الصفحة الأساسيةقصص وسرد
ملك الأنتيكة
الأحد ١٦ كانون الثاني (يناير) ٢٠١١
بقلم عادل سالم

(أنا ملك الأنتيكة في فلسطين، من يدعي عكس ذلك فليتحداني).

هكذا كان يعلن دائما للناس منذ افتتاح محله الجديد في باب الخليل في القدس.

الشيخ عدنان ملك الأنتيكة، هكذا عرفه الناس، وبهذا يجب أن يُعَرَّف.

كان رجلا أميا، لم يلتحق بمدرسة قط، رغم ذلك كان يدعي أنه ملك الآثار. يعد نفسه خبيرا بالعملة الأثرية القديمة التي يطلق عليها العامة في فلسطين (أنتيكا)، وهي كلمة معربة عن الإنكليزية كما يبدو من لفظها عن كلمة (أنْتِكْوِتِز).

منذ صغره كان يذهب مع القرويين إلى المناطق الأثرية في الجبال ينقب عن الآثار مع أن ذلك ممنوع. ومع الأيام تعرف على كل أنواع النقود المدفونة في جبال فلسطين من عملة، وحفظ عن ظهر قلب سعر كل قطعة منها، بل أصبح يميز القطع الأصلية من المزيفة.

لم يكن الشيخ عدنان الوحيد في القدس الذي يتاجر بالآثار فقد سبقه عدة تجار أصبحوا من كبار تجار البلد وخبراء في آثارها النقدية،والفخارية، والحجرية، والزجاجية. و(كندو) أشهرهم ربما لأن محله كان من المحلات القديمة والأنيقة ويقع خارج البلدة القديمة بجوار فندق السانت جورج الواقع على بعد أمتار من شارع صلاح الدين.

لم يكن السيد كندو يعترف بالشيخ عدنان كخبير آثار بل كان دائما يسخر منه ويعده من الأشخاص الذين ينتحلون تلك الصفة دون أي سند. فالآثار علم قائم بذاته، لا يمكن أن يلم بها أمي مثل الشيخ عدنان.
هذا التصرف أغاظ الشيخ عدنان ولكنه كتم غيظه بانتظار لحظة الانتقام.

السيد كندو كان من أغنياء البلد في تجارة الآثار، والقطع السياحية، وقد بنى ثروته من القطع الأثرية التي كان يشتريها من القرويين في قرى القدس ومدن الضفة الغربية وقيل إنه اشترى في أحد المرات مجموعة من القطع تقدر بملايين الدولارات، لكنه بذكائه وحنكته استغفل صاحبها ودفع له خمسين ألف مع أنها تساوي أكثر من ذلك، فقبل صاحبها فرحا بالمبلغ دون أن يعرف أنها ثروة العمر كله.

في سبعينات القرن العشرين (١٩٧٥) تعرف الشيخ عدنان على أحد القرويين من قرية (سعير) القريبة من الخليل، فعرض عليه التنقيب معا عن الآثار، قال له:
- يا أبا محمد، عندي لك مهنة ستأكل من ورائها ذهبا لكن عدني أن تظل سرا بيننا؟
فوعده أبو محمد متلهفا لمعرفة سر المهنة الجديدة.
- اسمع أنا أعرف منطقة أثرية في الخليل سنذهب أنا وأنت للتنقيب فيها، وما نحصل عليه نتقاسمه.
هز أبو محمد رأسه موافقا.
فقال الشيخ عدنان:
- على بركة الله. غدا نتحرك سويا بعد الفجر، سنلتقي قرب باب الزاوية في الخليل.

في اليوم التالي كانا ينقبان عن الآثار، لكنهما لم يحصلا على أي شيء، فقال له الشيخ عدنان:
- لا تحزن، وإن شاء الله غدا يكون أحسن.

فعلا في اليوم الثاني وجدا عدة قطع بعضها روماني وأخرى إسرائيلية وبعض القطع القليلة الإسلامية التي تعود إلى العهد الأموي.
قال الشيخ عدنان لأبي محمد بعد عودتهما معا إلى القدس:
-  اسمع يا أبا محمد، أستطيع أن أشتري منك القطع هذه وأدفع لك نصف قيمتها لكني لا أريد أن أظلمك أو أظلم نفسي، لذلك سأرسلك لبيعها لتاجر آثار كبير يدعى السيد كندو على أن لا تبيعها بأقل من عشرة آلاف دولار نصفها لك بعد عودتك بالفلوس من عنده.
فقال له أبو محمد:
- هل ستحضر معي؟
-  كلا طبعا، لو رآني سيعتقد أنني قدمت لأعرف أسعار العملة لذلك سيرفض التعامل معنا، أنت تعرف كيف يتنافس تجار المهنة بالسوق. لذلك لا تذكر اسمي أمامه وإياك أن تقول إنك تعرفني أو عرضت البضاعة علي حينها سيطردك من محله.
-  اتفقنا.
- والأهم أن تقول له أنك لم تعرضها على أحد غيره بعد ولكنك ستعرضها إذا لم يشتريها بالسعر المناسب.
- فهمت.
- إذن على بركة الله، محل السيد كندو يقع بجانب فندق السانت جورج.

وصل أبو محمد محل السيد كندو وعندما دخله كان بعض السياح يستعرضون بعض القطع الأثرية، وأمامهم ابن كندو يشرح لهم تاريخ كل قطعة فيما كندو الأب يجلس في زاوية المحل خلف أحد فاترينات العرض الأرضية. وعندما رآه وقف وأشار له بيده ليتبعه إلى مكتبه حتى لا يزعج حديثه السياح. كان كندو يعرف ما يريده القرويون أمثال أبي محمد، فهم لا يدخلون محله إلا حاملين قطعا آثارية ليبيعونها إليه.

في مكتبه الصغير قال له بهدوء:
- ماذا في جعبتك؟
وضع أبو محمد يده في جيبه وأخرج صرة صغيرة قديمة وبعد أن فكها وضعها أمام السيد كندو قائلا:
- تفضل إنها ١١ قطعة.
جلس كندو خلف المكتب وبدأ يفحص بالقطع واحدة إثر الأخرى بالمجهر الصغير الذي أخرجه من درج مكتبه. وبعد دقائق ارتسمت على وجهه علامات الرضا وإن حاول أن يخفيها بقوله:
- هذه القطع ليست ذات قيمة مالية، فالقطع الإسلامية لا أحد يشتريها بمبالغ كبيرة، وهذه قطعة إسرائيلية غير مرغوبة، وتلك قيمتها ليست أكثر من مائة دينار... على كل حال سأدفع لك بجميع القطع ألف دولار لأشجعك على التنقيب عن غيرها.
نظر إليه أبو محمد متذكرا قول الشيخ عدنان وقال له:
- يفتح الله يا عم، سأعرضها على غيرك.
- لماذا تضيع وقتك لن يدفعوا لك أكثر.
- لقد قيل لي بالخليل إنها تساوي عشرة الآف دولار.

شعر كندو بالراحة عندما سمع المبلغ، فالقطع تساوي أكثر من ذلك بكثير. صمت لحظة ثم قال لأبو محمد:
- اجلس قليلا دعنا نتعرف عليك.
- أنا أبو محمد من سعير قضاء الخليل.
- ولو يا رجل وهل نجهل قرية سعير أنتم أهل الخير والبركة. هل عرضت هذه القطع على أحد قبلي؟
- لا ليس بعد، لكن أحد أقاربي من القرية سبق وباع مثل تلك القطع وقال إنها تساوي أكثر من عشرة آلاف دولار.
نظر كندو إلى القطع مرة أخرى وحتى لا يضيع عليه الفرصة قال لأبو محمد.
-  هذا يتوقف على الشاري ولكنك تعلم أن القطع الأثرية ليست مثل المأكولات فقد أبيع هذه القطع غدا، وقد تباع بعد خمس سنوات.
- على كل حال سأعود لك إن لم يدفع أحد أكثر منك.
-  انتظر ما رأيك بخمسة آلاف.
لا ليس أقل من عشرة.

حك كندو رأسه، وعدل من جلسته ثم قال:
- أمري لله، يبدو أنك ستغلبني هذه المرة، سأستفيد منك في المرة القادمة.
أخرج من درج مكتبة رزمة بقيمة عشرة آلاف دولار وبعد أن عدها قدمها لأبي محمد الذي جلس يعدها ورقة ورقة غير مصدق أنه سيحصل بعد قليل على نصفها.

عاد أبو محمد إلى الشيخ عدنان بالمبلغ حيث تقاسمه معه، وقد وعده الشيخ عدنان أن يزوره لاحقا عندما يقرر التنقيب في منطقة أخرى فيما كان كندو يفرك يديه فرحا لهذه الصفقة التي نزلت عليه من السماء.

بعد ساعتين اتصل الشيخ عدنان بكندو تلفونيا وقال له:
- ألو، السلام عليكم.
- من المتكلم.
- ألا ترد السلام يا كندو؟
- الشيخ عدنان؟ وعليكم السلام، ماذا تريد؟
- ألا تريد أن تهنئني؟
- أهنئك؟ خيرا إن شاءالله؟
- لقد فزت عليك بالسباق.
- سباق؟ أي سباق؟
- سباق الأنتيكة، أنا الآن ملك الأنتيكة.
ضحك كندو ساخرا وقال له:
- أهذا ما تريد أن تبلغني إياه؟
- لم تسألني بماذا فزت عليك؟
- وبماذا فزت يا ترى؟ أنت بالكاد تفك الحرف.
- لقد بعتك أنتيكة مضروبة قبل قليل بعشرة آلاف دولار.
صمت كندو بعد أن تجمد الدم في عروقه.
- أنتيكة مزيفة؟
- التي اشتريتها من أبي محمد.
- من أبو محمد؟
- كفاء كبرياء، أبو محمد السعيري.
احمر وجه كندو واشتعل غضبه فرد عليه:
- وهل هذه بضاعتك إذن
- عليك نور، هذه الأنتيكة من صناعة عمك الشيخ عدنان، حتى تعرف من هو ملك الأنتيكة.
- إذن هي مزيفة؟
- ألم فتحصها؟
- فعلتها يا عدنان؟ سأتصل بالشرطة.
- من فضلك الملك عدنان. ثم ماذا ستفعل لك الشرطة؟ ألديك دليل؟ ثم هل نسيت أن شراء الآثار ممنوع؟
- لكنه ادعى أنه وجدها في جبال الخليل؟
- صحيح لكنك لم تعرف من أخفاها في ذلك الجبل.
- أنت إبليس يعجز عن أعمالك.
- وأنت جاهل رغم خبرتك الطويلة في الأنتيكة. عليك الاعتراف بأنني ..
قطع كندو الاتصال وقال لنفسه:
- ملك الأنتيكة.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً