الصفحة الأساسيةقصص وسرد
من أجل ندى
الأحد ١٢ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٠
بقلم عادل سالم

كان يلاحقها بنظراته، وابتساماته كلما التقت عيناه بعينيها، فقد أعجبته من بين كل الطالبات العربيات في مدرسة حيفا الثانوية، كان أبوه يحذره من الفتيات العربيات، ويقول له:
- لا تقترب منهن فنحن لسنا عربا. لم يكن يستمع لنصائح أبيه، فهو لا يشعر بالانتماء لليهود، بل يعد نفسه غريبا عنهم، كما يعدونه من غير جنسهمِ، دائما يتهامسون عليه، ويطلقون عليه النكات لذلك كان منعزلا عن كل الطلاب، نادرا ما يتحدث مع أحد حتى رآها فتغيرت مشاعره، في البداية خاف من الاقتراب منها، لكنه بعد فترة تجرأ واقترب منها عندما رآها تسير وحيدة في ساحة المدرسة، وقال لها:
- أنا سامي هل يمكن التعرف عليك؟

كانت تلاحظ نظراته إليها فتتظاهر باللا مبالاة، مع أنها كانت راغبة في أن يلاحقعها بعينيه، أعجبها منظره، فقد كان وسيما. كان في الصف الأخير من المدرسة فيما كانت هي في الصف الحادي عشر، قالت له:
- أنا ندى.
شعر بارتياح أنها ردت عليه، فبعضهن يرفضن حتى الرد، شجعه ذلك للحديث معها، قال لها بعد أن مد يده ليصافحها:
- فرصة سعيدة أنني تعرفت عليك...
قاطعته بعد أن رأت أن لهجته غير حيفاوية.
- هل أنت من حيفا؟
- أنا انتقلت حديثا من الناصرة مع والدي الذي انتقل من عمله إلى حيفا، فانتقلنا جميعا، جميلة حيفا. لم أعرف أن فيها نساء بجمالك.
أعجبها إطراءه، قالت له:
- شكرا سامي.
نظرت إلى ساعتها، ثم قالت له:
- اقترب موعد الدرس.
فقال لها:
- هل أستطيع رؤيتك بعد الدوام في المدرسة.
- لا أدري.
- لا تكسفيني.
- حسنا سأراك بعد المدرسة.

كان ينتظرها عند الباب، لم يصدق نفسه، فقد وجد فيها فتاة أحلامه، سار معها في الطريق، وتسامرا، كثرت لقاءاته معها مما أثار حنق زملائها الطلاب فطلبوا منها قطع علاقتها به. اقترب منها أحد الطلاب يدعى مهند وقال لها:
- ندى هل تعرفين من هذا الطالب؟
- ماذا تقصد؟
- هذا لبناني وليس فلسطيني.
- ولكنه قال لي إنه من الناصرة.
- كذب عليك، ربما كان يسكن هناك، هذا من الجواسيس اللبنانيين الذين هربوا مع الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان.
- معقول؟
- هل تريدين أن أقول ذلك أمامه؟

تغير وجه ندى، لم تعرف ماذا تقول، تركت مهند وغادرت المدرسة دون أن تنتظر سامي.

فوجئ بغيابها فاتصل بها لكنها لم ترد على اتصاله.
ازداد قلقه، اتصل بها عشرات المرات وفي النهاية، وجد الخط خارج الخدمة.

انتظر حتى اليوم التالي، وتوجه في الصباح إلى المدرسة مبكرا وظل ينتظرها عند الباب، وعندما رآها قادمة أسرع باتجاهها عابس الوجه، سألها:
- ندى لماذا لا تردين على اتصالي؟
نظرت إليه ثم قالت:
- لماذا كذبت علي حقيقتك؟
تغير وجهه، سألها:
- ماذا تقصدين؟
- أنت من جماعة لحد الهاربين من الجنوب؟
- ندى أنا لم أهرب من الجنوب.
- وكيف جئت إلى هنا إذن؟
- كنت طفلا في العاشرة عندما جئت مع أمي وأبي، لا أعرف لماذا تركنا ضيعتنا هناك، قالا لي «سنعود، وبعد ذلك قال»ا لي: «هذا هو وطننا النهائي».
- لماذا لم تقل أنك لبناني؟
- وهل هناك فرق؟ هناك فلسطينيون في لبنان.
- لقد شردوا من وطنهم، ولكنكم جئتم تخدمون إسرائيل.
- ندى لا تحمليني إثم والدي.
- ولكنك ابنهم، تعيش معهم أليس كذلك؟
- ندى، هل سنتكلم هنا ونحن واقفان؟
- سامي لم يعد بيننا كلام.
تركته وانصرفت باتجاه بعض الزملاء الذين شاهدوها تتحدث معه.
ناداها.
- ندى، دعيني أشرح موقفي، أرجوك.
لم ترد عليه.

شعر بإهانة وإحباط، تركها وذهب إلى الصف.
شعر أن لطمة كبيرة وقعت على وجهه. كان خلال الدرس شارد الذهن، لم يفهم كلمة واحدة من كلام المدرسين.

عاد بعد الظهر إلى بيته غاضبا، وعندما وصل قال لأمه بعد أن استراح قليلا:
- أمي لماذا تركتما لبنان؟
نظرت إليه فرأت علامات الغضب بادية على وجهه، سألته:
- هل اشتقت إلى لبنان؟
- أريد أن أعرف الحقيقة.
- أية حقيقة؟
- هل نحن جواسيس؟
- جواسيس؟ لا طبعا، نحن لسنا جواسيس، نحن وطنيون، كان أبوك يقاتل من أجل حرية لبنان.
- لماذا إذن هربنا من لبنان.
- هربنا من جماعة إيران وسوريا والمخربين....
فقاطعها:
- أمي لا تضحكي علي، إيران وسوريا ومخربون! لماذا لم يهرب كل اللبنانيين إذن؟ أليست إسرائيل عدوة للبنان؟
- هل الفلسطينيون خربوا رأسك بالكلام الفارغ؟
- الفلسطينيون؟!! ألسنا في بلادهم؟
- لا هذه بلد الإسرائيليين.
- أمي دخلك أنا زهقت من هذا الكلام.
- عندما يأتي أبوك سيشرح لك كل شيء نحن الآن إسرائيليون، مثل الفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل بعضهم يعمل في الحكومة....
- قصدك جواسيس للحكومة.
صمت لحظة ثم تابع:
- مثلنا نحن؟!
- لن أرد عليك، يبدو أنك متوتر الأعصاب الآن.

تركته وذهبت إلى غرفتها.

جلس سامي وحيدا، يقلب الأمور في رأسه، هل يستسلم لما جرى أم يحاول أن يشرح لندى الوضع لعلها تستمع إليه.

بعد لحظات كان أمام الحاسوب يكتب لها بالعبرية فلغته العربية بالطباعة غير قوية شرح لها موقفه، حلف لها الأيمان أنه يحبها، وأنه غير مسؤول عما فعله أبوه، لكنها لم ترد عليه. وعندما عاد أبوه فتح معه الموضوع وكان جافا معه، قال له:
- أنت ما زلت صغيرا على فهم ما يجري في لبنان انتبه لدروسك، ولا تهتم بما يقوله لك الفلسطينيون الكلاب، الحمد لله أن إسرائيل تدعس عليهم وتريحنا من شرهم.
- والدي....
- اسمع سامي، ليس عندي كلام آخر أقوله لك.

في اليوم التالي حاول الحديث معها، قال لها عندما رآها:
- ندى هل تسمحين لي بكلمة؟
- تفضل.
- ندى، ما ذنبي في كل ما جرى؟ لماذا تدفعيني لكي أكون مثل والدي. أنا أريد أن أكون منكم، معكم. أنا أحبك.
أقسم أنني غير راض عما يفعله والدي....
قاطعته:
- ما دمت غير راض عما يفعله والدك، فعليك تغيير نظرة الناس إليك.
- كيف؟
هزت رأسها:
- لا أعرف.... هل فكرت بالعودة إلى لبنان؟
- كيف؟ قد يقتلونني..
- من سيقتلك؟
- حزب الله.
- ليس إن أكدت لهم أنك بريء مما فعله والدك.
- وهل تتزوجيني لو عدت؟
لم ترد، هز رأسه وقال:
- أعرف أن الابناء دائما يدفعون ضريبة جرائم الآباء.
تركها وغادر المدرسة ولم يعد لها.

بعد عدة أيام جاء في الأخبار أن مواطنا لبنانيا تسلل من الحدود، فأطلقت عليه النار دورية حدود إسرائيلية فسقط قتيلا.

الحكومة اللبنانية تأسف للحادث وتعلن أن القتيل شاب لبناني اسمه سامي عبد الله كان عائدا على ما يبدو من فلسطين المحتلة إلى وطنه لبنان.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً