الصفحة الأساسيةقصص وسرد
الرصاصة الأخيرة
الجمعة ٢٩ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٠
بقلم عادل سالم

فوجئ نبيل بعد عودته في الليل، أن النقود التي خبأها في جرار مكتبه قد فقدت. اعتقد في البداية أن زوجته قد اضطرت لصرفها فسألها:

  • حبيبتي، هل اخذت النقود التي تركتها في جرار المكتب؟
  • لا يا حبيبي، أنا لا أعبث في أغراضك.
  • غريب، إذن أين ذهبت النقود؟
  • لعلك وضعتها في مكان آخر. أو ربما لم تضعها هنا أصلا.
  • هز رأسه، حاول التذكر إن كان قد تركها في مكان آخر فلم يتذكر سوى أنه تركها في الجرار قبل مغادرته البيت.

بحث في كل مكان يحتمل أن يكون قد خبأ الفلوس فيه فيم يعثر على شيء، أهمل الموضوع لعله فعلا صرفها دون أن يدري.

بعد أسبوع تكرر معه الأمر للمرة الثانية، فقال لزوجته:
- لا بد أن لصا يسرقنا دون أن نشعر، فلا يعقل أن أنسى الفلوس للمرة الثانية. لقد تركتها مساء اليوم قبل خروجي للقاء أحد الأصدقاء، هل تركتِ البيت في غيابي.
- أبدا أنا في البيت لم أخرج منه منذ الصباح.
- أمتأكدة؟
- ألا تصدقني؟
- بلى، ولكن ليطمئن قلبي.

صمت برهة ثم قال:

- هل يمكن أن يدخل من الشباك أحد؟
- لا أعتقد فالشبابيك لديها حماية حديدية.

ذهب إلى الشبابيك تفقد الحديد على كل شباك، فوجده ثابتا قويا يصعب اختراقه.
- (يا إلهي، كيف فقدت الفلوس إذن؟)

بعد لحظة صمت سألها:
- هل كان الباب مغلقا بالمزلاج الداخلي؟
صمتت ثم أجابت
- نعم بدليل أنك عندما عدت لم تستطع فتح الباب بمفتاحك ففتحته لك من الداخل.

سكت نبيل، وقرر متابعة الموضوع مرة أخرى.

(لن أقبل أن أسرق للمرة الثانية، ترى هل فعلتها زوجتي سعاد لتشتري ملابس لها دون أن تخبرني؟!
أشك في ذلك، فإن فعلتها مرة، لن تجرؤ على فعلها للمرة الثانية، ثم لماذا تسرقني وأنا لا أمنع عنها شيئا؟ أعطيها الفلوس بلا حساب، بقي احتمال واحد أخشى أن يكون هو...لالا...لا أعتقد.)

قرر نبيل أن يراقب البيت في المرة القادمة حتى يكتشف الحقيقة. وقبل أن يترك البيت في المساء عائدا إلى محلة التجاري لأمر هام، ترك بعض النقود في داخل غرفته وهذه المرة خبأها في مكان غير الجرار الذي تعود ترك الفلوس فيه وغادر البيت بعد أن أخبر زوجته أنه سيتأخر في الليل.
لكنه عاد بعد ساعة بشكل مفاجيء ليجد أن الفلوس قد اختفت.

  • هل خرجت من البيت يا سعاد؟
  • لا يا حبيبي، هل ستقول لي الفوس مرة أخرى؟
  • نعم الفلوس، هناك من يسرقها من البيت.
  • وهل تركتها في الجرار أيضا؟
  • لا هذه المرة كانت في مكان آخر.
  • أين؟
  • لا أعرف.
  • أرأيت، أنت تنسى.

كان رأس نبيل يكاد ينفجر، يريد معرفة ما يدور حولة، من غير المعقول أن يكون أكثر تجار السوق نجاحا وشهرة ويعجز عن معرفة سر اختفاء الفلوس. سرح تفكيره في البعيد، وصار يتمتم متوعدا من يقف خلف سرقته.

لعل أفضل حل أن لا أترك نقودا هنا. هذا مريح لي تماما لكن من يسرق المال اليوم سيسرق أشياء أخرى غدا. ثمة سر يجب اكتشافه.

عاد نبيل إلى شكوكه بزوجته، هل يمكن أن تفعلها لتعطي الفلوس لأهلها الفقراء. لكني أساعدهم بين الحين والآخر. إذن لم يبق سوى الاحتمال الأخير، نعم هو، سأجد حلا له.

خرج نبيل من البيت في اليوم التالي متوجها إلى العمل، وهو يفكر بأمر الفلوس وعازم على وضع حد للسارق. بعد الظهر، ترك المحل للموظفين وتوجه إلى أحد المشعوذين الذين يدعون أنهم على صلة بالجن.
شرح له قصته وطلب مساعدته.

قال له المشغوذ:
- حسب أقوالك، هناك لص يدخل بيتك من الجان وعلينا طرده.

وبدأ يشرح له كيف يطرده، وقدم له المشعوذ بعض أنواع البخور وحجابا طلب من نبيل وضعه مع الفلوس التي يتركها في البيت.
فعل نبيل ما أمر به المشعوذ، وترك البيت، لكنه هذه المرة اختبأ في سيارة أجرة استأجرها خصيصا وأوقفها قريبا من العمارة التي يسكن فيها.

بعد ساعة لاحظ رجلا غريبا يدخل العمارة فلحق به ليرى إن كان سيدخل شقته. وما إن وصل العمارة، كان الرجل الغريب قد صعد الدرج وعاد أدراجه.
نظر نبيل إليه وسأله:
- هل يمكن مساعدتك.
- شكرا لك، لقد أنجزت مهمتي.

صعد نبيل بسرعة إلى البيت، فتح الباب بمفاحة فلم يفتح نقر الجرس بأصابعه، ففتحت له زوجته، دفع الباب دخل مسرعا إلى مكان الفلوس لم يجد شيئا لكنه وجد الحجاب.
- هل كان أحد عندك الآن؟
- نبيل ألا تكف هلوساتك؟
- سعاد يجب أن تساعديني في إيجاد الفلوس وإلا جننت.
- حبيبي أنت فعلا بحاجة إلى طبيب نفسي. لعلك تعيش في أوهام.

ها هو يعود إلى شكوكه مرة أخرى، لا بد أنها تتعرض لعملية ابتزاز من الرجل الغريب. ربما كانت على علاقة سابقة معه، ويهددها بفضحها.

حاول أن يستوضح من زوجته إن كانت تتعرض إلى تهديد من أحد فأعادت عليه اقتراحها.

  • نبيل أنت بحاجة إلى طبيب نفسي.

وافق نبيل على زيارة طبيب نفسي وشرح له قصته، فقال له الطبيب بعد عدة جلسات. أنت سليم ولا يوجد بعقلك أي شيء. الفلوس يسرقها أحد سكان البيت.

خرج نبيل من عيادة الطبيب وقد قرر حسم الموضوع خلال أسبوع. فقد ترك هذه المرة الفلوس مع زوجته لتخبئها في المكان الذي تراه مناسبا وبعد عودته سألها:
- هل الفلوس موجودة؟
- طبعا

- احضريها إذن.

ذهبت لتحضرها من المطبخ فقد كانت قد خبأتها هناك لكنها بعد دقائق صاحت:
- نبيل نبيل.

لحق بها نبيل، وسألها:
- ما الأمر
- سرقت الفلوس.
- هل تركت البيت يا سعاد؟
- لا لم أتركه.
- سعاد أنا لم أعد أصدق ما يحصل.

ذهب إلى الشباك، نظر خارج البيت إلى أسفل العمارة فقد كان يقطن في الطابق الثاني فلمح الرجل الغريب خارجا منها.

زاد غضبه، لم يعد يثق بزوجته، وقرر بلحظة غضب أن أفضل حل طلاق زوجته خصوصا وأنها لم تنجب له أولادا بعد.

كان يخاطب نفسه:

لقد تعبت معها، لم أعد أستوعب اختفاء الفلوس يبدو أن الشيطان يسكنها، فليتخلص منها الآن قبل أن يغير رأيه.
- سعاد أنت طالق.
- تطلقني من أجل الفلوس، سأترك لك البيت الآن.

غادرت البيت تحمل حقيبتها وتركت أهلها يتابعون إجراءات الطلاق مع نبيل الذي اضطر لدفع مؤخر الصداق كاملا، 240 ألف جنيه.

كان شرطها للزواج مؤخر طلاق عال لتقنع أهلها به.

بعد طلاق سعاد كان نبيل متعبا، فقرر أخذ إجازة قصيرة في شرم الشيخ، وهناك كان منظر البحر، وصفاء المياه تبعث الراحة في نفسه، استراح من العمل وهم الزبائن، لم يعد يقلقه سرقة الفلوس فلم تعد تسرق كما كانت من قبل، في المساء كان مسرورا وهو يجلس في أحد المقاهي المزدحمة، يدخن الشيشة والناس أمامه في الشارع من بلدان كثيرة كأنهم في أيام الحجيج.

فجأة لمح سعاد تسير متأبطة ذراع رجل، دقق النظر جيدا فاذا به نفس الرجل الغريب الذي كان يدخل العمارة التي يسكن فيها، احمر وجهه غضبا. زادت سرعته في تدخين الشيشه، بدأ رأسه يذهب يسارا ويمينا لم يصدق عينيه... أيكون غبيا إلى هذا الحد.

صار يتذكر كلامها:

  • حبيبي أنت بحاجة إلى طبيب نفسي!!
  • اللعينة، تريد أن تجعل مني مجنونا لكي أطلقها فتحصل على مؤخر الطلاق.
    كم كنت غبيا؟ كان أصدقائي يسألون لماذا مؤخر الصداق كبيرا؟ فأقول لهم: لا تقلقوا لن أطلقها فأنا أحبها.

ترك نبيل الشيشة وعاد إلى القاهرة وهو يفكر برد يعيد له كرامته.
عادت سعاد من شهر العسل مع زوجها الجديد، حبيبها القديم الذي كانت تحلم بالزواج منه، لكن ظروفه المالية لم تكن تسمح بذلك، فلجأت إلى التآمر على زوجها الأول التاجر الغني لتحصل منه على فلوس تساعدها في شراء شقة عشها الثاني.
بعد عدة شهور بينما كان زوجها في العمل، رن جرس الباب قبل الظهر بقليل، نظرت من عدسة الباب فرأت رجلا بهيئة ساعي البريد يحمل ورقة ورسائل في يده.
فتحت الباب فبادرها:
- هل أنت سعاد...؟
- نعم
- يوجد لديك رسالة مسجلة، أرجو توقيعك هنا.

قدم لها الورقة لتوقع عليها ثم قال لها:
- آسف لقد ضاع القلم مني، ألديك قلم في البيت
- عن إذنك.

دخلت لتبحث عن قلم فلحقها وأغلق الباب وراءه.
سألته بغضب:
- لماذا لحقتني إلى داخل البيت؟

رمى حقيبة الرسائل بعد أن أخرج مسدسه وقال لها آمرا:
- لا ترفعي صوتك وإلا فرغت المسدس برأسك.
- أرجوك لا تفعلها. حرام خذ كل الفلوس.

أخرج حبلا من شنطته، ربطها فيه، ثم لف فمها بلاصق (لصيق) قوي لكي لا تصرخ.
بعد ذلك، طلب منها الجلوس على الكرسي.
بحركة سريعة أخرج العدستين اللاصقتين عن عينيه.
رفع باروكة الشعر عن رأسه، ثم قال لها بعد أن أعاد الحديث بصوته الطبيعي.
- هل تعرفين من أنا؟

حركت رأسها ثم تمتمت لكن لم يفهم شيئا لأن صوتها لا يخرج من فمها.
قال لها:
- لن أقتلك لأنك سرقت الفلوس لكن لأنك تآمرت علي أنت والقواد زوجك الجديد. منذ عرفتك كنت تتآمرين علي توهميني بحبك وبعد ذلك خدعتني، استغفلتني.

انتظر نبيل حتى عاد زوجها، فما أن دخل البيت حتى ألحقه بزوجته سعاد.
وقف أمامهما ساخرا منهما، وجه إليهما مسدسه الكاتم للصوت وأطلق الرصاص عليهما. بقيت في المسدس رصاصة واحدة، قرر الاحتفاظ بها.

كان يشعر بقتلها بلذة الانتقام.

لقد خدعاني ما فيه الكفاية. كنت أصدق أنها تحبني، اشتريت لها كل ما تمنت. وكلما كنت أسألها متى ستحبلين تقول لي: عندما يشاء الله.

آهٍ كم كنت غبيا، تركت وغدا كزوجها الجديد يخدعني ويتآمر علي معها.
كيف كنت أذهب إلى المشعوذ، وإلى الطبيب النفسي لأستعين بهما؟
حقا كنت غبيا، ولأنني غبي أستحق الرصاصة الأخيرة.
وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق الرصاصة الأخيرة.

تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً