الصفحة الأساسيةقصص وسرد
قصة من الخيال العلمي
ثورة الفضاء
الأحد ١٩ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٠
بقلم عادل سالم

حزيران ٢١٤٩

كان حسن عبد السلام يجلس في بيته مع زوجته يشاهد التلفزيون عندما قرر التنقل من قناة إلى أخرى باحثا عن برنامج يعجبه، فجأة توقف أمام إحدى القنوات التي كانت تعرض حوارا تلفزيونيا مع أحد علماء الفضاء الجدد الذي أذهل العالم باختراع جديد أحدث ثورة علمية تشبه ثورة الحاسوب في نهاية القرن العشرين.

كان العالم أحمد النبيل يشرح كيف يعمل اختراعه الجديد الذي نجح مع زملاء له في المهنة في استعادة الأصوات من الماضي.
وكان المذيع يثير العالِم بأسئلته ويطالب الجمهور الاتصال للاستفسار من العالم أحمد فيما يخص الاختراع الجديد.

- المذيع: سيدي أحمد أنت تدعي أنك تستطيع استعادة الأصوات التي مر زمن عليها، هل هذا سحر؟
كيف يمكنك استعادة حديث مر عليه مائة سنة مثلا؟ وكيف تثبت أنه حديث فلان مع فلان؟

ابتسم العالم الذي بدى عليه الكبر، كان يلبس نظارة طبية، أصلع إلا من شعرات بيضاء حول رأسه من الجانبين والخلف، قال للمذيع:
- المسألة بسيطة ولا تحتاج إلى تعقيد، لقد أثبتنا بالتجارب الملموسة، أن الأصوات التي نتكلمها وتخرج من أفواهنا أو أصوات الحيوانات أو أية أصوات كالموسيقى….إلخ عبارة عن موجات كهرومغناطيسية تتحرك بالجو في شكل دائري بيضاوي، وتظل تبتعد حتى تصل إلى مقرها النهائي في الغلاف الجوي الذي يحيط بالأرض وتمنع الجاذبية من ابتعاده عن تأثيرها، بمعنى أنه يظل مرتبطا بالكوكب الذي نعيش عليه.
- كأنك تقول أن الغلاف الجوي الأرضي يعمل مثل شريط تسجيل لكل ما في الأرض؟
- تماما لكنه شريط إلكتروني غير ملموس باليد، دعني أشبهه بالهواء، أو الماء يمكنك نقله من مكان إلى آخر.
- جميل جدا، جميل جدا. كيف استطعتم استعادة تلك الأصوات؟
- لقد اخترعنا جهازا يشبه الحاسوب، قمنا بإجراء تجارب عديدة لإثبات قدرته على التقاط تلك الموجات وبعد تجارب كثيرة توصلنا إلى طريقة يمكننا خلالها استعادة الأصوات من الماضي.
- هل باستطاعتنا الاستماع إلى أصوات أجدادنا قبل ألف سنة؟
- نعم، ولكن....
- وضح ولكن هذه؟
- الأصوات القديمة لا نستطيع تحديد هويتها أو أسماء أصحابها، هذه مهمة المؤرخين وليس العلماء نحن نستطيع استعادة الصوت، تحديد مكانه على الخارطة، وزمنه حسب التقويم الشمسي.
- هل يمكن اذن سماع أصوات الصحابة؟
- بكل تأكيد وربما من خلال الحوار نكتشف أسماءهم.
- إنه اكتشاف رائع سيعيد كتابة التاريخ، لكن هل هناك نسبة ولو واحد بالمائة بالخطأ.
- حتى الآن لا ولا نعتقد ذلك.

نظر حسن إلى زوجته وقال لها:
- ما هذه الخرافات التي يقولها هذا الرجل؟ يبدو أنه مجنون

فقالت له زوجته:
- لماذا مجنون؟ ألم تسمع عن اختراعه العظيم؟
- إن هذا تدخل في شؤون الخالق.
- إن كان الله لا يريدهم اكتشاف ذلك سيعطل اختراعهم بالتأكيد، ولكنهم نجحوا.
هز رأسه ثم انتقل إلى محطة أخرى قائلا:
- لا أصدق كلامه، يبدو أنه خرفان.
نظرت إليه مبتسمة وقالت:
- حسن؟
- ماذا تريدين.. قولي؟
- هل تعتقد أن باستطاعة هؤلاء العلماء استعادة أصواتنا بالليل؟
- ماذا تقصدين؟
- ألم تفهم بعد؟
ضحك ثم قال لها: تعتقدين أنه يمكن استعادة أصواتنا في غرفة النوم أثناء....
لم يخطر على بالي، لكن لا أعتقد أنه سيضيع وقته بذلك.
- لماذا، الناس يحبون التجسس على كل ما هو ممنوع وسري.
- ألم أقل لك إنه تدخل في شؤون الخالق؟ هذا عالم كافر يجب قتله وإراحة الناس من اكتشافه الجديد.
هزت رأسها وقالت:
- ليتني أملك هذا الجهاز يوما واحدا.
- وماذا ستفعلين يا ترى؟
- أريد الاستماع إلى حديث جارتنا التي لا ينقطع عنها الزوار الرجال ليل نهار.
- آخ من أفكارك:
صمتت وقالت لنفسها:
- وكي أستعيد صوتك قبل يومين عندما عدت لي قبل الفجر بقليل.

كان الاختراع العلمي الجديد مثار جدل في الشارع والعالم، فكل إنسان يناقشه من منظاره، ماذا يستفيد منه، وماذا يتضرر، رجال القانون، القضاة، المحققون، المؤرخون، العلماء، العشاق، الأزواج كلهم يناقشون الاختراع الجديد. الصحافة تكتب عنه كل يوم.

قال المحقق سليم، للمدعي العام رأفت:
- إنه اختراع مذهل سيساعدنا في كشف الكثير من الجرائم.
- كيف؟
- باستعادة أصوات المجرمين سنكشف عن خططهم ومؤامراتهم.
- كيف سنثبت للمحكمة أن الصوت هو صوت المتهم فلان؟
- بمقارنه الأصوات بتحديد المكان، والزمان، مثل (الدي إن إي).
- لكن الدي إن إي، يستند إلى أشياء ملموسة بعد العثور عليها في مكان الجريمة وليس في مكان آخر.
- لا بد أن للعلماء إثباتات علمية تؤكد علاقة الصوت بالشخص.
- لا تنس أن البرلمان عندنا لم يقر الاختراع الجديد كمستند قانوني. المسألة تحتاج لقرار مجلس الشعب، السلطة التشريعية.
- لماذا إذن لا نثيرها في أروقة المجلس.
- إنهم حسب علمي يتجادلون حولها، لكنهم خائفون.
- مم؟
- من استغلال الاختراع الجديد في التجسس على أسرار البيوت الخاصة.
- لكنا لا نتحدث عن اختراق أسرار الناس.
- أنت صادق لكن إذا انتشر الاختراع الجديد بالعالم من يضمن أنه لن يساء استخدامه؟
- وهل يفكرون في منعه؟
- لا أدري لكن بعضهم يقترح عدم السماح بانتشاره ولا حتى في قضايا الجرائم؟ إذا منعوه سيمنعوه عن الجميع.
- هذا قمه التخلف.
- لننتظر لنرى نتائج المشاورات.

كان المحقق سليم يصغي بانتباه إلى العالم أحمد في بيته حول اختراعه الجديد، وامكانية الاستفادة منه لخدمة العدالة، قال له العالم:
- الاختراع الجديد علمي في الدرجة الأولى وعلى الهيئات الرسمية أن ترى كيف يمكن استغلاله لخدمة البشرية، نحن في الحقيقة معنيون أن يساعد الاختراع الجديد إلى الكشف عن سلاسل مفقودة في التاريخ القديم.
قال له المحقق سليم:
- أجزم أنه سيقلب الكثير من النظريات رأسا على عقب إنه ثورة في عالم التكنولوجيا الفضائية. لو حصل حوار بين شخصين، مثلا بيننا الآن، هل يمكن لنا استعادة ذلك الحوار بعد شهر مثلا وتحديد أشخاصه؟
- نستطيع استعادة الحوار كما تم في المكان المحدد والزمان لكن ليس لدينا ما يثبت صاحب هذا الصوت أو ذاك إلا بطريقتين.
- وهما.
- أولا أن نكون عارفين سلفا أن فلانا كان في تلك الفترة هناك، وثانيا مقارنة الأصوات، وأنا لا أتحدث عن المقارنة السمعية ولكن المقارنة التكنولوجية من خلال تشريح الأصوات وتحويلها إلى موجات كهرومغناطيسية، لقد أثبتنا خلال البحث أن كل صوت له موجة مختلفة عن الآخر تماما مثل بصمات الأصابع.
- الله أكبر.... عظيم، أفهم من كلامك أنه لو تشابهت الأصوات أصبح ممكنا تشريحها؟
- تماما فلو حللنا صوتك مثلا وقارناه بصوت استعدناه قبل عشرين سنة سنعرف إن كان هو أم لا.
- إذن الصوت يكفي لتحديد الشخص؟
- إذا كان حيا ويمكن تشخيص صوته، ولكن ماذا لو كان ميتا، ولا تسجيل صوتي لديه، ماذا لو استعدنا صوتا لشخصية عاشت قبل ألف سنة؟
- ماذا ستفعلون؟
- هذه مهمة علماء التاريخ، وليست مهمتنا، ويجب الانتباه أن هذا الاختراع سيكون غالي الثمن، وليس باستطاعة فرد واحد أن يمتلكه.
نظر سليم إلى ساعته وقال للعالم أحمد:
- الساعة السادسة، لدي موعد هام، سنتابع الحوار.

فيما كان مجلس الشعب يشهد حوارات جانبية بين أعضائه حول الاختراع الجديد الذي أذهل الجميع، نقلت الفضائيات خبرا بلبل العالم.

مقتل العالم أحمد خنقا في بيته.

قوات الأمن تحقق في الحادث وتفرض حصارا على بيته وتمنع الصحافة من الاقتراب من مكان الحادث. الرئيس ينتقل بطائرة خاصة إلى مكان الحادث وينعي إلى الشعب والعالم العالم الجليل الذي أحدث اختراعه ثورة علمية ستغير وجه التاريخ البشري.

أشار المذيع في قناة الأخبار أن تعتيما إعلاميا قد خيم على سير التحقيق حول مقتل العالم، وأن الحكومة منعت المواطنين من السفر إلى خارج البلاد لمدة أسبوع، وقد رفض مدير الشرطة التعقيب على الحادث.

قال حسن لزوجته، وهو يستمع للأخبار:
- أرأيت لقد مات هذا الأهبل. إنه عقاب من رب العالمين لأنه تعدى على الذات الإلهيه وتدخل فيما لا يعنيه.
- أسفي عليه.
- كأنه أخوك؟
- إنه عالِم، لن تفهم ماذا يعني العالِم يا زوجي.
- اسم الله عليك، أنا متزوج عالمة تكنولوجيا دون أن أعلم؟! يا سلام، اسمعوا يا ناس.
- على الأقل لا أتمنى الموت للعلماء.
- علماء؟! هذا واحد خرفان. ألا يقولون (خذوا الحكمة من أفواه المجانين) يعني هو مجنون.
- أولا الحديث يقول (خذوا الحكمة ولو من أفواه المجانين) لكنك بلعت الواو فغيرت معناها، يا ويلك يوم الحساب.

١٦شباط ٢٠٥٠

كان حسن يغط في نوم عميق عندما سمع وقع أقدام في بيته، قال لنفسه:
- لا بد أنهم لصوص، هب من نومه بخفة وبدأ يفرك عينيه، لحظات وهجم عليه بعض الرجال كمموا فمه، وقيدوه بعد تهديده بالسلاح، وعندما استيقظت زوجته على صوت العراك طلبوا منها التزام الصمت.
قالت لهم:
- أرجوكم لا تقتلونا، خذوا ما تشاؤون.
فقال لها أحدهم:
- اهدئي نحن لسنا لصوصا، لن يمسك أحد بمكروه، الزمي الصمت.
- من أنتم؟
- نحن من الشرطة الخاصة.
- شرطة؟ خاصة؟ لماذا؟
- ستعرفين فيما بعد عندما تزورين زوجك في السجن
- لماذا ستسجنونه؟
- لأنه قاتل.
- قاتل؟ يا ويلي زوجي لا يقتل.
- المحكمة ستقرر ذلك.

بعد تفتيش البيت كاملا ينتقل أفراد الشرطة مع المتهم حسن بصحبة عشرات السيارات التي تحيط بالمنطقة من كل اتجاه، وتوجهت إلى مقر المخابرات العامة حيث خضع حسن لاستجواب، ثم أودع في غرفة انفرادية في مكان لا يصل إليه أحد ومنعت عنه الزيارة.

بعد أيام كانت المحكمة قد عقدت جلستين الأولى للاستماع للاتهام الموجه إلى حسن عبد السلام بحضور تغطية كثيفة من وسائل الإعلام، فقد أعلنت الحكومة رسميا أنها بعد ستة أشهر من التحقيق ألقت القبض على قاتل العالم الجليل.

كان الناس خارج القاعة يتابعون نتائج المحكمة عبر شاشات كبيرة خارج بناية المحكمة، فيما نقلت بعض الفضائيات الجلسة مباشرة على الهواء.

بعد لحظات أعلن الحاجب عن دخول القضاة الخمسة فوقف كل الحضور، فجأة صعد إلى المنصة المحقق سليم الذي كان قد تم ترقيته ليصبح مدعيا عاما وتم تكليفه بالقضية لاطلاعه على ملابساتها.

بعد اطلاع القاضي على ملف القضية طلب من المدعي العام الحديث.
- سيدي القاضي أمامكم المتهم حسن عبد السلام الذي اتهم قبل أكثر من عشر سنوات بقتل المرحوم عدنان السماك لكن المحكمة في حينه برأته لعدم كفاية الأدلة.
محامي الدفاع يقاطع:
- هذه قضية تم إغلاق ملفها.
القاضي يأمر بمتابعة الحديث.
المدعي العام يكمل:
- بعد عشر سنين تقريبا عندما أعلن العالم المرحوم أحمد عن اختراعه الجديد الذي عدته أوساط دولية بأنه ثورة تاريخيه علمية ستعيد كتابة التاريخ خشي المتهم حسن من انكشاف أمر الجريمة التي ارتكبها قبل عشر سنوات.
المحامي يقاطع:
- هل موكلي متهم بقتل العالم أم المرحوم عدنان السماك؟
المدعي العام يطالب بعدم مقاطعته ليرد على السؤال.
القاضي يرد عليهما:
- ليكمل المدعي العام عرضه.
- في ١٨ تموز ٢١٤٩
في تلك الليلة قام المتهم حسن بتنفيذ جريمته وقتل العالم الجليل خوفا من انكشاف أمر جريمته الأولى بسبب الاختراع الجديد.
فتسلل ليلا بعد منتصف الليل إلى شقة العالم التي تقع في منطقة بعيدة عنه، اسمحوا لي أن أعرض عليكم الوثيقة رقم ثمانية كما هي لتشرح لكم ما حصل ليلة الجريمة.

رئيس القضاة يتشاور مع مستشاريه ثم يأمر بعرض الوثيقة رقم ثمانية.

