الصفحة الأساسيةقصص وسرد
محمد الكاثوليكي
الخميس ١٧ حزيران (يونيو) ٢٠١٠
بقلم عادل سالم

«انتباه، على السجناء التالية أسماؤهم أن يحضروا فورا إلى غرفة الزيارة لوجود زوار بانتظارهم:»
- فرانك ماكلوسكي،
- جاك مكاريل،
- محمد جمعة،
- زياد يوسف،
- روبرت جي بي.

منذ الثامنة صباحا ومكبرات الصوت في سجن «دولوث» الفدرالي في شمال ولاية منسوتا تنادي على السجناء تباعا الذين وصل أهاليهم وأصدقاؤهم لزيارتهم.

كان زياد سعيدا بسماع اسمه في قائمة الزوار، لقد وصلت زوجته حوالي التاسعة صباحا، كان زياد ينتظر هذه الزيارة على أحر من الجمر. فهي أول زيارة له منذ أسابيع طويلة.

كان جاهزا للزيارة منذ الصباح، حلق ذقنه، واستحم، ورش على نفسه بعض العطور المتوفرة للسجناء، وصار يغني ويتمايل كأنه في عرس حقيقي. رآه صديق سجين يدعى بسام فسأله:
-  صحتين يا زياد، من قدك؟ لديك زيارة مع الحبايب. كأنك ذاهب إلى حفلة عرس.
ضحك زياد وقال له:
-  لكني سمعت اسم محمد جمعة، هل تعرفه لم أسمع اسمه من قبل.
-  لا أعرف ربما جاء يوم أمس إلى السجن دون أن ندري. افحص الأمر بالزيارة وبلغني بالخبر.
- ألن تزور اليوم؟
- لا أعتقد أن أحدا سيزورني اليوم، تعرف أن أهلي من نيويورك والمسافة من هناك طويلة ومكلفة.
- سأخبرك بعد العودة، إلى اللقاء.

سار زياد من البناية رقم 207 حيث يسكن في إحدى غرفها في الطابق الأرضي متجاوزا البناية 209، وغرفة الألعاب، والمكتبة، ثم عمارة الإدارة وبعد وصوله بناية العبادة المخصصة للصلاة لجميع الديانات، انعطف إلى اليمين باتجاه غرفة الزيارة، كانت زوجته قد خرجت من غرفة الزيارة الكبيرة إلى الحديقة الجانبية وهناك تستطيع من خلال الشبك الحديدي الفاصل بينها وبين السجن أن ترى السجناء في طريقهم إلى الزيارة. وعندما رأته نادت عليه:
-  زياد،
ولوحت له بيدها.
-  منى، بحبك، وأرسل لها قبلة في الهواء.

كانت بملابسها الصيفية. شعرها يتمايل إلى اليمين والشمال كأنه تاج على رأسها.

لم يكن باستطاعته الاقتراب من الشبك أو التسليم عليها إذ عليه أولا المرور عبر الغرفة للتفتيش قبل الدخول.
أشار إليها بيده وفتح الباب باتجاه الغرفة، لم يكن سجان التفتيش جاهزا وكان الباب الأوسط المؤدي إلى غرفة الزيارة مغلقا وعليهم الانتظار.

خلال انتظاره خطر على باله التعرف على محمد جمعة، نظر إلى وجوه السجناء المنتظرين معه لم ير أحدا شكله عربي أو حتى قريبا منهم، بدأ يتفحص أسماءهم المكتوبة عادة على صدورهم في القسم الأيسر بجانب القلب.
فجأة لمح أحد السجناء الشباب، كان قصير القامة، شكله من أمريكا الجنوبية يشبه المكسيكيين، وقد كتب على قميصة (م. جمعة). ابتسم له وقال:
-  السلام عليكم، مرحبا!
نظر إليه محمد جمعة وقال له بالإنجليزية:
-  لم أفهم، هل قلت لي شيئا؟
فقال له بالإنجليزية:
-  يبدو أنك لست عربيا، هل أنت مسلم؟
-  لا لست مسلما. أنا مسيحي كاثوليكي.
تغيرت ملامح وجه زياد، قطب حاجبيه متعجبا، وقال له:
-  ولكن اسم محمد جمعة ليس مسيحيا!
-  هذا اسم أبي. لقد توفي أبي رحمه الله وأنا في بطن أمي، ولأنها كانت تحبه كثيرا فقد أطلقت علي اسمه ليظل حيا قي قلبها.
-  يا لهذا الوفاء العظيم، وهل كانت أمك مسلمة؟
-  لا أمي مسيحية كاثوليكية، وقد ربتني على ديانتها.
-  قصتك غريبة بعض الشيء، أمك مسيحية كاثوليكية وتحب أباك المسلم وتسميك محمد جمعة وتنشئك نشأة مسيحية؟ وهل أنت من المكسيك؟
-  لا أنا من بورتوريكو، جاء أبي إلى هناك وتزوج أمي لكنه توفي بعد زواجها بعام في حادث سير.
-  ليرحمه الله، ومن أين كان أبوك.
-  أبي من الأراضي المقدسة، من القدس.
-  من القدس؟ أنا من القدس.
فرح محمد لذلك وسلم عليه، ثم قال:
- منذ زمن وأنا أبحث عن شخص من القدس فأنا عازم على زيارتها للتعرف على أهل أبي هناك، هل تعرف أحدا من عائلة جمعة؟
-  للأسف لا يا محمد، هل تقبل أن أناديك باسم محمد؟
-  لم لا فهو اسمي وأنا أحبه لأنه اسم أبي.
تعجب زياد من رده، فمحمد العابودي الذي يعرفه في شيكاغو كان يسمى نفسه مايك، ولا يريد أحدا أن يناديه محمد أمام الأمريكيين، ومحمد أبو العينين كان يلقب نفسه (مو) أما محمد المسيحي فيرحب أن نناديه باسم محمد.
قال له:
-  لقد تركت القدس منذ سنوات طويلة، حينما كنت طالب مدرسة لكن يمكن أن أساعدك بإرسالك لأحد أقاربي وهو سيدلك على هدفك.
سكت ثم تمتم في سره. «لكن لن يكونوا سعداء لأنك مسيحي».
-  شكرا زياد.

اتفق الاثنان على التحدث في الموضوع بعد العودة من الزيارة.

بعد عامين كان محمد جمعة قد أنهى مدة سجنه. وأفرج عنه، فخرج مصمما على زيارة القدس كما وعد زياد للتعرف على أهلة هناك. كان يحمل معه كل الأوراق اللازمة من شهادة ميلاد والده وجواز سفره الأردني القديم فسكان القدس كانوا يسافرون من خلال جوازات سفرهم الأردنية وبعض الصور القليلة لوالده، ولم ينس الاتصال بزياد في شيكاغو والتأكد من صحة أرقام الهواتف التي أعطاها له لكي يساعده بعض أقارب زياد في البحث عن أهله.

وصل محمد جمعة مطار تل أبيب، وبعد تفتيش كامل حقائبه لأن اسمه يثير الشبهة لدى موظفي أمن المطار، فكل من يسمع باسمه يعتقد أنه من فلسطين، لكنه لا يعد نفسه فلسطينيا، ليس لأنه يكره الفلسطينين ولا لأنه ينكر أن والده فلسطيني ولكن لأنه تربى وعاش وتعلم في بورتوريكو (تابعة للولايات المتحدة)، ولم يبق لديه من جذور عربية سوى الدم، لكن الثقافة والانتماء شيء آخر.

في القدس نزل في فندق جبل الزيتون، فندق عربي والموظفون كلهم من أبناء القدس. وكانوا سعداء بمساعدته في الاتصال برقم هواتف عم زياد يوسف، عبدالله يوسف. الذي جاء إلى الفندق. وتعرف إلى محمد جمعة، وأخذه معه في سيارته حتى أوصله إلى أحد أفراد عائلة جمعة.

وبعد البحث والتدقيق عرفوا من يكون فاتصلوا بعمه ماهر تاجر الخضار في باب خان الزيت بالبلدة القديمة فجاء مسرعا والتقى بابن أخيه الذي يحمل اسم أخيه محمد جمعة. يا للمفاجأة ...

قال لابن أخيه:
- أبوك هاجر إلى أمريكا منذ ثلاثين سنة ثم انقطعت أخباره ولم نعد نسمع عنه شيئا. اعتقدنا أنه تخلى عنا.
لم نعرف أين حطت به الأقدار ولا أين يعيش فلم يتصل بنا منذ مغادرته القدس إلى عمان. لم يكن لدينا جهاز هاتف كما اليوم فإسرائيل في حينه كانت تعطل حصول المواطنين العرب على أجهزة هواتف.
يا لها من مصادفة.

اجتمعت العائلة مساء اليوم نفسه، فقد حضر عماه ماهر وماجد وعمتاه سعاد وعلياء. وبعض الأقارب والأولاد.
لم يصدقوا أن أخاهم توفي منذ زمن بعيد. كانوا يلومونه لأنه لم يتصل بهم، فإذا بهم يلومون أنفسهم لأنهم لم يبحثوا عنه.
-  نبحث عنه؟ قالت علياء.
- أين نبحث عنه؟ ونحن لا نعرف له أثرا.

كانوا سعداء بوجوده في اليوم الأول. لم يثقلوا عليه بالأسئلة واكتفوا بالتعرف عليه وتناول العشاء معه، طلبوا منه المبيت لديهم لكنه أصر أن يعود إلى الفندق لأنه يشعر براحة هناك. بعد أن أوصله عماه إلى الفندق سأل ماجد أخاه ماهر في طريق العودة.
-  أظنه جاء يبحث عن تركة أبيه.
هز ماهر رأسه وقال لأخيه ماجد:
-  حسب الشريعة الإسلامية بما أن أخانا محمد توفي قبل والدنا فلا يحق له أن يرث شيئا. لكن بالنسبة لشقته في البلدة القديمه فهذه حق له فقد اشتراها أبوه قبل سفره من ماله الخاص وهي حق لابنه بعده.
فقال ماجد:
-  أنت تعرف سعاد أختك تسكن هناك منذ ثلاثين عاما (منذ سفر أخينا) وقد صلحت في البيت ورممت الكثير من جدرانه واستحدثت الحمام والشبابيك.
-  ولكنها تسكن هناك منذ ثلاثين سنة دون أن تدفع إيجارا أنسيت؟
-  لماذا لا نتحدث معها الليلة بالموضوع.

عاد ماهر وماجد إلى البيت ليجداها مازالت هناك مع علياء فطرح ماجد عليها الموضوع.
-  لا أدري كيف أبدأ يا سعاد ولكن تعلمين أن البيت الذي تسكنينه ملك أخينا محمد، أما وأنه مات فقد أصبح ملك ابنه، لكن بالنسبة لوالدنا لا يرث. أولاد الأخ لا يرثون من مال جدهم إن توفي والدهم قبل جدهم.
اسود وجه سعاد:
-  وماذا تقصدون؟
-  نقصد أن محمد جمعة ابن أخينا من حقه البيت وعليك أن تتفاهمي معه.
فقال ماهر:
-  لا أعتقد أنه سيسكن فيه لكنه بالتأكيد سيبيعه وأنت أولى الناس بشرائه.
-  ولكنني صلحته وأستحق التعويض.
نظر إليها ماهر وقال
-  تعويض؟! لقد سكنت به ثلاثين عاما دون أن تدفعي إيجارا، يا إلهي ألا تحسبين ذلك ولا تنسي أنت في البيت لست مستأجرة، لقد قال لك تسكنين لحين عودتي ولم يطلب منك ترميمه.
-  يا سلام هل اتفقتما علي.
تدخلت علياء:
-  يا أختي سعاد. الولد أحق بمال أبيه، علينا أن نشجعه للبقاء عندنا.اعرضي أن تشتريه منه لعله يبيعه بسعر مناسب.
قال ماجد:
- يمكنك مراضاته فهو لا يعرف أسعار البيوت عندنا.
قالت علياء:
- لا تخدعوا الولد يا ماجد. ما هذا الكلام؟ لو سأل عن قيمته عليكم تقديم المعلومات الصحيحه له. اتقوا الله.

في اليوم التالي ذهب ماجد إلى الفندق وصحب ابن أخيه محمد إلى زيارة تفقدية في البلدة القديمة، وعندما اقتربا من المسجد الأقصى اقترح عليه زيارته.
بعد دخول المسجد قال ماجد لابن أخيه:
- تعال نصلي ركعتين معا. هل أنت متوضئ؟
- لكني لست مسلما.
ضحك ماجد واعتقد أنه يمزح.
-  ها ها وماذا ستكون شيوعي؟
-  لا لست شيوعيا أنا مسيحي.
احمر وجه عمه ماجد، وعبس، فتح عينيه، بحلق به وسأله:
-  هل أنت جاد فيما تقول؟
-  نعم أنا مسيحي كاثوليكي. على دين أمي.
-  وماذا عن دين أبيك؟
-  يا عمي أنا لم أر أبي أصلا كما تعرف.
-  وهل أنت مقتنع بالمسيحية؟
-  طبعا كما أنت مقتنع بالإسلام!
تمتم ماجد بالعربية.
-  يا لفرحة آل جمعة فيك.
فقال محمد:
- ماذا قلت؟ لم أفهم
- اسمع عليك التفكير جديا بالموضوع. إنها فرصة أمامك لتعلن إسلامك هنا في أولى القبلتين، وتتوب عن سنوات الجاهلية.
- جاهلية! لا أفهم ماذا تقصد بالجاهلية.
عمي أرجو أن تتفهم الوضع أنا لم أحضر هنا لأصبح مسلما ولكن للتعرف عليكم.
-  وماذا نقول للعائلة وللناس؟ أنقول لهم أن محمد جمعة ابن أخينا مسيحي كاثوليكي؟!
-  نعم قل لهم الحقيقة.
-  سيسخرون منا ويجعلوننا مضغه في الأفواه. محمد المسيحي، محمد النصراني، محمد يتخلى عن الأسلام. لقد فاجأتني، بصراحة لم أتوقع منك ذلك، سأتركك تفكر بالموضوع وسنتحدث الليلة عندما نلتقي مساء مع بقية الأهل، كلهم مشتاقون لك، لا تقل لهم إنك مسيحي انتظر حتى نتناقش.
-  يا عمي ليس في الموضوع أسرار، وديني ليس موضوع مساومة. هل لك أن تأخدني إلى كنيسة القيامة.
أخذه عمه وهو يتفجر غيظا، قال له بعد أن وصل سأنتظرك هنا على الباب، يمكنك التجول وحدك في الداخل.
تركه يدخل وانتظر هو خارج الكنيسة محتارا، متسائلا:
-  لماذا جئت لنا إذن؟ ليتك لم تحضر. مسيحي؟! محمد المسيحي. ألم تعرف أمك أن تسميك جورج، أو جون؟ أخرج هاتفه النقال من جيبه واتصل بماهر:
-  ألو ماهر
-  أهلا ماجد، كيف حال ابن الأخ؟
-  لن تصدق لو قلت لك. محمد جمعة مسيحي!
-  والله كنت أتوقع أن يكون مسيحيا. لكني عندما سمعت اسمه محمد ظننت أنه مسلم فخاب ظني. يا للمصيبة.
-  وكيف سنعالج الأمر؟ ألم تحاول إقناعة بالتحول إلى الإسلام؟
-  حاولت يا ماهر، فقال لي إنه مقتنع بالمسيحية، ورفض نقاش الأمر. ما رأيك لو أحضرنا له عالما مسلما ليحاوره؟
-  فكرة جيدة، سنتناقش الليلة عندما نلتقي.
أغلق ماهر الهاتف وبدأ يتصل مع علياء، وسعاد، ليخبرهما الخبر الذي زلزل الأرض.
-  محمد جمعة مسيحي.
-  ماذا تقول؟ ابن أخي مسيحي! يا لآل جمعة. لعن الله بورتوريكو وكل من يسافر لها. أخي محمد الله يغفر له هو المسؤول سيتحمل ذنب هذا الولد، لماذا تزوج من مسيحية؟ لماذا لم يتزوج من أهل بلده ودينه؟
-  يا علياء ماذا فعل؟ لقد تزوج حسب شرعنا وهل كان يعرف أنه سيموت؟!
أما سعاد عندما سمعت بالخبر من ماهر قالت له:
-  مسيحي، مسيحي، هو حر في دينه لكن ...
صمتت لثوان ثم تابعت:
- المسيحي لا يرث أباه المسلم.
عرف ماهر قصدها. فقال لها
-  صحيح وفي هذه الحال يصبح البيت ملكنا جميعا.
-  وهل ستطلبون مني أثمان حصصكم؟
-  هذا شرع الله يا سعاد. للذكر مثل حظ الانثيين.
-  ولكني رممت البيت وأعيش به مع زوجي وأولادي.
-  ألم تقولي قبل قليل أن الابن المسيحي لا يرث أباه المسلم شرعا.
-  صحيح.
-  ما دام الحديث عن الشرع. فلماذا تحاولين الهروب مما يقول الشرع في تقسيم الميراث؟ أم أنك يا سعاد تبحثين عن الأفضل لك.
-  يا عيب الشوم، أتلاحق أختك في بيت في البلدة القديمة عمرة أكثر من مائة سنة.
-  وهل تريدين يا سعاد أن نتركه لك ليرثه من بعدك أولادك من آل القواسمي. يا سعاد هذا ملك آل جمعة وليس القواسمي.

اجتمعت العائلة مساء اليوم قبل الاجتماع مع محمد جمعة الذي كان يستريح بالفندق بعد أن تعب من المشي في شوارع القدس. كان مسرورا من الناس والشوارع. وأكثر ما شد انتباهه منظر القدس من جبل الطور. من هناك شاهد القدس كلها كما سعد بزيارة كنيسة القيامة وكنيسة الجثمانية قرب باب الأسباط.

كانت علياء قد أعلنتها صراحة أنها لا تريد شيئا من بيت أخيها وأنها تعد البيت من حق الولد سواء كان مسيحيا او مسلما، وقالت لهم.
-  عندما توفي أبوه (أخونا) فقد كان في بطن أمه لا مسيحيا ولا مسلما فحقت له أموال أبيه. أما وأنه كبر ولم يصبح على دين أبيه فهذه مسأله طبيعية فقد ربته أمه ولا يفقده حقه لأن حقه كان يجب أن يصله قبل 30 عاما. احتدت سعاد وقالت:
-  لا يا علياء، إنك تريدين تغيير شرع الله. هذه أموال أخينا لا يحق لابنه المسيحي أن يرثها.

ماجد كان له رأيه الشبيه بعلياء فقد رفض أن ينال شيئا من بيت أخيه، وقال لهم: أنا لن أشارك في أكل مال اليتيم. واقترح أن يبلغوه بالموضوع وأن تحاول سعاد شراء البيت منه.
اعترض ماهر وقال:
-  لا أوافق أن نتنازل له عن البيت، ما رأيكم أن نجعله وقفا لآل جمعة.
ردت سعاد.
-  فكرة طيبة، أرجو ألا يكون ذلك معناه أن أترك البيت.
هزت علياء رأسها غير موافقة:
-  لا تزعلوا مني سأخبره بحقه.
قال لها ماهر! وكيف ستخبرينه وأنت لا تتحدثين الإنجليزية؟
-  سيترجم لي ماجد.
-  استمر النقاش ولم يتوصلوا إلى حل حتى جاءهم محمد جمعة مع ابن ماجد عصام الذي كلفه أبوه باحضاره.

بعد العشاء، قالت له علياء، وترجم لها ماجد.
- يا محمد يا بني، نريد إعلامك أن أباك كان له شقة قديمة في البلدة القديمة من القدس، تسكن فيها الآن عمتك سعاد، كان أبوك رحمه الله قد طلب منا الاعتناء بها لحين عودته. أما وأنه مات ليرحمه الله فهي من نصيبك، هذا حقك فإن أحببت أن تتركها لك للمستقبل ها عمتك سعاد تعتني لك بها، وإن أحببت أن تبيعها فعمتك أولى الناس لأنها تسكنها مع زوجها وأولادها منذ سفر أبيك.

نظر محمد إليهم واحدا واحدا ليرى تعابير وجوههم، وصمت لحظة ثم قال:
-  ليرحمه الرب. أحب أن أرى البيت الذي من رائحة أبي لأصوره وأتصور به. لكن....
نظر إلى عمته سعاد موجها كلامه لها، فكان قلبها يدق لما سيقوله:
-  لن أبيع البيت لعمتي سعاد
فاحمر وجهها. ثم تابع كلامه.
-  ولن أبيعه لأحد. ولكن...
وجم الجميع
-  ساتركه لها ولأولادها فهي أحق الناس به.
استغربوا كلهم قرار ابن أخيهم.
فرحت سعاد وانفرجت أساريرها.
هجمت على ابن أخيها تطبع عليه القبلات.
-  شكرا يا محمد شكرا.
ثم قالت له بالاسبانية ما تعلمته منذ يومين:
-  جراتياسْيَسْ
سألته:
-  هل أنت جاد في كلامك؟ ولست خجلا؟
-  عمتي، لم أحضر لأقاسمك أموال أبي. جئت لأتعرف على أهلي وأقاربي. الناس الذين أحمل اسمهم.
اغتاظ ماهر، فالبيت أصبح لسعاد وحدها. قال له:
-  أرجو أن تفكر قبل اتخاذ قرارك النهائي.
نظرت إليه سعاد بحنق.
-  يا ماهر هل تريده أن يغير رأيه؟ لقد كان أكرم منك.
-  صحيح وقلبه أكثر بياضا من قلبك.
قالت علياء:
- إذن يا عمتي حتى لا تحصل مشاكل في الإرث مستقبلا يفضل أن تتنازل لها رسميا عن البيت حسب أوراق شرعية وقانونية.
-  أنا جاهز متى شئتم.
-  والآن ماذا عن دينك يا بني؟ أما زلت مصرا أن تظل مسيحيا وتغضب ربك؟
-  يا عمتي أنا لا أغضب الرب، بل أسعده لأنني اخترت طريقه، وهو الذي جاء بي إلى هنا وشجعني على أن أبحث عنكم وأحبكم وأتنازل لعمتي عن البيت.
قالت لها سعاد:
- يا علياء الدين لله، اتركيه وراحته.

كان النقاش حول الدين قد امتد لساعات، ولم يستطع أحد أن يغير رأي محمد جمعة.
قال ماهر مختتما الحديث بالموضوع.
- تصوروا كيف سيكون الوضع بعد مائة سنة من الآن في بورتوريكو. من سيصدق أن عائلة جمعة المسيحية من أصول فلسطينية مسلمة؟!

في مطار تل أبيب كانت سعاد وزوجها وأولادها في وداع محمد جمعة، قبلته، وعانقته طويلة ثم بكت قائلة:
- أنا أستعيد الآن صورة أخي محمد جمعة عندما ودعناه قبل ثلاثين سنة.


تعقيبك على الموضوع
مشاركة منتدى:
محمد الكاثوليكي
الاثنين ٢٨ حزيران (يونيو) ٢٠١٠
بقلم عمار باطويل

مرة أخرى أعانق كلماتك ومواضيعك وأنا بعيد عن أرض أمريكا أرض العم سام وكل مرة نرى جمال الكلمة والتعبير في هذا الموقع الرائع فنحن نتابع فأكتب فلك جمهورك , وموضوع رائع كعادتك




الرد على هذه المشاركة

في هذا القسم أيضاً