الصفحة الأساسيةقصص وسرد
الأمن الوقائي
الجمعة ٢١ كانون الثاني (يناير) ٢٠١١
بقلم عادل سالم

أواسط ١٩٩٦

كان يقود سيارته متجها إلى العيزرية لزيارة أحد أقاربه هناك عندما اعترضت طريقه سيارة مدنية ذات لوحه صفراء اعتقد للوهلة الأولى أنها سيارة للمخابرات الإسرائيلية لكنه فوجئ بعد أن أوقف سيارته بأربعة شبان عرب يتجهون نحوه، اثنان نزلا من السيارة التي اعترضته، وآخران نزلا من السيارة التي كانت تسير خلفه، حدثته نفسه بالهرب، لكنه خشي أن يدهس أحدهم عندما يسرع هاربا.
هل هم لصوص؟

تساءل بينه وبين نفسه، لكنه تجرأ وسألهم قبل أن يصلوه:
- لماذا أوقفتهم سيارتكم في الطريق؟

فجأة فتح أبواب سيارته الشابان اللذين جاءا من الخلف وجلسا في المقعد الخلفي، فيما ركب أحد الشابين الآخرين إلى جانبه، وجه الشاب الذي جلس خلفه مسدسا إلى رأسه وقال له:
- لا تصرخ ولا تتحرك.
اقترب منه الشاب الذي بقي في الخارج، كان طويلا في الثلاثين من عمره، شعره أسود داكن اللون، نظر إليه بعجرفة وقال له هامسا:
- نحن من الأمن الوقائي، لدينا أمر باعتقالك وستذهب معنا الآن إلى أريحا إذا حاولت الهرب لن تفلت منا.
فقال لهم وقد ارتاح قليلا لكونهم ليسوا لصوصا:
- أمن وقائي؟ ما الذي تريدونه مني؟
- ستعلم عندما تصل أريحا، ستقود السيارة خلفي بهدوء. إذا واجهتكم سيارة للجيش الإسرائيلي، ستتصرف بشكل طبيعي وتدعي أنك ذاهب مع أصدقائك إلى أريحا، إياك أن يصدر عنك إشارة تلفت الانتباه ستكلفك حياتك.
- أمرك، لكن مستغرب، ماذا تريدون مني؟
- لا تقلق ستعرف كل شيء عندما تصل ألست خليل (هـ)؟
- نعم أنا خليل (هـ).
- إذن أنت من نبحث عنه هيا الحقني.

عاد الشاب إلى السيارة وحده فيما بقي الآخرون معه، كان يسير بين فكي كماشة، فسيارة أمامه وأخرى خلفه، وثلاثة معه في سيارته، فإلى أين يهرب، ولماذا يهرب أصلا؟

بدأ يفكر في الطريق:
(ما الذي يريدونه مني؟ أنا من سكان القدس، وهؤلاء في أريحا، وحسب اتفاق أوسلو لا ينشط الأمن الوقائي في القدس، لكنهم رجال سلطتنا، لا بد أنهم يريدون الحفاظ على أمن البلد، أمن البلد؟ وما علاقتي بذلك؟ هل ارتكبت جريمة؟ هل قدم أحدهم شكوى علي؟ لم أعتد على أحد!)

هز رأسه ثم قال لنفسه:
- لعلهم يريدون التعرف علي، التعرف علي؟ يبدو أنني مجنون، لكن لا بأس سأعرف بعد قليل.
قال للجالس بجانبه:
- هل يمكن لي الاتصال بزوجتي وأخبرها أنني...
قاطعه:
- لا لا تتصل بأحد، ولا ترد على الهاتف.
- على الأقل دعوني أخبرها أنني سأتأخر عن موعد العشاء.
- لا تقلق فقد تعود بعد ساعة، لماذا تشغلها؟

ارتاح قليلا لإجابتهم، وصار يحلم بالعودة بعد ساعة إلى البيت.

بعد وصوله مقر الأمر الوقائي في أريحا، تم احجتازه في أحد الزنازين دون أن يسأله أحد شيئا. وكلما حاول أن يسأل أحد أفراد الأمن عن سبب وجوده أجابه:
- لا أعرف.

توترت أعصاب خليل، وصار يبكي كالأطفال.
في زنزانته بعد يومين جاءه أحد أفراد الأمن الوقائي ونقله إلى إحدى غرف التحقيق، بعد لحظات دخل إليه مسؤول الأمن الوقائي هناك، المسؤول (ع)، ابتسم له وقال:
- أهلا وسهلا خليل (هـ).
نظر إليه خليل وقال بعد أن تذكره:
- لماذا أنا هنا؟ لم أبلغ أهلي …
قاطعه:
- لا تقلق، بلغناهم أنك في ضيافتنا.
- لماذا أنا سجين.
- ألا تعلم؟
- كيف سأعلم، لم يقل لي أحد شيئا.
تنهد المسؤول (ع) وقال له:
- هناك معلومات أنك تتعاون مع إسرائيل.
اهتز بدن خليل، واحمر وجهه، معقول؟ لم يصدق أن يصدر هذا الاتهام من رجل تظاهر قبل سنوات طويلة مع المتظاهرين للمطالبة بإطلاق سراحه. رفع رأسه للأعلى وقال له:
- أنا؟ تتهمني بالتجسس؟ أنا أشرف ممن نقل لك هذه المعلومات الكاذبة.
- وكيف ستنثبت لنا ذلك؟
- تاريخي يشهد أنني رجل وطني شريف.
نظر إليه المسؤول (ع) نظرة غريبة ثم قال له بعد لحظة:
- اسمع أهم ما يقلقنا الأخبار التي وصلتنا والتي تشير أنك عازم على بيع قطعة الأرض التي تمتلكها في منطقة راس العامود إلى المستوطنين.
- هذا كذب أنا لن أبيع أرضي لا لليهود ولا حتى للعرب.
- إذن، لمن؟
- لا أحد، سأبني عليها مشروعا تجاريا.
- ومن يضمن لنا أنك لن تبيعها غدا وتهرب إلى أستراليا مثلا.
- والله هذا اتهام باطل، وتشكيك بوطنيتي.
- سيد خليل نحن نبذل كل جهدنا لمنع انتقال ملكية الأراضي إلى اليهود لهذا جئنا بك إلى هنا.
- وماذا تريدون مني؟
- أن تبيع الأرض إلى شخص نثق به، لنضمن عدم تسربها لليهود.
- ولكن لا أريد بيعها.
- طبعا لأنك اتفقت مع أحد المستوطنين على بيعها بسعر مغر.
ضرب المسؤول (ع) يده على الطاولة ثم ضغط على زر جرس ففتح الباب أحد أفراد الأمن قائلا:
- أمرك سيدي.
- أعد خليل إلى زنزانته، فهو لا يريد التعاون، معنا.
- يا عالم والله بريء بريء ليس لي علاقة لا مع مستوطنين ولا مع يهود.

نقل خليل إلى ساحة خارجية، رملية، وتم عصب عينيه ثم اقتيد إلى المجهول. فجأة دفعوه إلى حفرة كأنها القبر طلبوا منه الوقوف بها ويداه مقيدتان ثم بدأوا يهيلون عليه التراب، شعر أنهم يريدون دفنه حيا، زادت دقات قلبه، تصبب العرق من وجهه، كان لا يرى شيئا، لكنه يشعر بالرمال تنهار عليه لم يعد يستطيع تحريك رجليه ولا يدير رقبته، فكل جسمه أصبح مطمورا، لم يبقوا إلا الرأس، فماذا ينتظرون؟

فجأة رفعوا العصب عن عينيه فنظر حوله ليرى أحذية رجال الأمن وأرجلهم. كان كل جسمه تحت الرمال، يكاد يختنق.
باسم الآب والابن والروح القدس أغثني يا رب.
أغثني فأنا مظلوم، بدأ يتوسل إليهم:
- والله مظلوم، والله بريء، أنا وطني مثلكم، أحب فلسطين، أحب وطني.
نظر إليه أحد افراد الأمن الوقائي وقد رق لحاله، شعر خليل وكأن ذلك الشاب غير راض عما يفعله فتوجه إليه بحديثه:
- هل تقبل أن يظلمك أحد، هل تقبل أن يتهمك أحد زورا؟
لم يرد عليه أحد، اقترب منه أحد أفراد الأمن وقال له:
- لماذا لا تستريح من العذاب وتبيع أرضك؟ في المستقبل تشتري غيرها؟
- لكني لا أريد بيعها ورثتها عن المرحوم أبي.
غادر أفراد الأمن المكان بعد أن تركوه وحده يصرخ ويبكي.

جف الدمع من عيني خليل، لم يعد قادرا على فتح عينيه فحرارة الشمس حولتها إلى كتلة ملتهبة حمراء، شعر أن نهايته اقتربت، كان يحدث نفسه:
- هل أبيع أرضي، ملك أبي وجدي؟ لماذا يجبرونني على بيعها بالقوة؟ هل هذه سلطة لحماية المواطنين أم لتعذيبهم؟
تفاءلنا خيرا بعودة أشقائنا، اعتقدنا أن الأمن سيخيم علينا، لكن يبدو أن سنوات من العذاب تنتظرنا.
آخ يا زوجتي فيولا! أين أنت؟ هل تعلمين أنني هنا؟ هل حاولت زيارتي؟ أكيد منعوك.
كيف حال سامي وماري؟ أشعر بالحنين لهما، أولادي يا قطعة مني، لقد تعبت لم أعد أستطيع التحمل، ليأخذوا الأرض، سأبيعها، المهم أن أعود لكم.
كان ريقه قد جف، وأصبح يتمنى نقطة ماء.
سمع وقع أقدام خلفه، لم يستطع أن يدير رأسه ليرى القادم، لكن عندما أحس باقترابه، بدأ يصيح:
- ماء، نقطة ماء أرجوكم، سأبيع.
تابعت الأقدام سيرها، حتى كان المسؤول (ع) يقف أمامه:
- سمعت أنك موافق على بيع الأرض؟
- نعم سأبيعها.
- قرار حكيم، لو وافقت من البداية لوفرت على نفسك العذاب.

طلب المسؤول (ع) بجهاز اللاسلكي الذي معه أن يأتي أفراد من الأمن لينقلوا خليل من مكانه.
بعد ثوان كان خمسة منهم قد حضروا، فقال لهم:
- أخرجوه إلى الزنزانة ليستحم، وألبسوه ملابسه لكي أراه بعد ساعتين.

بعد ساعتين كان خليل يجلس في مكتب المسؤول (ع) بعد أن استحم وحلق ذقنه، كان مكتب المسؤول (ع) أشبه بمكتب رئيس الوزراء خلفه صورة الرئيس ياسر عرفات، والعلم الفلسطيني وصورة مكبرة للقدس.

المسؤول (ع) يدخن السيجار الفاخر يجلس على كرسي عريض يميل قليلا إلى الخلف، ابتسم له ابتسامة عريضة، وقال له:
- سيد خليل نحن يهمنا في الأساس مصلحة الوطن، الأرض التي تملكها كم تريد ثمنها؟ لقد عثرنا على مشتر وافق مكرها على شرائها.
فقال خليل:
- الأرض حسب مساحتها وموقعها تساوي مليون دولار.
- مليون دولار؟! وهل تعتقد أن المستوطنين هم الذين سيشترونها.
أنت تبيعها إلى أحد الفلسطينيين لاستخدامه الخاص.
- سيدي أنا لا أتحدث لا عن مستوطنين ولا عن أجانب إنها قطعة على الشارع العام.
نفخ المسؤول (ع) دخان سيجاره في الهواء ثم قال لخليل:
- اسمع لن نظلمك المشتري دفع مائة ألف دولار لكنا ضغطنا عليه ليدفع مائتين وهذه فرصة لا تعوض.
- فقط مائتي الف؟!
وضع المسؤول (ع) السيجار، وقطب حاجبيه وقال له:
- اسمع لا تضيع وقتي معك، لدي مهمات كثيرة أهم من أرضك، هل تريد تبرئه نفسك من التهمة الموجهة إليك؟
- نعم.
- إذن وافق حتى لا تعود إلى الحفرة التي كنت بها.

أحس خليل أن الدنيا أظلمت أمامه ولم يعد يميز الأشياء ولا يحس بها.
- لا لا أريد العودة إلى الحفرة، موافق سأبيع بالسعر الذي تحددونه.
ابتسم المسؤول (ع) ابتسامة واسعة وعاد إلى سيجاره ثم قال له:
- الآن بدأت تفكر بالاتجاه الصحيح، وأثبت أنك وطني مخلص غيور.
أشار بيده إلى رجل الأمن الواقف بجانبه، فخرج وعاد مع مجموعة من الرجال.
قال المسؤول (ع) لخليل بعد أن دخلوا وجلسوا على المقاعد:
- هذا المحامي عطا معه أوراق عقد البيع لكي توقع عليها، وهذا عبد الستار أحد تجار البلد الذي وافق على شراء الأرض، وبيده حقيبة الفلوس. لن تخرج قبل أن تعدها كاملة، وسيوصلك إلى البيت رجالنا بأمان. وهذا سعيد، وذاك أحمد من شهود العقد. كل شيء جاهز لدى المحامي نص العقد، رقم القطعة، الحوض...الخ، لم يبق إلا أن تزودنا بنسخة الطابو الأصلية، بعد رجوعك سالما إلى البيت تعطي النسخة إلى هذا الشرطي ليعود بها إلي.

نظر خليل إليهم واحدا واحدا، شعر بغصة في حلقه.
وقال له:
- أمرك سيدي.
قدم المحامي الأوراق وقال لخليل:
- هذا نص العقد اطلع عليه.
فقال خليل:
- موافق دون أن أقرأ، أين مكان التوقيع؟
فأشار له المحامي، فوقع على العقد، وكتب رقم هويته على الورق، ثم وقع المشتري، والشهود جميعا، بعد ذلك قدم التاجر عبد الستار حقيبة الفلوس، وقال له:
- عدها.
نظر خليل إليه بحزن وقال في سره:
- أعدها؟ لقد لطشتم مني مئات الآلاف فهل سأهتم بنقص مئة دولار أو ألف أو حتى عشرة.
نظر إلى الفلوس، قلبها بيديه ثم قال له:
- العدد كامل، وصلني حقي.
فوقف المسؤول (ع) وسلم عليه، ثم قال له:
- مبروك لا تنسى الحلوان، بعد ذلك صافح التاجر عبد الستار، ثم المحامي.
أشار المسؤول (ع) إلى الشرطي بيده وقال له آمرا:
- خذ خليل بسيارة المرسيدس المدنية ذي الرقم الأصفر إلى بيته مع أبو السعيد، ولا تعد إلا ونسخة الطابو معك، مفهوم؟
- أمرك سيدي.

خرج خليل خلف الشرطي وهو يبكي داخليا على بيع الأرض بهذا السعر الزهيد. كان كمن فقد ابنه في حادث وعاد يحمل ديته معه.

بعد خروجه، غمز المسؤول (ع) المحامي بعينه فطلب المحامي من الشاهدين الانتظار في الغرفة الأخرى لعدة دقائق.
بعد أن خرجا، ولم يبق في المكتب سوى المسؤول (ع)، وعبد الستار، والمحامي، ضحكوا جميعا، وضرب كل منهم كفه بكف الآخر شعورا بالنصر المبين، قال المسؤول (ع) لعبد الستار:
- هات العمولة.
فقدم له حقيبة بثلاثمائة ألف دولار، فنظر إليه قائلا:
- هل تعتقد أنني أشحذ منك؟ إنها تساوي مليون دولار.
- هذا ما يدعيه خليل.
- وهل تعتقد أنني غريب عن البلد؟ غدا تحضر بقية العمولة قبل أن تستلم نسخة الطابو الأصلية كما اتفقنا لي النصف ولكم الباقي.
- دائما تريد حصة الأسد؟!
- وهل كنت تتوقع الحصول على الأرض بدوني، وقل لي أين سنسهر الليلة.
- في بيت صديق لي هنا في أريحا.
- وهل السهرة كاملة؟
- من كل شيء، هناك تشكيلة من العيون الخضراء والزرقاء وصلت حديثا من أوكرانيا وروسيا.
- أنا أموت بالروس، والفلوس.
ها ها ها
ضحكوا جميعا حتى بانت أسنانهم.


تعقيبك على الموضوع
مشاركة منتدى:
الأمن الوقائي
الأربعاء ٢٣ شباط (فبراير) ٢٠١١

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند




الرد على هذه المشاركة

في هذا القسم أيضاً