يتقدم أحد العاملين في المحكمة، يضيء شاشة عرض كبيرة معلقة في سقف المحكمة أمام القضاة، فيما أضيئت شاشة أخرى كبيرة أمام الحضور، ضغط المدعي العام على زر عرض الفلم، ظهر بيت العالم أحمد من الخارج في حي راق، تحيط به العمارات الكبيرة من كل جانب، فجأة يظهر حسن عبد السلام يلبس قفازات بيديه يتقدم نحو الباب الرئيسي للعمارة رقم ٢٣٢. كان بابها مغلقا لا يفتح إلا من أعلى الشقة في الداخل. أخرج من جيبه جهازا إلكترونيا صغيرا وضعه على الباب ففتح الباب.
فجأة أوقف المدعي العالم عرض الفلم لثوان ثم قال:
- أرجو التسجيل، إن هذا الجهاز الإلكتروني قد فقد من إحدى سيارات الشرطة عندما كان الشرطي يتناول طعام الغذاء قبل أسبوع من الحادث، وقد اشتراه المتهم من اللص الذي سرقه وهو جهاز إلكتروني لفتح الأبواب تستخدمه الشرطة عندما يكون هناك أمر بتفتيش أحد الأماكن المغلقة.

وفي تقرير رقم ١٦١ يوضح كيف ومتى اشترى المتهم الجهاز، دعونا نتابع.

يصعد المتهم الدرج إلى الطابق الثالث (لا يستخدم المصعد)، وعندما يصل يفتح الباب بنفس الطريقة، يدخل الشقة دون أن يحدث ضجة، يتقدم ببطئ فيشاهد نورا منبعثها من غرفة مكتب العالم، يفتح الباب بهدوء دون أن ينتهبه العالم الذي كان منكبا على قراءة بعض التقارير على مكتبه، يوجه حسن إليه جهازا إلكترونيا يشبه المسدس يقوم بتخدير الشخص بعد إصابته بشعاع إلكتروني يفقده القدرة على الحركة، بعد ذلك أسرع نحوه، وضع يديه حول عنقه واستمر في خنقه حتى تأكد من وفاته.
بحث في أوراقه عن شيء ما فلم يعثر على شيء فغادر البيت كما دخل.
محامي الدفاع يسأل هيئة المحكمة:
- هل هذا فلم سينمائي؟ من أين للادعاء العام كل هذا التسجيل في الوقت الذي نفت فيه الشرطة وجود أدلة تشير إلى القاتل.

المدعي العام:
- سيدي القاضي، بعد قتل العالم الجليل توجه وفد رسمي من قبل رئيس الجمهورية وطالب العلماء الذين كانوا يعاونون العالم أبحاثه استمرار الأبحاث للوصول لاختراع الجهاز الذي يستعيد الصور والذي كان العالم قد بدأ بتجاربه عليه دون الإعلان عنه. وقد فرض عليهم حراسة مشددة في أماكن سكنهم وفي مقر هئية البحث العلمي التابع لجامعة مستقبل أجيالنا. وفرض تعتيما على عملهم كما قدمت لهم كل ملفات وأوراق العالم الشهيد.

لقد كنا عاجزين عن معرفة القاتل لكن تكللت أبحاثهم بالنجاح، وأول إنجاز لهم كان استعادة صورة أحداث الجريمة. وما شاهدتموه جزء منها. لدى تسجيلات بالصوت والصورة توضح الطريق التي سلكها المتهم بعد ارتكاب الجريمة ولحظة وصوله البيت، وتسلله إلى الفراش بجانب زوجته التي استيقظت لتسأله:
- ألم تنم؟
فرد عليها قائلا:
- كنت أستخدم الحمام.
احمر وجه المتهم وهب واقفا وقال:
- هذا غير صحيح أنا لم أقتل أحدا.
أضاف المدعي العام:
- ولدينا تسجيل حي لارتكابه الجريمة الأولى قبل عشر سنوات.
محامي الدفاع:
- المحكمة برأته من تهمة القتل تلك.
- ولدينا تسجيلات لمغامراته النسائية وخيانته الزوجية، هل تحب هيئة المحكمة عرض أي من الوثائق؟
القاضي يسأل محامي الدفاع:
- هل تريد التشاور مع موكلك فيما سمعت؟
- سيدي القاضي، لم يبق إلا أن يصورونا في غرف نومنا ويسمون ذلك اختراعا. هذا تعد على حرمات المنازل، هذه الوثائق لا تستند إلى مراجع قانونية ولم يصدر قرار بتسجيلها.
المدعي العام:
- إنها اكتشاف علمي سيغير وجه البشرية.
المحامي:
- هل يمكن للمدعي العام أن يقول لنا من صور هذه الأفلام لنستجوبه؟ فقد تكون أفلاما مركبة فالتكنولوجيا الآن قادرة على كل شيء.
القاضي:
- على المدعي العام الرد على المحامي.
- سيدي إنها صور يقول العلماء إنها اكتشاف رسمي علمي مثل اكتشاف الجينات الوراثية
لدي في القاعة بعض العلماء، يمكن لعدالتكم توجيه أسئلتكم لهم.

هز القاضي رأسه، تشاور مع مستشاريه ثم أمر بإحضار العالم الأول إلى منصة الشهود.
- اسمك وسنك، وعملك؟
- محمد الشاهد، بروفسور في معهد الأبحاث، عمري ٧٥ سنة.
- ألم تتقاعد بعد؟
- من يدخل عالم الأبحاث لا يهدأ حتى يصل إلى هدفه وكان هذا حلمنا مع العالم الجليل الذي تم قتله رحمه الله.
- ما هذا الاكتشاف الذي حدثنا عنه المدعي العام؟
- الاكتشافات لا تصدق إلا بالبراهين. وقد برهنا علميا على ذلك واستعدنا صورا وأحداثا حصلت قبل آلاف السنين.
ينظر إليه القضاة بتعجب فيما يعترض محامي الدفاع:
- ما الذي يجعلكم تتأكدون أنها حصلت في ذلك التاريخ؟
- البرهان، عندما يتوافق الصوت مع الأحداث.
محامي الدفاع:
- حسنا هل تستيطع أن تستيعيد لنا صورتي قبل أسبوع؟
- إذا سمحت هيئة المحكمة.
القاضي:
- تفضل.

يحضر عالم آخر صندوقا فيه كرة تشبه الكرة الأرضية من مادة تشبه الزجاج، يوجد في أعلاها سلك قصير يعمل كلاقط إرسال، يتم ربط الكرة بالكهرباء. يحرك العالم قاعدة الكرة، ويبدا بالضغط على الأزرار. يسأل العالم المحامي:
- ما عنوان المكان الذي كنت فيه قبل أسبوع؟
- لماذا يجب أن أخبرك عن العنوان؟ ألم تقل أنكم اخترعتم ثورة القرن الجديد؟
- هناك طريقتان لاستعادة الصور، إما عن عنوان محدد، مكان محدد، أو عبر تشابه الأصوات والصور، ليسمح لنا القاضي أن نلتقط صورة للمحامي.
يحرك القاضي يده موافقا.
يصور العالم الشاهد المحامي ثم يربط الكاميرا بالكرة، بعد لحظات تظهر على الشاشات صورة المحامي ليلا يجلس مع أولاده وزوجته، اقتربت منه زوجته وسألته: ألديك جلسه هذا الأسبوع؟
أنا مشغول بقضية حسن عبد السلام، لا يوجد أية اثباتات ضده، لذلك أتوقع له البراءة.
المحامي يقف باهتا، ثم يقول للقاضي:
- أكتفي بهذا العرض سيدي القاضي. وأرجو تأجيل الجلسة وإخلاء سبيل المتهم، فهذه التسجيلات غير شرعيه لأنها تسجيلات شخصية تمت دون أمر المحكمة. وحسب القوانين الدولية كل تسجيل تم بطريقة غير قانونية لا يقبل كدليل إثبات.
المدعي العام:
- أعترض فهذه تسجيلات لم يقم بها أحد، إنها تسجيلات رسمية أوجدها الله لتعين البشرية على اكتشاف المجرمين.
القاضي يتوجه إلى العالم:
- هل تستطيعون استعادة الصور أينما كانت؟
- بكل تأكيد.
- حتى في غرف الخاصة.
- نعم ولكن... هذا ليس عملنا.
- وضح أكثر.
- مهمتنا علمية، أما إساءة استخدام اختراعنا فهذا مهمة الدول، فهناك عقاقير تستخدم للعلاج، ويمكن للمجرمين استخدامها لقتل ضحاياهم فهل تمنع؟
المحامي يسأل:
- ولكن ما الذي يضمن أن انتشار هذا الاختراع بعد سنوات لن يصل إلى أيدي الشركات التجارية لتبيعه وتحقق الملايين من ورائه، إنكم تفضحون أسرار البيوت باختراعاتكم.
المدعي العام:
- نحن الآن أمام جريمة قتل وليس أمام أخلاقية الاختراع.
محامي الدفاع:
- أعترض سيدي القاضي فهذا كله مترابط معا.
المحامي يسأل العالم:
- هل اختراعكم مسجل رسميا لدى هيئة الأمم؟
- ليس بعد؟
- هل أجازته الدولة قانونيا كدليل لإثبات الجرائم؟
- هذا ليس من اختصاصي.
المدعي العام:
- الدولة لا تعترض على الاختراعات العلمية.
- سؤالي واضح، هل تعده هيئة المحاكم العليا مرجعا قانونيا مثل ال دي إن إي.
القاضي يرد عليه:
- ليس بعد لم يقر.
- إذن أرجو عدم اعتماده حتى يقر من قبل الهيئة التشريعية للدولة.
العالم رأفت النابلسي يرفع يده يطلب الحديث فيسمح له القاضي:
- سيدي لقاضي:
- هل يضمن أحد لو لم نصل إلى هذا الاختراع أن أحدا من دوله اخرى غيرنا لن يصل إليه؟
- لا طبعا لا أحد يضمن شيئا.
- ماذا لو اخترعه علماء أمريكيون وشرعوه وباعوه لدول أخرى، هل نستيطع منعهم؟
- لا.
- ماذا لو صاروا يستعيدون صورنا في بيوتنا، وغرف نومنا، هل نستطيع منعهم؟
محامي الدفاع:
- هذا تضليل للعدالة، إنها إعلان الحرب علينا، إنهم يخترقون خصوصيتنا، علينا حماية أنفسنا من هذا الاختراع.
- كيف؟
المحامي:
- عليكم اختراع جهاز جديد يلغي هذه التسجيلات؟
- إنها الطبيعة أقوى من البشر.

العالم يتوجه إلى هيئة المحكمة والمحامي، والجالسين الذين كانوا يستمعون باندهاش للحوار وقال لهم:

- تصوروا عندما يصبح الناس عراة أمام بعضهم، عراة لا شيء يخفي مشاكلهم، وأفكارهم، وأعمالهم. ألا ترون معي أن الجرائم ستختفي، أو ستتقلص؟ حينها لا أحد يهرب من أحد، لا أحد سيخفي جريمته عن العدالة.
لا أحد سيتخفى بالليل كي لا يراه أحد، لا أحد سيخون زوجته لأنها ستعرف ذلك، لا أحد سيسطو على بنك لأنه مراقب. عندما يصبح الناس عراة أمام بعضهم لن ينظر أحد إلى عورة الآخر.
محامي الدفاع:
- أعترض، هذة دعوة إلى الانحلال، الناس في القاعة يتهامسون، علت أصواتهم، قام أحدهم قائلا:
- هذا اختراع مشبوه!
فرد آخر:
- هذا ضد الدين.
تتكاثر الأصوات، يضرب القاضي المنصة بالشاكوش.
ويقرر:
- قررنا تأجيل الجلسة ثلاثة أشهر وإحالة الاختراع إلى مجلس الشعب التشريعي، لإصدار قرار يسمح باستخدام الاختراع الجديد كدليل إثبات أو تحريمه.

رفعت الجلسة.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً