الصفحة الأساسيةقصص وسرد
من يحب لا يكذب
الخميس ٢٧ أيار (مايو) ٢٠١٠
بقلم عادل سالم

فوجئت سعاد اليوم برسالة جديدة في بريدها الإلكتروني يعرض عليها صاحبها التعارف.
-  التعارف!! لكن من أين له بريدي الإلكتروني؟

سعاد طالبة مدرسة في السنة الأخيرة. لديها بريدان إلكترونيان أحدهما خاص لا يعرفة سوى المقربين والثاني عام لجميع من هب ودب وهذه الرسالة وصلتها إلى بريدها الخاص. فكيف استطاع ذلك الشاب اقتحام عالمها الخاص والوصول إليها؟
آه من هؤلاء الشباب! يتفنون في اصطياد عناوين البنات كأنها مباراة بينهم أيهم الأسبق.
قرأت سعاد رسالته مرة أخرى وقررت إلغائها فليس لديها الوقت للتعارف على شاب لم تره بعد.

بعد أسبوع وصلتها رسالة أخرى منه، يبدو أنه شاب لا يمل، يؤمن بنظرية المحاولات، هذه المرة أرسل لها صورته ومعلومات وافية عنه، اسمه أشرف الصياد، طالب جامعي سنة أولى في جامعة القاهرة، كلية الهندسة.....
حقا إنه شاب وسيم، يبدو من صورة وجهه بأنه مرح، ترددت في حذف رسالته، فصورته جذابة، كذلك كلماته يبدو أنه مهندس كلمات لا مهندس عمارات. قال لها:

(أعتذر أنني أقتحم عليك خلوتك وحرابك، أعرف أنني تجاوزت حدودي، لكني لا أقتحم عليك خلوتك لأفسدها وإنما لأقدم لك فيها باقة ورد تزيد بستانك رونقا وبهاء ثم أنسحب بهدوء مكتفيا بمحاولتك استنشاق الورود التي سأتركها لك، فباستنشاقها إنما تعيدين إلي الحياة لأنني قطفتها لك من حديقة قلبي الصغير).

يبدو أنه لطيف! لكن كيف يرسل لي كل هذه الكلمات وهو لم يعرفني؟! أتراه يتسلى بي كعادة كثير من الشبان الذين يحلفون الأيمان لكل فتاة أنهم يعشقونها ويذوبون في هواها؟
ابتسمت وتابعت تساؤلاتها وهي تعيد قراءة رسالته.
-  رغم كل ذلك فالفتاة تحب سماع كلمات جميلة، إنها خمرتها التي تسكرها، الكلمات الرقيقة تسحر الفتاة، تدغدع مشاعرها إنها الخطوة الأولى نحو قلبها.... كلمات لا تحملها ولا تضجر منها. بل تغفو على سماعها، ما أجمل أن يتغزل العشاق بعشيقهاتهن! هل تكرة الفتاة أن يتغزل بها أكثر من شخص؟! نعم تحب أن تكون مثار إعجاب الجميع، إن هذا الإعجاب والجري خلفها يشعرها بأنوثتها، بجمالها، إنه يرضى غرورها.
بعد لحظة تأمل قررت سعاد الرد عليه برسالة قصيرة:
-  شكرا لك على رسالتك اللطيفة. لكن كيف عرفت اسمي وبريدي يا أشرف؟
بورد عليها في اليوم التالي:
-  عزيزتي سعاد,
لم أتوقع الرد على رسائلي إليك، فكل ما كنت أطمعه أن تقرئيها، لأن قراءتك لها تثير لدي الشعور بالأمل والحنين، لقد اكتفيت من العقد يما يحط بالعنق، أما وأنك أتحفتني بالرد عليها فهذا وسام شرف لي لكأنني اليوم أصبحت أشرفين لا أشرفا واحدا.

أعجبتها رسالته، لم تصدق أنه طالب سنة أولى جامعة، من يدري لعله أستاذ فيها.
-  أذهب وأسأل عنه هناك؟ أم ألتقي به لأكشف عنه القناع؟
بمنذ تلك الرسالة استمرت في مراسلته لكن دون أن تعطيه رقم هاتفها، أو تمنحه الأمل باللقاء، كان يرسل لها قصائده الشعرية واصفا حبه لها، إنه يعرفها، يراها من بعيد معجب بها، يتمنى لو توافق أن تكون زوجة له، لقد عثر على بريدها بطريقة عفوية لم يتوقعها، فقد كانت قد تركت عنوانها الخاص في أحد المنتديات التي كتبت فيها تعليقا على نص أدبي قرأه، وها هو يعرض عليها أن يلتقي بها، هل آن أوان اللقاء؟
-  لم لا، لا بد أنه شاب رائع، من يدري ربما يكون فارس أحلامي، سألته أين سنلتقي؟
بعد تفكير رد عليها.
-  في جروبي الأربعاء القادم، الساعة الثانية بعد الظهر.

وصلت سعاد جروبي قبل الوقت بربع ساعة، جلست تحمل معها صورته التي طبعتها على ورقة عن الحاسوب، كانت تراقب الشباب الداخلين إلى المحل وتقارن بينهم وبين الصورة. حان الوقت المحدد للقاء ولم يظهر أشرف.
-  اللهم اجعله خيرا.
اقترب منها رجل يبدو أنه في الثلاثين من عمره، ضخم الجثة كرشه يتدلى أمامة كعلاء ولي الدين، يحمل معه جريده الأهرام ابتسم لها وقال:
-  مساء الخير آنسه سعاد.
فوجئت به، وسألته:
-  أهلا بك، من أنت؟
-  أنا أشرف.
-  تغير وجهها، قطبت حاجبيها، ثم سألته:
-  أشرف الصياد؟
-  نعم، أنا بذاته، صورتي لديك قديمة بعض الشيء. نظرت إلى الصورة لم تر شيئا فيها يشبهه. أتراه كان يستعير صورا من الشبكة؟!
جلس مقابلها، وقطع عليها حبل تفكيرها.
-  آنسة سعاد اسمحي لي أن أشرح لك الموقف، أعترف أنني أرسلت لك صورة أخي الصغير فقط لكي أحظى بفرصة لقائك. أنا متأكد أنك لا تهتمين بالشكل فقط لكن بالجوهر....
قاطعته:
-  ترسل لي صورة أخيك بأنها أنت؟ وهل كان أحد يكتب لك رسائلك؟
-  كلا أقسم إنها كلماتي وأشعاري، أنا شاعر أنشر قصائدي في مواقع كثيرة على الشكبة، اذهبي إلى موقع....
-  ما الذي جعلك ترسل صورة غير صورتك؟
احمر وجهه، خجلا وتمنى لو انشقت الأرض وبلعته:
-  لأن شكلي ضخم، الفتيات يهربن مني، أقسم أنني سأعمل على تخفيض وزني.
صمت ثم تابع:
-  جئت لأعترف لك بحبي فلا تحرميني من تلك الفرصة.
-  أتحبني فعلا؟
-  نعم وازداد حبا لك الآن.
-  ولم كذبت علي؟
-  قصدي شريف....
قاطعته:
-  أنت أشرف وليس شريف.
وقفت ثم حملت حقيبتها بعد أن تركت صورته على الطاولة وخرجت من المكان.
لحق بها وهو يقول لها:
-  سعاد، أعطني فرصه أرجوك
سعاد تشير بيدها إلى تاكسي قريب.
-  تكسي....
تفتح الباب الخلفي وتجلس به، بينما هو يرجوها أن تعطيه فرصه ليشرح لها.
-  سعاد أرجوك، دعيني أصحح غلطي.
قالت له قبل أن تغلق الباب:
-  من يحب لا يكذب يا أشرف.

انطلق التاكسي تاركا أشرف وحده يلعن تلك الفكرة الجهنمية التي عشعشت في رأسه.
-  اللعنة، اللعنة علي، لقد انقلب كل شيء على رأسي، يا لهذه الفكرة الفاشلة، لماذا أرسلت لها صورة أخي؟ لكن هل كانت وافقت على لقائي لو أرسلت لها صورتي بهذا الكرش الذي يقف أمامي كالحامل في شهرها التاسع؟ من التي ستقبل بي؟ كل ما أكتبه من أشعار ومقالات أدبية لا يغير من نظراتهن إلي.
سار أشرف في أحد الشوارع لا يعرف إلى أين، كان سارحا يفكر في مصيبته.
-  لقد انهار حلمي الأخير، بنيته على أوهام، أستحق ما حصل لي، علي الاقتناع بقدري والقبول بمصيري....

بينما كان سارحا، يقلب الأفكار في رأسه، اقتربت منه شابة يبدو أنها في منتصف العشرينات من عمرها وسألته:
-  ألست الشاعر أشرف الصياد؟
استيقظ من سرحانه، نظر إليها، تساءل قبل أن يجيبها (هل تسألني أنا؟ أكيد فأنا أشرف الصياد بعينه). رد عليها:
- أنا بذاته، أشرف الصياد، هل تعرفينني؟
- تشرفنا يا أشرف، أنا نادية، نادية شومان، لقد قرأت لك الكثير من القصائد على الشبكة العنكبوتية، ولم تسمح الظروف أن أعلق عليها، هل تسمح لي ببعض وقتك لأطلعك على محاولاتي الأدبية؟

فوجئ بها، نسي كل ما حصل مع سعاد. صمت قليلا فلم يتوقع أن يوقفه أحد في الشارع ليعرف رأيه. شعر ببعض الاعتزاز، من أين جاءته ناديه؟! لكأن الله أرسلها لكي تواسيه بمصيبته.
ابتسم بأدب وقد استعاد رباطة جأشه بعد أن انفرجت أساريره:
-  يشرفني ذلك يا نادية.
-  ومتى تحبين أن نلتقي؟
-  لدي بعض الوقت الآن، ما رأيك بجروبي؟

وافقت نادية على الفور، فكل طموحها أن يستمع لها أحد ويشجعها ويقدم لها التوجيه المناسب، وأشرف الصياد يحظى برضاها فهو شاعر صاعد، أشعاره تحظى برضى النقاد، ليس مشهورا كأحمد عبد المعطي حجازي أو حلمي سالم أو محمود درويش، لكنه في الطريق إلى القمة.

سار أشرف مع نادية إلى جروبي، لماذا جروبي بعدما حصل؟ لا بد من استعادة بعض كرامته فالجرسون الذي لاحظ كيف تركته سعاد وغادرت المحل، وقف باهتا عندما رآه يدخل المحل بعد فتره قصيرة مع امرأة أخرى. هز النادل رأسه حاسدا أشرف على حظه، لكأنه صياد فعلا، صياد نساء.

طلب كل منهما كأس عصير برتقال، قدمت له نماذج من أشعارها، قرأها أعجب بها، قدم لها رأيه بصراحه، لم يكذب. أعجبت بصراحته ورأيه، قرأت له بصوت خافت إحدى قصائدها، أسكره صوتها، تبادلا وجهات النظر في الشعر والأدب. بعد فتره تركا الشعر جانبا، تناقشا في أمور الحياة، العمل، تبادلا البسمات والضحكات كأنهما يعرفان بعضهما بعضا منذ سنين. تواعدا للقاء آخر قريب وقبل أن يودعها حرص على تبادل البريد الإلكتروني معها وأرقام الهاتف ووعدها في مفاجأة في اللقاء القادم.

تركته نادية وهي سعيدة لهذا للقاء الجميل، كانت تتساءل طوال الطريق إلى البيت:
-  ماذا ستكون المفاجأة؟ أتكون قصيده شعر يهديها إلي؟ ليته يفعل، سأكون في قمة السعادة.

أما هو فقد كان يشعر بالراحة لنهاية مأساته الأولى، شعر بتأنيب الضمير، فقد أنسته نادية كل جرح وأعادته إلى صوابه. لكن كلمات سعاد ما زالت ترن في أذنه. لقد علمته درسا في الحب.
-  من يحب لا يكذب يا أشرف.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً