الصفحة الأساسيةفي ظلال الياسمين
في حوار جاد وجريء مع الناقد الدكتور صلاح السروي:
جيل الشباب هو الأكثر استحقاقا للرعاية
السبت ٢٦ آذار (مارس) ٢٠١١
بقلم عادل سالم

ناقد أدبي مبدع، ومفكر عربي بارز، يعد من القلائل المدافعين عن حرية البحث والنقد بعيدا عن هيمنة السلطة، وقداسة أي من النظريات القديمة، أو الحديثة.

أكاديمي مصري يعمل في جامعة حلوان، وكاتب متمرس له حضور وإسهام منظور، في ساحة العمل الثقافي العربية. وهو صاحب قلم حر لم تستطع كل مغريات الدولة أن تضمه إلى صفوفها.

عندما تحاوره يجبك دون مواربة، ودون لف أو دوران فرأيه لا يعرف المجاملات وإن كان يصيغه بأسلوب نقدي بناء.

- يصف الشعراء الذين يمدحون الملوك والزعماء بدون سبب بأنهم ألسنة للإيجار وليسوا شعراء.
- يعترف بأن هناك أزمة في الثقافة العربية المعاصرة ويرجع ذلك إلى أزمة اليسار العربي عموما.
ينصح الشباب الصاعد من الكتاب بالولاء لقيم الحق والخير والجمال، فهي العاصم من أن يتحول المبدع إلى بوق للإيجار.
- بعيدا عن الأدب والثقافة، فأهم ما يلفت نظرك فيه أنه صاحب ابتسامة، أو لنقل إن الابتسامة لا تغيب عن شفتيه، مما أضاف على طلعته البهية مسحة من الجمال، ورغم أنه تجاوز سن الخمسين فما يزال يتمتع بحيوية الشباب، وعطائه، وحماسه، وخفة دمه.
- كرمته ديوان العرب عام ٢٠٠٥ في القاهرة تقديرا منها لدوره في خدمة الأدب والثقافة، وسعدنا بانضمامه لمجلسنا الاستشاري لنستأنس برأيه بين الحين والآخر.
- الحوار مع الدكتور صلاح السروي، يشبه الإبحار في موسوعة ثقافية معينها لا ينضب، وقد نقلنا لكم بعض صفحاتها لا غير فاستمتعوا معنا بها، لعلنا في مناسبات أخرى نبحر معه في صفحات جديدة.

- دكتور صلاح نرحب بك في ديوان العرب ونبدأ حوارنا بالسؤال التالي: كيف ترى مستقبل الرواية حديثا، عربيا ودوليا، بعد انتشار ثورة المعلومات على الشبكة؟

«إن الرواية فن بلا آباء»، هكذا قال جورج لوكاتش، أي أنها فن نشأ ممتهنا ومحتقرا فلم يتم إيلاؤه أى قدر من الاهتمام النظرى والنقدى، سواء أمن قبل النقاد أم الدارسين. وبالتالى لم يتم التقعيد له ولا وضع نظريات تحكم عمل بنائه الفنى والجمالى. فى مقابل الشعر والدراما اللذين اختطفا كل الاهتمام وحظيا بالاجتهاد المبكر فى وضع الأصول والقواعد الفنية – الجمالية لعمليات بنائهما، فقد كانا يمثلان فنون الأريستقراطية والطبقات الراقية، بينما كانت الرواية الفن المفضل لدى العامة والسوقة والرعاع. ولعل ذلك كان فى صالح الفن الروائى، لأنه أصبح بذلك فنا مفتوحا قابلا لاستيعاب كل الموضوعات، والتشكل على أنحاء متعددة، وربما لانهاية لها تقريبا، فهو قادر على أن يكون تاريخيا ونفسيا وسيرويا واجتماعيا وخياليا.. الخ. وهو فى ذات الآن قادر على أن يكون قصيرا وطويلا، يتكون من عدة فصول، أو من فصل واحد. يستخدم ضمير الأنا، أو باقى الضمائر الأخرى. يتحرك بحرية فى الزمان والمكان. يتشكل حدثه على نحو طولى، أو دائرى.. الخ.

إن الرواية بهذه المواصفات، لقادرة على التواؤم مع – والاستفادة من - مستجدات الثورة المعلوماتية، وما يعرف بالخيال الافتراضى، والرؤية البصرية متعددة الأبعاد.. الخ. وهناك بالفعل أعمال روائية ظهرت مستفيدة، أو متفاعلة مع نواتج الثورة المعلوماتية، وبخاصة لدى جيل التسعينيات فى مصر. لعل أبرزها روايات : "أن ترى الآن" لمنتصر القفاش، و "أبناء الخطأ الرومانسى" لياسر شعبان، و"أن تكون عباس العبد" لأحمد العايدى، و"سحر أسود" و"لذات سرية" لحمدى الجزار.. الخ.

- اعتمدت الرواية قديما على القراءة بشكل خاص، لكنها اليوم تستخدم للأفلام، والمسلسلات. هل يجب على الروائي أن يكتب مباشرة إلى السينما؟

- إن الأدب هو التشكيل الجمالى الذى يتخذ من اللغة مادة لبنائه، فأيا كانت الغاية المضمرة التي تكتب من أجلها الرواية، فانها ستبقى عملا أدبيا مستقلا، طالما أمكنها الاستغناء عن غيرها فى تلقيها. وعلى أية حال كانت الرواية مذ ظهرت مادة للأعمال السينمائية، فكذلك كانت أعمال ملفيل وهيمنجواى وتولوستوى ودوستويفسكى ويوسف السباعى ويحى حقى ونجيب محفوظ واحسان..الخ وكل ذلك كان قبل ظهور الثورة العلمية والتكنولوجية الراهنة. وعموما أنا أعتبر أن ظهور تقنية جديدة لايعنى بأى حال انتهاء الطرائق القديمة، وان أثر على نحو أو آخر فى أدائها، وهذا أمر طبيعى تماما.

- المسرح اليوم ليس مسرح قبل قرنين من الزمان، اختلفت المواضيع التي تطرح على خشبته، وسلبت السينما الكثير من شعبيته. هل المسرح في طريقه إلى الزوال؟
- عندما ظهرت السينما قبل قرن ونيف ظن البعض انها سوف تقضى على فن المسرح، ولكن ذلك لم يحدث، لأن السينما لم تستطع – رغم كل امكاناتها التشويقية – أن تغنى عن العلاقة الحميمية المباشرة التى تقوم بين الممثل وجمهوره، وبين الحدث الذى يتم على نحو طازج ومتلقيه. والأمر نفسه ينطبق على العلاقة بين السينما والتليفزيون، أو الاذاعة والتليفزيون.. الخ. بل بقيت هذه النوافذ الابداعية جميعا، متجاورة ومتلاقحة ومتفاعلة، قد يعلو بعضها فوق الآخر، أو يتبادل معه الأماكن، من حيث الأهمية والانتشار، ولكن لا يمكنه أن يقضى عليه بصورة نهائية وقاطعة.
اذن يمكن القول بأن ظهور أداة جديدة لا يعنى بأية حال القضاء المبرم على القديمة. ولذلك لاأظن بأى حال أن المسرح فى طريقه الى الزوال، بل أكاد أقول أنه يعاد بعثه من جديد عن طريق التطورات الجديدة المبهرة فى مجال السينوجرافيا، ودخول مايسمى بمسرح الحركة ودراما الجسد، واعادة الأعمال الكلاسيكية برؤى جمالية واخراجية جديدة.. الخ.

- هل للقصة القصيرة مستقبل أفضل من الرواية؟

- لابد أن نحدد من البداية أن كلا النوعين الأدبيين (القصة والرواية) يدين فى وجوده إلى المجتمع المدنى البرجوازى الحديث، وكلاهما متأثر ومشروط، على نحو أو آخر،فى ازدهاره وخفوته، بتحولات ومسارات هذا المجتمع. ولقد تحدث جورج لوكاتش وأوكونور و شكرى عياد عن أن العلاقة بين القصة والرواية متعاكسة، بمعنى أن ازدهار الرواية يترتب عليه تراجع القصة والعكس صحيح. وذلك على أساس أن ازدهار الرواية ينبنى على وضوح الرؤية الكلية للحركة الاجتماعية بمختلف تفاصيلها ونثرياتها. ولذلك فانه عندما تتضبب هذه الرؤية وتتداخل خطوطها فان الرواية تتراجع وتأخذ القصة القصيرة فى تصدر المشهد الابداعى السردى. وذلك لما تتمتع به القصة من محدودية زمنها السردى، وجزئية وتفصيلية فى بنائها المشهدى، كذلك لما تتمتع به من غنائية فردية نظرا لمحدودية شخصياتها التى غالبا ماتكون شخصية واحدة هى الراوى نفسه. ولكن ينبغى التحفظ فى الحكم على مدى وضوح الرؤية الاجتماعية من عدمه، فهذا أمر نسبى، أى يتفاوت من شخص الى آخر ومن جماعة الى أخرى، كما ينبغى التحفظ فى الحديث عن أن الرواية تتراجع أو تتقدم، فالرواية على التحديد يمكنها أن تتحور لتصبح غنائية وجزئية وقصيرة فى زمنها السردى.. الخ ( وعوليسيس لجيمس جويس خير مثال )، وقد تحدث الدكتور صبرى حافظ عن ما أسماه ب (رواية الحلقات القصصية ) أى الرواية التى يتخذ كل فصل من فصولها شكل القصة القصيرة، التى يصبح بمقدور كاتبها نشر أى من هذه الفصول بصورة منفردة، ويبدو قصة مكتملة الأركان. فاذا جمعت الى بعضها شكلت معا رواية متسلسلة مكتملة الأركان أيضا. ومثال ذلك رواية وردية ليل لابراهيم أصلان ومنحنى النهر لمحمد البساطى وغيرهما كثيرون.

ولكن إجمالا يمكن ملاحظة مراحل خفوت وازدهار للقصة القصيرة فى مقابل الرواية، مثلما حدث بعد عام 1967 من ازدهار للقصة على أيدي ادوار الخراط و محمد أبو المعاطى أبو النجا وجمال الغيطانى ويوسف القعيد وابراهيم أصلان وغيرهم ممن عرفوا بكتاب الستينيات. ثم حدث ازدهار الرواية وتراجع القصة قليلا فى مرحلتى الثمانينيات والتسعينيات، وأظن أننا بصدد عودة قوية للقصة الصيرة فى الآونة الراهنة، خاصة لدى جيل الشباب.

- من رواد الرواية العربية المعاصرة في نظرك؟

- هل تقصد رواد الرواية العربية المعاصرة، بمعنى رموز وأعلام هذه الرواية فى الوقت الراهن من أجيال مابعد الستينيات؟؟
- نعم هذا ما أقصده.
- أظن أنهم كثيرون، فى مصر: هناك سلوى بكر وفتحى امبابى وبهيجة حسين ونجوى شعبان ويوسف أبورية ومحمود الوردانى ومحمد المنسى قنديل ويوسف زيدان وعلاء الأسوانى وميرال الطحاوى .. وغيرهم. وفى سورية هناك وليد اخلاصى وجمال أبو حمدان وابراهيم صموئيل وخالد خليفة وغيرهم، وفى الجزائر يوجد احميدة عياشى ومولود فرعون وواسينى الأعرج.. وغيرهم. وفى ليبيا يوجد صالح السنوسى وأمين مازن ومحمد المسلاتى ونجوى بنت شتوان. وفى فلسطين يوجد رجب أبوسرية وسحر خليفة وغيرهم

- الكتاب الشباب يشقون طريقهم بصعوبة. من تتنبأ له بمستقبل واعد في مجالات الشعر، والقصة، والرواية،؟:
- هناك موهوبون كثر فى حياتنا الإبداعية، ولكن لن ينفذ منهم إلا من يستطيع أن يقف على درجة من الوعى النوعى بالعالم، وكذلك بجماليات النوع الذى يستهويه، وبالتالى يتسلح بالأدوات الضرورية لانتاج هذا النوع:
فالشعر: يحتاج الى ذهنية تجريدية قادرة على تحويل النثرى والتفصيلى من مفردات الحياة الى أبنية كليانية مقطرة.
أماالقصة: فهى تشترك مع الرواية فى ارتكازها على خيال تفصيلى تشخيصى بعكس الشعر، فهى ترتكز على تحويل المجرد الى مشهدى مجسد. ولكنها تقترب من الشعر فى اتجاهها نحو الكثافة والاختزال وعدم الاسهاب، وهى عموما تمثل منطقة وسطى بين الشعر والرواية.
بينما تتميز الرواية: بأنها فن التفاصيل والتفريعات والتشخيص والتجسيد المشهدى فى حدوده القصوى، ولكن حسب رؤية تصب فى نهاية الأمر فى محاولة رؤية الكنه الانسانى عبر شروط الزمان والمكان، وليس فى المطلق.

- القصة القصيرة جدا لم تننتشر بشكل واسع لا عربيا ولا عالميا، ما الأسباب حسب وجهة نظرك؟

- لأن القارىء يحتاج الى تجربة نفسية وروحية كاملة ومشبعة، يتم طرحها عبر وحدة حدثية مكتملة، وليس مجرد ظل تجربة. وهذا مثال واضح على عدم دقة من يتصورون أن حركة الأنواع الأدبية تسير وفقا لقياسات شكلية أو آلية.

- أشكال الكتابة الأدبية تغيرت من الماضي إلى الحاضر هل تتنبأ بأشكال جديدة ستطفو على السطح؟

- أتنبا بكتابة مالم تتم كتابته بعد (ربما يكون هذا السؤال غيبيا بعض الشىء)

- في بعض الدول المتقدمة كالولايات المتحدة، تحتفظ مكتبة الكونغرس بنسخ للأرشيف لكل كتاب يسجل رسميا وتمنحه رقما وهو ما يعرف بالرقم الدولي.
هل تقوم الجهات الرسمية في الدول العربية بنفس العمل؟
وهل تحتفظ بأرشيف كامل لمنشورات مبدعيها وعلمائها؟

- نعم وهذا أمر معروف فى معظم المكتبات العربية. وأظن أن علوم المكتبات والأرشفة قد شهد طفرة هائلة فى البلدان العربية (أو على الأقل فى مصر) حيث يجرى أتمتة وحوسبة معظم المكتبات العامة والمكتبات الجامعية. ولكن لاأدرى ان كانت تحتفظ بأرشيفات أم لا

- كيف يمكن استغلال الشبكة في خدمة الأدب، والثقافة بشكل عام؟

- تقوم الشبكة فعليا الآن بدور بالغ الفعالية فى خدمة الأدب والثقافة، وذلك من خلال المواقع المختلفة، ومنها موقع "ديوان العرب" الأغر. ولاشك عندى فى أن المستقبل معقود بناصية الشبكة، وبعدها يأتى غيرها من الوسائط المختلفة مثل الكتاب والتليفزيون.. الخ. ان الشبكة هى خط التطور الحالى والقادم، أتمنى أن يستغلها الشرفاء والباحثون عن عالم يسوده العدل والحرية والحق والخير والجمال، على الوجه الأمثل.

- بوجود الشبكة العنكبوتية، هل تعتقد أن عصر التخلف والتجهيل قد انتهى، أم بدأ عصر جديد من إخفاء الحقائق؟
- لاشك أن الشبكة قد وفرت امكانية هائلة لتحقيق ما يسمى "بالتعلم الذاتى"، وهو ذلك النوع من التعليم الذى يتولى فيه الفرد بنفسه عملية التعلم، دون الحاجة الى الالتحاق بمؤسسة تعليمية محددة، أو الى جانب هذا الالتحاق. وعموما فان الأشكال الأحدث من برامج التعليم فى المدارس والجامعات تقوم على حفز الطالب على البحث عن المعلومات بنفسه، وتشكيل معرفته بجهده الخاص، وبالطبع فان الشبكة لايمكنها أن تكون بديلا (بالمعنى المطلق) عن مؤسسات التعليم المعروفة، غير أنها تساهم على نحو باهر فى الارتقاء بعمل هذه المؤسسات وتوفير امكانية الانفتاح الفكرى والثقافى والعلمى على مختلف الاتجاهات والمجالات العلمية والمعرفية. ولكن أن تقوم الشبكة بالقضاء على التخلف والتجهيل ؟ فان مجرد استخدام الكمبيوتر والشبكة نفسيهما يعد (على نحو معين) أحد أشكال التخلص من الجهل والتخلف، فضلا عن كونه أداة لذلك. ان عصرا جديدا من الارتقاء والتطور البشرى ذى الآماد والامكانيات الهائلة وغير المنظورة قد بدأ بالفعل، ولامكان فيه لغير القادرين على التعاطى معه بايجابية وفعالية. لكن لابد من التحفظ قليلا فستبقى دائما هناك امكانات مضادة متجددة يمكن أن تستخدمها الجهات التى تحاول اخفاء الحقائق وطمس المعلومات. فالتطور البشرى ليس أحادى الحركة بل يتيح للجميع التمتع بالامكانات غير المنظورة للتقدم العلمى.

- المواقع الأدبية على الشبكة زادت بشكل ملفت، هل حققت تلك المواقع ما يطمح إليه أدباؤنا؟ أم ما زالت في بدايتها؟
- لقد حققت بالطبع قدرا معقولا مما يطمح اليه الأدباء، لكنى أظن أنها لازلنا فى بداية الشوط التكنولوجى والمعلوماتى.

- كيف ترى (ديوان العرب) على الساحة الأدبية؟ هل تؤدي رسالتها بشكل سليم أم تحتاج إلى تطوير؟ ماذا تقترح على ديوان العرب في سبيل النهوض بالحركة الثقافية والأدبية؟
- لقد حققت ديوان العرب حضورا معقولا للغاية فى الساحة الثقافية العربية فهى تتمتع بمقروئية كبيرة قياسا بغيرها من المواقع، وذلك بفضل رصانة وتنوع مادتها وكذلك لنوعية كتابها الذين يضمون بينهم عددا من ألمع الأسماء وأنبه العقول الثقافية العربية. كما تمتاز ديوان العرب بأنها لم تقتصر عملها على الاصدار الفضائى فقط بل عززته بحضور لافت ومؤثر فى الواقع الملموس عن طريق المسابقات الأدبية التى تبادر بها الحياة الثقافية العربية. كما أن خطابها الموجه الى عموم المثقف العربى، دون الاقتصار على قطر واحد بعينه، جعلها تكتسى بمسحة عربية كليانية عامة تمثل مطمحا للكاتب الطامح الى أن تتم قراءة أعماله وأن يعرف على المستوى العربى الأوسع، ولابقتصر تواجده على حدوده القطرية الضيقة.

وأقترح على ديوان العرب أن تتوسع فى نشاط المسابقات ذاك، ويمكن أيضا أن تتبنى كتابا أو أكثر فى كل نوع أدبى من أعمال الكتاب الفائزين فى مسابقاتها، بالنشر والتوزيع والخدمة الاعلامية. اضافة الى امكانيات غير محدودة لتقديم خدمات ثقافية متميزة فى حال توافر السيولة المالية الضرورية.
وأقترح عليها أيضا أن تحاول التجديد فى تصميم موقعها وتبويب مادتها كل حين، و أن تهتم أكثر بالفن التشكيلى، ليس فقط من حيث المادة المنشورة، ولكن أيضا من حيث الاستعانة بعناصره فى تصميم وتزيين صفحاتها، وأن تحاول أن تصبح مجلة ثقافية جامعة بحق، فتهتم أكثر بالفكر الفلسفى وبالنظرية النقدية وبالفنون كافة. ولو تطلب ذلك استكتاب كتاب بأسمائهم لغطية المجالات التى لاترد بشأنها مواد كافية.

- المسابقات الأدبية لجيل الشباب. هل هي خطوة في الاتجاه السليم؟ أم يجب أن تكون المسابقة مفتوحة لكل الأجيال؟
- لاشك فى أن جيل الشباب هو الأكثر استحقاقا للرعاية وتعبيد الطريق أمامه، كما أنه الأكثر أهمية من ناحية التفكير المستقبلى، كما أنه الأكثر استخداما للوسائط الحديثة كالشبكة وغيرها، وبالتالى فانه يعد المتلقى الحقيقى للمجلة، فصلا عن كونه الأكثر ولعا ب- واقبالا على- فكرة المنافسة والرغبة فى السبق. الا أن هذا لايمنع بالطبع من الاهتمام بتكريم الرموز والكبار والاحتفاء بهم بما يليق باصدار محترم مثل ديوان العرب.

- لو كنت وزيرا للثقافة، ماذا سيكون خطة عمل وزارتك للسنوات المقبلة؟
- ستكون ملخصة فى عبارة واحدة، هى : الحرية.
وفى اجراء واحد هو : دع مائة زهرة تتفتح.
وفى عمل واحد هو: رعاية الموهوبين والنابغين وتقديم أكبر دعم ممكن لهم. وفى مهمة واحدة هى : حماية الثقافة الوطنية ودعمها وتطويرها لتصبح عصرية وفتية وممتلئة بالحيوية ومفعمة بالحياة، وبذل أقصى الجهد لتقديم روائعها الى العالم.

وفى انتماء واحد هو: الحق والخير والجمال.

- لو طلب منك ترشيح شخصية أكاديمية أو أدبية لمجمع اللغة العربية فمن تختار؟

— أختار من يتقن لغته العربية وعددا من اللغات الأجنبية، إتقانا حقيقيا، معرفة وممارسة، ومن هو على دراية بالتاريخ الثقافى والحضارى العربى والعالمى، ومن على وعى بعوامل النهضة والسقوط فى تاريخنا العربى والأوربى على حد سواء. ومن هو منفتح على علوم وحضارة العصر قراءة وتأليفا.

- لمصر دور أكبر في الحركة الأدبية العربية في القرن الماضي. خصوصا في خمسينات وستينات القرن العشرين. هل تراجع دور مصر الأدبي؟ أم أن دور الدول الأخرى قد برز بشكل أفضل؟

- نعم تراجع هذا الدور قليلا، فلم تعد لدينا هذه الأسماء الكبيرة التى ملأت سماء الحياة الأدبية والفكرية والفنية فى العقود الماضية بذات الكم والكيف الذى كان. وذلك بسبب عوامل متعددة :

  1. عوامل اجتماعية تمثلت فى تراجع دور الطبقة الوسطى المصرية (وهى الطبقة التى تنتج الأدباء والمثقفين والعلماء..الخ) وتدهور أحوالها المعيشية والمادية، وظهور طبقات جديدة من أشباه الأميين ممن يسمون ب "أثرياء الصفقة أوأثرياء الصدفة" الذين لايمتلكون أية هموم ثقافية، وذلك بفعل سياسات الانفتاح الاقتصادى العشوائى والخصخصة الرأسمالية والتخلى عن الدور الاجتماعى للدولة.
  2. عوامل سياسية، تمثلت فى :
    أ - غياب المشروع الوطنى أو القومى الكبير الذى يمكن أن يحرك القرائح ويلهم العقول والقلوب.
    ب - تراجع جودة التعليم وتقلص ميزانياته، مما أدى الى تقلص مساحة القراء.
    ج – ظهور جماعات الاسلام السياسى وتحويل الوعى العام نحو نوع من الثقافة الدينية المنعزلة عن واقع العصر والموغلة فى الأصولية، فتحولت بوصلة القراءة نحو كتب عذاب القبر والحجاب وما أشبه.

وعلى الرغم من ذلك فقد بقيت مصر ممثلة لبؤرة الاشعاع الثقافى الرئيسية فى المنطقة العربية، بفضل عراقة النخبة المثقفة وقوتها المعنوية، وبفضل التراكم الثقافى وتراكم التجربة التاريخية والحضارية لهذا الشعب وكذلك بفضل الانفتاح الثقافى اللامحدود على الآخر .

- كيف ترى الساحة الشعرية اليوم أمام ازدياد الشبان الذين يركبون موجة شعر النثر؟

- نحن أمام منعطف ثقافى وحضارى كبير، قوامه زحف الوعى المعولم - مابعد الحداثى، الذى لم يعد يولى الأشكال والتقاليد الأدبية أهمية كبيرة، بل أضحت مهمته الرئيسية، تحديدا، هى زعزعة هذه الأشكال والتقاليد ونقضها واطراح القضايا الكبرى والسرديات المركزية، فى مقابل اللواذ باليومى والاستعمالى والجسدانى، باعتبارها يقينيات بديلة تمثل أكونا افتراضية أضحينا فى حاجة مستحدثة الى اعادة اكتشافها.
ولقد أفرزت قصيدة النثر السبعينية أعلاما مهمين مثل رفعت سلام وحلمى سالم وسركون بولس وعباس بيضون وفريد أبوسعدة وعلاء عبدالهادى. وأنجزت عدة سمات فنية – جمالية - لابأس بها، تمثلت فى مخيال شعرى جديد يقوم على المزج بين اليومى والمنتهك من ناحية والكونى والجليل من ناحية أخرى.
أما ما يتعلق بالأجيال الأحدث فان تجربتهم لم تطرح سماتها الخاصة المائزة بعد وان كانت التجربة قد نضجت بدرجة ما عند محمود قرنى وعدد من أقرانه من الجيل التالى.

- دور المبدعات العربيات في الساحة الأدبية هل وصل إلى ما نطمح إليه أم أن مشاركتهن ما زالت في بدايتها؟

- لاشك أن المبدعة العربية قد خطت خطوات واسعة على الساحة الأدبية، شاعرة وروائية، بيد أننى أرى اسهامها فى مجال الرواية والسرد أكبر منه فى الشعر. كما أن اسهامها الروائى لازالت تشوبه حالة ثأرية مع زمن التهميش السابق، فتجد المرأة المبدعة لاتكتب، فى الأغلب، الا عن قضايا النساء الخاصة والعامة، وهذا أمر طبيعى، غير أن التمحور حول الذات الأنثوية يعنى أنها لم تتجاوز أزمتها النوعية بعد. ويوجد بينهن بطبيعة الحال من تمكنت من عبور هذه الوضعية، ولا أتحدث هنا عن رضوى عاشور وهدى بركات وليانة بدروسحر خليفة وحنان الشيخ وابتهال سالم، وانما أتحدث عن ميرال الطحاوى ومى خالد وأمينة زيدان وأحلام مستغانمى وعلوية صبح، من الجيل التالى. وعموما فاننى أتصور أن المبدعة العربية لاتزال فى حاجة الى الكثير من أجل أن تصبح منجزة لاسهام يمثل مكونا عضويا من مكونات الثقافة والأدب العربيين.

- هل أنت راض عن حركة الترجمة في العالم العربي؟
ما الذي ينقصنا؟

- ما تزال حركة الترجمة فى العالم العربى متخلفة بدرجة كبيرة، كما وموضوعا، فحسب الاحصائيات، تترجم أسبانيا فى عام واحد بقدر ماترجمه العرب مجتمعين، فى خمسين عاما، وتترجم اسرائيل بمقدار خمسة عشر ضعفا لما يترجمه العرب. وعلى الرغم من انشاء مركز مختص بالترجمة فى مصر ويقوم على رئاسته مثقف كبير هو د. جابر عصفور، فان كم العناوين المترجمة لايزال بعيدا عن حاجة الملاحقة لما يجرى نشره فى باقى أرجاء العالم. بل هناك لغات تكاد تكون غير ممثلة على خريطة الترجمة مثل الصينية واليابانية والسواحيلية وبعض اللغات المحدودة الانتشار فى أوربا وآسيا.
ان ما ينقصنا هو أن نتعامل مع المثقفين، بصفة عامة، والمترجمين من بينهم، بذات السخاء الذى نتعامل به مع لاعب كرة القدم. وأن تتم الترجمة على أساس رؤية شاملة وبرنامج مدروس، وليس على أساس المبادرات الفردية (العشوائية) مثلما يتم الآن.

- ماذا يعني لك فوز أحد الأدباء العرب بجائزة نوبل؟

- يعنى أن الأدب العربى قد أصبح أدبا معتبرا فى العالم، فهو مقروء ومقيم وتحت الضوء، وأن العرب قد أصبح عليهم أن يغادروا كهف الاحساس بالاضطهاد وأنهم غرباء عن عالمهم وعصرهم، وأصبح من اللازم أن ينخرطوا فى هذا العالم دون أوهام أو هواجس الظلاميين الدائرة حول الكفر والايمان.

- حركة النشر الورقي عالميا بدأت تقل بعد انتشار الشبكة، أيهما تفضل أن تقرأ كتابا على الورق أم على الشبكة؟ لماذا؟

- بالنسبة لي مازال الورق يمثل قيمة خاصة، فأنا عندما أقرأ كتابا فاننى أقيم علاقة خاصة معه.. أعالج غلافه بطريقتى وآخذه معى الى سريرى، ويسافر معى فى الحافلة والقطار، وأضعه تحت وسادتى، وأخط على هامشه وبين سطوره ملاحظاتى، وربما أيضا شكايتى وألمى واحتجاجى على كاتبه أو على نفسى.. الخ. ويستحيل أن يحدث ذلك مع كتاب الكترونى.

- نصيحتك للكتاب الناشئين؟

- 

أنصح بالدأب والمثابرة وجهاد النفس والصبر على مكاره المعرفة والتحصيل، ففاقد المعرفة والثقافة لا يمكنه أن ينتجهما وما الليث إلا عدة خراف مهضومة كما يقول بول فاليرى. وأنصح أيضا بالانفتاح العقلى والروحى على كل الأفكار والتجارب والثقافات، فعمل ينبغى أن يبدأ من حيث انتهى الآخرون وليس من حيث بدأوا، وحينها يمكن أن يكون لما تراكمه على تراث الانسانية معنى. كما أنصح بالولاء لقيم الحق والخير والجمال فهي العاصم من أن يتحول المبدع إلى بوق للإيجار.

- اليسار العربي كان دوره أكبر في حركة الثقافة العربية، لكنه الآن غير ملموس، ألآن الناس ابتعدت عنهم أم لأنهم غيروا مواقفهم؟

- لايزال اليسار يمثل عماد الحركة الثقافية العربية، ولا يمكن أن توجد ثقافة فاعلة بدون أن يكون لديها مشروع معلن أو مضمر للتغيير باتجاه المستقبل، وبالتالى لابد لأى ثقافة ذات بعد انسانى أن تكون تقدمية ويسارية. ويكفى أن نعرف أن أجيال المثقفين العرب حتى الثمانينيات (فى مصر على الأقل) قد انتجتها حركات سياسية ذات بعد يسارى أوكانت على علاقة بها على نحو أو آخر. وعلى أية حال فان أزمة الثقافة العربية المعاصرة ترتبط ارتباطا مباشرا أو غير مباشر بأزمة اليسار فى أقطارنا. فاليمين غير قادر، بنيويا، على انتاج ثقافة رفيعة، ولا يقوى سوى على انتاج المتون والشروح والرؤى المغلقة.

- من تراه أهلا ليكون فارس الشعر العربي في القرن الحادى والعشرين؟ ولماذا؟

- قد أختلف معك فى ضرورة شخصنة القمة الشعرية، فلا أرى أحمد شوقى أميرا للشعراء !! وهو ليس أكثر من شاعر مجيد بين مجيدين غيره. فالابداع بصفة خاصة يتأبى على الرؤى الحصرية الاستقصائية، ويحتمل كل الاحتهادات والاتجاهات والرؤى، بل والمستويات، وكم من شاعر مجهول وغير مفهوم أعيد اليه الاهتمام بعد زمن من ظهوره، أو حتى بعد وفاته. واننى لأعتبر أن القمة الشعرية تتسع لكثيرين. كما أنه ربما من سمات هذا العصر وجود حشود من الشعراء المجيدين، على غير ماكان معتادا من قبل فالساحة كانت شاغرة الا من عدد محدود من الشعراء الذين يمكن فرزهم وتحديد مستوياتهم، والأمر نفسه بالنسبة لباقى المجالات. وأخشى أننا قدخلنا مرحلة الإنتاج الجماهيري فى مجال الأدب والفن، وأقصد على نحو نسبى تماما بالطبع.

ولكن اذا قصدت معنى (الشاعر الكبير) فانه ذلك الشاعر المجدد، صانع الذائقة الشعرية وليس مستهلكها، صانع الوعى الشعرى وليس المستفيد منه. انه الشاعر القادر على رؤية غير المرئى، القادر على قراءة المطمور والمطموس من حقائق الوجود ودخائل البشر، انه القادر على أن يلمس قلب الأشياء، وأن يعثر على لؤلؤة المستحيل. الشاعر الكاشف المكتشف، المبصر بعين كونية عامة بقدر ماهى محلية خاصة. انه شاعر كما ترى يقترب من درجة النبوة، ويندر وجوده، لكن يمكن أن يوجد الطموح نحو الوصول اليه، فهكذا كان طموح أبى تمام والمتنبى وأبى العلاء وابن عربى وخليل حاوى وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل وملك عبد العزيز ومحمود درويش وأدونيس وسعدى يوسف وحلمى سالم ورفعت سلام وحسن طلب وعلاء عبد الهادى.

- لو عينوك محكما لاختيار أفضل رواية لهذا العام فمن تختار دون تحيز؟

هذا ينطبق عليه ما انطبق على السؤال السابق، ففى هذا العام صدر عدد هائل من الأعمال الروائية الجيدة، ربما كان من أهمها رواية "فى كل أسبوع يوم جمعة" لابراهيم عبدالمجيد ورواية "طعم الأيام" لأمنية طلعت.

- عندما تدخل إلى الشبكة العنكبوتية ماذا تقرأ أول الأمر؟

أقرأ الأخبار السياسية أولا فى المواقع والصحف، ثم أعرج على أخبار الأدب والثقافة.

تكثر على الشبكة العنكبوتية السرقات الأدبية للنصوص والمقالات بدون استحياء ولا خجل. أين المشرعون العرب في وضع قوانين تحمي الملكية الفكرية وتلاحق الذين يسرقونها؟

الى جانب سؤالك عن المشرعين، دعنى أضيف سؤالا آخر : أين الضمير الأدبى والثقافى ؟ وأعنى به النقاد وأبناء الحركة الثقافية، فهم وحدهم المنوط بهم ضبط مجال حركتهم، فلا ينبغى أن ننتظر من شرطى أن ينظم حركة الأدباء والمثقفين.

- لماذا لا تتعاون الجهات المسؤولة في الدول العربية في هذا المجال معا كما تتعاون في ملاحقة المعارضين والمطلوبين لأجهزتها الأمنية؟
- إن الجهات الوحيدة المسئولة عن ذلك هى الأدباء أنفسهم، ولا نريد لأيدى الشرطة أن تمتد للادب أيضا، يكفينا ما نعانيه منهم فى مجال السياسة.

- بعض الشعراء يقلدون شعراء الماضي في مدح الملوك والرؤساء بدون سبب، كيف تفسر ذلك؟

- مرد ذلك هو أن من يقوم به ليس بشاعر، انه محض لسان للايجار، وهو لايختلف فى ذلك عن أى عاهرة، لأن الشاعر الحقيقى لابد أن يكون حقيقيا أولا، أى غير مزيف. انه صاحب الموقف والرؤية (الكونية والجمالية على حد سواء)، وبقدر الصدق والعمق والنفاذ والجمال يكون المرء شاعرا.

- كلمة أخيرة لقرائك؟

- أقول لهم:


ليس أمامنا، أمام ثقافتنا وأمتنا إلا أن تتقدم لانتزاع مكانها المستحق تحت شمس هذا الزمان. ولن يكون ذلك الا بالتفاعل الندي مع معطيات عصرنا، ولن يتأتى لنا ذلك إلا بالتحلي بصفتي النقد والأبداع، فلننقد كل ما يأتينا، من تراثنا أو من الغرب، أو من أى مكان، لاقداسة إلا للنظر والبحث، لا قداسة الا للسؤال والمساءلة. وليكن الابداع هو هاجسنا الثانى الذى سوف يتيح النقد له مجالا ، بدونهما معا متلازمين، لا مكان لنا بين الأمم.

الصورة أعلاه تضم التالية من اليسار:
- الدكتور صلاح السروي
- الأديبة فريدة النقاش
- المرحوم المفكر الكبير محمود أمين العالم
- عادل سالم رئيس تحرير ديوان العرب
- الدكتور فاروق مواسي
- الشاعر سليمان نزال


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً