الصفحة الأساسيةقصص وسرد
السلام عليكم
الخميس ١٧ آذار (مارس) ٢٠١١
بقلم عادل سالم

في جنوب ولاية إلنيويس في الولايات المتحدة الأمريكية يقع سجن ماريان وسط منطقة مليئة بالأشجار، أشبه بالغابة، تضم السجناء ذوي الجرائم الخالية من العنف، والتي يطلق عليها هناك ب (الجرائم البيضاء)، حيث شروط السجن المخففة، وبقاء أبواب الغرف مفتوحة طوال الليل والنهار. كان رضوان السجين الوحيد في تلك الفترة الذي يقبع في غرفة تضم عدة سجناء معظمهم من البيض، واثنان منهم من السود، استطاع خلال فترة بسيطة التأقلم مع الوضع الجديد لكنه كان يشعر بالعنصرية تجاهه من قبل السجناء الآخرين وخصوصا البيض، الذين كان بعضهم يتهكم عليه بأنه من بلد الجمال، وأنه إرهابي، وأحيانا كثيرة يطلقون عليه لقب بن لادن، مما يثير حفيظته. حاول كثيرا الابتعاد عن أولئك السجناء لكنه بسبب وجوده في السجن كان يلتقي معهم أحيانا في غرفة الأكل مثلا، أو في الساحة، أو في مكان عمله. وكلما أثارته الكلمات وشعر أنه على وشك ضرب أحدهم عاد وتراجع، فهو وحيد هناك، ولا يريد إثارة المشاكل حتى لا يتعرض لعقاب جديد.

في أحد الأيام، كان رضوان يتحدث مع زميله في غرفة رقم أربعة، فجأة صرخ به سجين كان مستلقيا قريبا منه على سريره طالبا منه أن يخرس.

نظر رضوان إليه مستغربا، كان سجينا أبيض، تجاوز الخمسين من عمره، ضخم الجثة، لحيته طويلة، سأله رضوان بغضب:
- هل توجه كلامك لي؟
- وهل يوجد غيرك يتحدث؟!

حاول رضوان أن يهدئ نفسه: (لا إله إلا الله، اللهم طول بالي يا رب). قال له:
- سيد مكنرو، أنت رجل كبير السن، فلماذا تفعل ذلك؟
فقال له ساخرا:
- لا أريد أن أسمع إرهابيين.
ففقال له رضوان بعد أن سيطر على غضبه:
- الرجل الكبير بالسن عادة يكون ذا أخلاق، وعلى كل حال لن أرد عليك احتراما لسنك.
فوقف مكنرو غاضبا وقال له بجلافة:
- لن ترد علي؟ من تعتقد نفسك يا راكب الجمل؟ ماذا يمكنك أن تفعل؟
- لا تستفزني يا سيد مكنرو، لقد تجاوزت حدودك؟
فاقترب مكنرو من رضوان حتى وقف أمامه، قال له بصوت عال أمام كل من في الغرفة:
- أنت قطعة خراء.
ثم بصق في وجهه.

كان السجناء الآخرون بالغرفة قد شاهدوا الحديث مستغربين تصرف مكنرو لكبر سنه. ابتعد بعضهم لعلمهم أن مشكلة ستحدث.
شعر رضوان بإهانة كبيرة؟ لم يعرف خلال ثوان ماذا يفعل، هل يضرب رجلا في سن والده؟ لكنه تجاوز حدوده، وأهانه بشكل متعمد دون سبب، إنه عنصري تافه.

مسح رضوان البصاق عن وجهه والدم يغلي في عروقه، اقترب منه زميله الأسود الذي كان يتحدث إليه قبل قليل وهمس في أذنه:
- رضوان البصق في الوجه إهانة كبيرة، إن سكت على إهانته، ستصبح مضغة في أفواه السجناء، وسوف يتمادون عليك، سأقف عند الباب أراقب حركة السجان.

هز رضوان رأسه، توجه السجين الأسود ويدعى «شيف» إلى باب الغرفة، نظر إلى آخر المردوان فلم ير السجان، أعطى الإشارة لرضوان، فهجم كالأسد الثائر على مكنرو وبدأ يكيل له اللكمات. وقف مكنرو كالثور الهائج، ورد عليه. كان مكنرو مغترا بنفسه لضخامة جثته، ولأنه كان في شبابه مصارعا محترفا تعارك مع رضوان في معركة شرسة، كان الغلبة في النهاية لرضوان الذي كال اللكمات لمكنرو دون أن يسمح له الإمساك به، كأنه في حلبة ملاكمة.

سال دم مكنرو بعد إصابته بجروح فاستعان ببعض زملائه، لكنهم رفضوا استغاثته، قال له أحدهم:
- أنت بدأتها، فعليك إنهاؤها.

بعد أن سقط مكنرو على الأرض، تراجع رضوان، واكتفى بذلك، وانسحب على الفور من الغرفة متوجها إلى العمل، فقد حدثت المشكلة أثناء استراحة الغذاء.
في الطريق إلى قسم العمل حيث كان يعمل في المواسير قال له زميله الأسود:
- هناك خدش صغير قرب عينك، عليك تدبر الأمر وإلا تعرضت لمشكلة اليوم من السجان.
ففهم رضوان المطلوب وقال له:
- أشكرك على وقوفك بجانبي سأتابع الأمر.

بعد ساعة، كان مكنرو في الزنزانة، فقد شاهده السجان وآثار الدماء على وجهه فعرف أنه تشاجر مع أحد السجناء. سأله من فعل بك هكذا؟ رد عليه:
- وقعت عن السرير.
- وقعتَ عن السرير؟ لكن إصابتك لا تدل ذلك.

كان مكنرو يعرف قوانين السجن، إن تعارك سجينان، يرسلان إلى الزنزانة، ويحولان إلى سجن آخر بعيد من السجون ذات الشروط القاسية. لم يكن يرغب الانتقال من سجن ماريان، فهو من أفضل السجون، لا سور للسجن، يستطيع السجين البقاء طوال الليل خارج الغرف، كما أن السجن قريب من مكان سكن زوجته، وإذا نقل إلى سجن آخر، فقد لا تستطيع زيارته لسنوات قادمة.

السجانون لم تنطل عليهم أكاذيب مكنرو. فهم يعرفون أساليب السجناء في الإنكار، وبعد ساعات عرفوا من خلال بعض الوشاة ما حصل فتم استدعاء رضوان إلى التحقيق سأله السجان:
- ما هذا الخدش قرب عينك؟
- وقعت على الأرض في مكان العمل:
فضحك السجان، وقال له:
- وقعت؟ هل شاهدك أحد تقع على الأرض؟
- نعم مسؤول العمل الأول السيد كولمان.
فهز السجان رأسه، واتصل مع السيد كولمان:
- سيد كولمان، السجين رضوان يدعي أنه وقع في العمل أمامك اليوم، هل هذا صحيح؟
- نعم وقع أمامي، شاهدته يقع، وجئت لأرفعه عن الأرض.
- وهل كان الجرح من ذلك الحادث؟
- لا أستطيع أن أجزم، لكن عندما وقف كان الجرح ظاهرا أسفل عينه. لم أنتبه إن كان موجودا قبل ذلك.
- حسنا، شكرا لك.

لم يصدق السجان، لكنه لم يستطع إثبات أي شيء، فحص يَدَيّ رضوان، فلم ير أي خدش عليهما. أحضر السجان الكاميرا والتقط بعض الصور لرضوان، وقال له:
- اذهب الآن سنستدعيك لاحقا.

بعد أيام استدعاه المسؤول عن السجن. وبعد أن كرر عليه نفس الأسئلة وسمع نفس الأجوبة، قال له بهدوء:
- اسمع يا رضوان. نعرف أن مكنرو أهانك وقد نال جزاءه لكن عليك أن تعرف أن السجن معظمه من السجناء البيض، وأنت االعربي الوحيد هنا، ولا أريد أن يحدث معك شجار آخر لذلك انتبه ألا تكررها.
فهز رضوان رأسه، وقال:
- أنا أتعرض لاستفزاز دائم من قبل كثيرين يطلقون علي ألقابا مثل: إرهابي، بن لادن، راكب الجمل....
- سأغلق الملف، وأعد الأمر منتهيا، إن أهانك أحد فبلغنا. انتهت المقابلة.

خرج رضوان سعيدا بالنتيجة، فمنذ تلك الحادثة لم يعد أحد يسخر منه، ويطلق عليه الألقاب.

بعد شهر أعيد مكنرو إلى السجن من الزنزانة، ووضع في غرفة أخرى، بعد أن أنذره مسؤول السجن إن تشاجر مع أحد فسوف ينقل لسجن شروط الحياة فيه قاسية.

في اليوم التالي لعودته، توجه مكنرو إلى رضوان عندما رآه رضوان اعتقد أنه قادم للشجار معه، فهب واقفا، فقال له مكنرو:
- لا تقلق، أنا قادم لأعتذر إليك. أنا متأسف، أنا لا أقصد إهانتك، لقد كانت ساعة غضب. لا أريد أن أتشاجر معك، آسف مرة أخرى.
فأحد السجناء همس لزميله:
- هذا الخنزير فعلها أكثر من مرة وبصق في وجه أكثر من شخص، سكتوا لكبر سنه. إنه يستحق ما جرى له.
فهدأت أعصاب رضوان، فكر مليا ثم قال لمكنرو:
- قبلت اعتذارك.

وعندما مد مكنرو يده لمصافته، صافحه رضوان وعاد مكنرو إلى غرفته.

منذ ذلك اليوم صار مكنرو كلما رأى رضوان يقول له:
- السلام أليكم (السلام عليكم)
فيرد عليه رضوان مستغربا:
- وعليكم السلام.

تعجب رضوان من ذلك:
« قبل شهر كان مكنرو يصفني بالإرهابي واليوم يطرح علي السلام بكلمات لا بد أنه سمعها يوما ما من أحد العرب في المدينة التي كان يسكن فيها. سبحان المغير ولا يتغير.»


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً