالة.
- هل نسيت التعليمات التي وقعتها في المكتب في نيويورك؟ اغرب عن وجهي فورا.
-  أمرك سيدي.
وضرب له سلاما.

وظيفة حسام لم تكن للترجمة فقط، فأحيانا كان يعمل سائقا، وأحيانا يترجم ما يقول الجنود للمواطنين، بعض الأوقات كان يطلب منه ترجمة ما تقولة الإذاعات السورية، أو ترجمة بعض الصحف العراقية وأحيانا أخرى كان يعمل كناسا، يقوم بهمة كنس الغرفة وتنظيفها. لم يكن لدية وظيفة ثابتة فهو وغيره من الموظفين الذين أحضرهم الجيش الأمريكي للعمل معه يقومون بكل شيء. إنهم موظفو الأعمال الخاصة.

في أحد المرات، طلبه الضابط الأمريكي (ماكوي) وقال له:
- اذهب بهذه السيارة إلى سوق الخضار، واشتر لنا بعض المأكولات حسب هذه الورقة وعد بسرعة.
أعطاه المفتاح ومبلغا من المال وأشار له لمكان السيارة.
غادر حسام بالسيارة لابسا ملابسه المدنية وذهب إلى سوق الخضار أوقف السيارة بالقرب من السوق وذهب يشترى من المحلات في الداخل حسب اللائحة، بصل، فلفل أخضر، بندورة....
فجأة رن الهاتف الخلوي الذي يحمله، سألة الضابط ماكوي:
-  هل وصلت السوق؟
-  نعم سيدي أنا هناك أشتري الأغراض.
فجأة هز انفجار عنيف المنطقة فتطاير الناس أشلاء وجرحى، أما هو فقد نجا من الموت بأعجوبة.
حاول العودة إلى سيارته للهرب لكنه فوجئ أن سيارته هي التي انفجرت، فخاف على نفسه من الناس الغاضبة وقوات الأمن العراقية التي وصلت تعتقل المواطنين الذين تشتبه بهم. اقتربوا منه، رفعوا السلاح عليه، فرفع لهم بطاقة للجيش الأمريكي مع صورته تفيد أنه يعمل لدى الجيش. أخذوه إلى السيارة سألوه عما شاهده فقال لهم:
-  لا أستطيع الادلاء بأية معلومات إلا لدى قوات الجيش التي أعمل معها.

اتصلوا بالجيش الأمريكي، فطلبوا منهم إطلاق سراحة وأرسلوا له سائقا يعيده إلى المعسكر.
الآن عرف حسام لماذا ينشرون دائما إعلانات طلب مترجمين، (ألا يكفي ما في العراق من مترجمين؟)
كان حسام مذهولا مما حصل!

كيف انفجرت السيارة؟ هل زرع أحد بها متفجرات بعد أن تركتها؟ هل وضعوا العبوة تحتها. ألأنهم عرفوا أنها سيارة للجيش الأمريكي؟ لعن الله المسؤول عن هذا العمل الجبان.

بعد ساعة كان يستمع لنشرة الأخبار كانت القوات الأمريكية تتهم قوى تابعة لإيران بتفجير سيارة مفخخة في شارع أكثر رواده من المسلمين السنة. وقد أكد المتحدث باسم الجيش، أنه يأسف لذلك وأن الجيش موجود هناك لمنع حرب أهلية في العراق.

قال له أحد العاملين مع الجيش الأمريكي من الأردن:
- هؤلاء الشيعة الذين قاموا بهذه المهمة الجبانة. إنهم جماعة أيران لكن صبرا لن ينتصروا، أنهم الرافضة.
-  عفوا ماذا تقصد بالرافضة؟
-  لأنهم يرفضون أوامر الله.
-  ومن أين جئت بهذا التحليل.
-  لا تحتاج إلى تحليل. رافضة من رفض يرفض فهم رافضة. يرفضون خلافة أبوبكر، وعمر وعثمان. انهم يشتمون زوجة النبي عليه الصلاة والسلام.
-  لكن ما الذي يؤكد لك أنهم وراء هذا الانفجار؟ وهل إذا فعلها أحد الشيعة يعني أن كل الشيعة مسؤولون عن جريمته؟
-  يا أخي حرام أن نصعد في انقسام المجتمع العراقي. أنا شخصيا لا أعرف من يقف وراء هذه التفجيرات ولكني لا أتهم أحدا.
-  أنت تؤيد إيران إذن، ايراني.
-  من قال لك إنني ايراني، أو أؤيد أيران؟

في اليوم التالي جاءه الضابط «ماكوي» وقال له:
-  أنت تحاول الإساءة للجيش الأمريكي وتأييد إيران.
-  أنا؟ لم يحصل ذلك.
-  هذا آخر إنذار لك فإن عدت لمثل تلك الأعمال ستحال إلى لجنة تحقيق.
-  أمرك سيدي.

خرج من المكتب وهو يلعن جميل،(لقد وشى بي)، يتهم الناس بالتعامل مع إيران وهو يتعامل مع أمريكا.

بعد أسبوعين، طلب منه الضابط ماكوي نقل سيارة فيها بعض المعدات الطبية إلى مستشفى قريب وقال له الطريق التي يسلكها.

في الطريق اتصل به الضابط وسأله أين أنت؟
-  انا في طريق مزدحم بالمارة عند الدوار...
قبل أن يتم جملته كانت سيارته قد تطايرت وتطاير معها في الهواء.
قوات عراقية تحاصر المنطقة. وأصوات تصرخ وتصيح
-  يا حسين، يا حسين.
-  فعلها المخربون الصداميون.

بعد قليل كانت الإذاعات المحلية تعلن أن مخربا فجر نفسه في سيارة في شارع يزدحم بالمواطنين الشيعة، إحدى الإذاعات قالت إن جماعة صدام وراء التفجير فيما قالت أخرى إنهم من مجموعات القاعدة التخريبية ردا على انفجار الشهر الماضي في أحد المناطق السنية.

لم ينس متحدث باسم القوات الأمريكية أن يعلن أن قواته تبذل قصارى جهدها من أجل حماية المواطنين وملاحقة المخربين من الجانبين.
سأل الجنرال «مايكلوسكي» الضابط «ماكوي»:
-  ما قصة المترجم الذي تفجر في السيارة؟ هل كان يتجسس علينا؟
-  لا يا سيدي، لكنه اطلع على أسرار ما كان يجب أن يطلع عليها وهو دائم الأسئلة وقد قدم استقالته احتجاجا على عمله.
هز رأسه:
- فهمت وماذا حصل بالضبط؟
قال «ماكوي» مستهزئا:
-  أرسلناه إلى السماء ليترجم إلى أَللاه (الله) أوامرنا.
ضحك الجنرال وسأله:
-  وهل تعتقد أن رسالتنا وصلت؟
-  نعم سيدي إن لم يوصلها بلغته سنوصلها بلغتنا.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً