الصفحة الأساسيةقصص وسرد
رفاق الأمس
السبت ١٦ نيسان (أبريل) ٢٠١١
بقلم عادل سالم

ستة عشر عاما أمضاها أسيرا خلف القضبان في السجون الصهيونية، كان يحلم بالحرية ولا يعلم متى سيتحرر من السجن. التحرر كان أمنية له ولرفاق الأسر فقد كان محكوما بالسجن المؤبد من قبل محكمة عسكرية صهيونية.
لم يتوقع في بداية الأسر أن يطول اعتقاله كان أمله بالثورة كبيرا جدا، لكن الأمل بقدرتها على تحريرهم تضاءل مع الزمن، استبشر خيرا في حرب (١٩٧٣) وكان ينتظر تحريره مع رفاق دربه على أيدي الجيش المصري أو السوري الذي كان يصفق خلف الأسوار لانتصاراتهم، لكن خاب أمله، فلا الجيش المصري حرره، ولا الجيش السوري ضمه لقائمة الأسرى الذين تم تبادلهم بين الجانبين.

رغم ذلك لم ييأس، ولم تهن عزيمته بل ظلت قوية قوة الشمس في وضح النهار.
وعندما سمع أن صفقة على الأبوات لتبادل الأسرى مع المنظمات الفلسطينية عام (١٩٨٥) فرح كثيرا، كان يشعر بالسعادة تغمره، وعندما حصلت المفاجأة وكان أحد المحررين كانت سعادته لا توصف.

ها هو الآن في شوارع القدس بعد غياب طويل لم يرها فيه ولا حتى في الصور. الشوارع تغيرت، والناس تغيروا. كلما مر من أحد الشوارع يسمع الشبان يتهامسون عليه:
- هذا البطل كان من المحررين من الأسر،
شعر بالفخر أمام هذا التقدير وكان يرد عليهم بابتسامة ملوحا لهم بيديه

وبعد استراحة المحارب بدأت مصاعب الحياة المالية والمسؤولية تواجهه مرة واحدة. فعندما اعتقل قبل ستة عشر عاما كان طالبا بالمدرسة، أما اليوم فهو رجل يخجل أن يطلب مصروفه من والده، خصوصا وأن والده يعمل في محل لصناعة الحلويات ويكاد راتبه يكفي العائلة، فتوجه على الفور إلى أحد المسؤولين في القدس وسأله إن كانت ثمة مساعدات مالية للأسرى المحررين فرد عليه وقد عرف أنه لم يعد عضوا في الحزب قائلا:
- الثورة ليست شؤونا اجتماعية، الثورة كفاح ونضال وتضحية.

لم يناقشه بالموضوع، لكنه يسمع من آخرين يثق بهم تحرروا من الأسر بأنه صرفت لهم مساعدات مالية تساعدهم بالانخراط في المجتمع، أحد الأصدقاء همس له قائلا:
- المساعدات لن تشملك لأنك خارج التنظيم.
- ولكني لا أبحث عن راتب أو مكافأة حزبية، بل عن مساعدات للأسرى بغض النظر عن التزامهم بالحزب بعد الأسر.
لم يسمع أحد كلامه، وأهمله الجميع، طرق أبواب الأحزاب الأخرى فصار كل منهم يحاول استمالته لطرفه.

شرح لهم دون فائدة، أنه لن يتخلى عن وطنه ولا عن مساعدة أبناء شعبه، لكنه لا يريد البقاء عضوا في أي حزب، يريد أن يتخذ قراره بمفرده دون عائق.

كتب في دفتر مذكراته الذي كان يسجل به أحداث الأسر:

«بعد فشلي الذريع في استمالة أحد لمساعدتي بدأت أبحث عن عمل مناسب فليس في يدي شهادة جامعية، ولا أعرف أية مهنة أو حرفة، توجهت إلى إحدى المؤسسات التابعة لإحدى القوى السياسية فاعتذروا بأنهم بغير حاجة لعمال، ولكني عرفت فيما بعد أنهم لم يوظفوني لأنني كنت أسيرا محسوبا على تنظيم آخر فبدأت أتنقل من محل إلى آخر بعضهم خاف من توظيفي حتى لا تتردد عليه المخابرات الإسرائيلية لأنني من الأسرى المحررين، والخطرين، قال لي أحدهم بصراحة ولم يكذب علي:
- نتمنى أن نشغلك عندنا ولكن اعذرني فوجودك هنا قد يعرضنا لمضايقات المخابرات.
ثم عرض علي مائة دينار ، فسألته «لم هذه»؟ فقال إنها تبرع لي، شعرت بالإهانة ورفضت أخذها وذهبت إلى آخر، كان سعيدا برؤيتي ورحب بي وعندما علم أنني أبحث عن عمل لم يصدق قال لي:
- أنت تبحث عن عمل؟
- نعم وما الغريب؟
بدأ يتأتئ بالحديث وقال:
- لكنك.... زعيم وطني.... ستة عشر عاما في الأسر وتبحث عن عمل عندنا؟ أين المؤسسات الوطنية لتوظيفك لديها؟
ضحكت وقلت له:
- لقد توجهت إلى أكثر من مؤسسة فاعتذروا.
بهت من كلامي وقال:
- هذا غير ممكن! لا أصدق أن يتركوك هكذا بدون عمل إنها إهانة بشرف الثورة، لماذا لا تذهب إلى جريدة الفجر وتسألهم عن عمل، سيرحبون بك.
- وماذا سأعمل هناك؟ لست صحافيا.
- أعمل أي شيء وهل تعتقد أن العاملين هناك أفضل منك معظمهم يقضون وقتهم في طق الحنك لا يفقهون بالصحافة شيئا.
هززت رأسي وشكرته وخرجت لأتوجه في اليوم التالي إلى صحيفة الفجر، سألت عن المسؤول عن التوظيف فأرسلوني إلى شخص يجلس خلف مكتب عريض، كان أمامه عشرات الأوراق والتقارير، رحب بي بعد أن عرفني وطلب لي فنجانا من الشاي، وشكرني على صمودي في الأسر وقال لي مجاملا:
- نحن مهما قدمنا لكم لن نكافئكم على صمودكم وتضحياتكم البطولية، لقد كنتم الوجه الأكثر إشراقا للثورة الفلسطينية.

خجلت من مديحة لي وقلت له:
- لقد جئتك في أمر هام أرجو أن لا تردني خائبا.
فقال لي:
- ولو يا رجل أنت تأمر وأنا أنفذ.
قلت له:
- أشكرك على تواضعك، في الحقيقة أنا أبحث عن عمل لأستيطع أن أفتح بيتا وأعيش كما الآخرين.
صمت لحظة وقال:
- اسمح لي بسؤالك ولو أنه ليس من اختصاصي، لماذا لا يجد رفاقك عملا لك في مؤسساتهم؟
ابتسمت له بسخرية وقلت:
- لأنني لست ملتزما مع أحد، أنا مع الوطن كله.
ابتسم ابتسامة عريضة كأنه لم يتوقع ما سمع مني وقال:
- متى سنرحب بك لدينا؟
فقلت له:
- لا أفكر بالانضمام لأي حزب، أفضل أن أكون صديقا للجميع.
غير من تقاطيع وجهه وقال:
- نرحب بك كصديق.
وقبل أن يتابع حديثه قلت له:
- ها هل سأجد عملا عندكم:
فرد علي قائلا:
- حاليا لا يوجد وظيفة شاغرة، أعطني رقم هاتفك أو عنوانا لك وسأتصل بك في أية فرصة نحتاج فيها لموظف. لكن ماذا ستفعل؟
- أي شيء
- أي شيء؟ لالا أقبل لك ذلك.
- حسنا ماذا تقترح؟
- لو كنت أسيرا من تنظيمنا لن يتركك الإخوة بدون عمل فقد يجدون لك عملا داخل التنظيم وراتبا دائما. غريب أن رفاق دربك تركوك بهذه السهولة، نحن لا نترك إخوتنا.
هززت رأسي وأنا أحدث نفسي قائلا:
- (كذاب، لو كنت من حزبكم وتركته ستصبون غضبكم علي كما حصل مع آخرين أعرفهم)
قطع علي حبل تفكيري قائلا:
- على كل حال عندما تغير رأيك اتصل بي وهذا رقمي الخاص بالمكتب.
حملت الورقة التي قدمها لي، ودسستها في جيبي وسلمت عليه واعدا إياه بلقاء آخر.
غادرت المكتب وأنا ألعن الأحزاب والحزبيين كلهم.»

عاد إلى البيت غاضبا، اسودت الدنيا بوجهه، وصارت شوارع القدس الجميلة سوداء.
والداه أحسا بما هو فيه، قال له أبوه:
-  يا بني هذه مسيرة طويلة، أنت اخترتها لا ليكافئك الناس ولكن لأنك مقتنع بها.
-  ولكن...
-  لا تكمل أعرف أحاسيسك ومشاعرك، لا تقلق لماذا لا تبحث عن عمل في أحد المصانع الإسرائيلية؟
- مصانع إسرائيلية؟ بعد ستة عشر عاما في الأسر؟
-  ولكنك بدون عمل وأمامك بيت وزواج ومستقبل؟ فماذا تفعل، وأنا لا أملك أن أقدم لك شيئا.
-  لا تقلق سأتابع الأمر.

خرج من البيت إلى باب العامود وهناك جلس في مقهى ادكيدك قرب محطة الباصات ومن هناك صار يراقب البسطات التي تملأ جوانب الشارع فهذا يبيع الكعك، وذلك يبيع الملابس، وهذا يبيع الألعاب... إلخ، بدأ يحدث نفسه وهو يحتسي الشاي: «لماذا لا أعمل مثلهم؟»
- أعمل في الشارع؟
- لم لا أحسن من الجلوس في البيت.
- وماذا سيقول الناس؟ بعد ستة عشر عاما في الأسر يعمل في الشارع؟
- ليقولوا ما يقولون، بعد شهر سيتعودون على الوضع.

بعد أسبوع كانت له بسطة في باب العامود قريبة من الباب، كان يبيع الكلسات الرجالية والولادية وللأطفال وكان ينادي كالآخرين ويحث الناس المارين على الشراء.
في البداية تغلب مع الزبائن فمهما طلب منهم يعرضون عليك سعرا أقل، فلو قال لهم عشرة يقولون سبعة تكفي، وإن يطلب سبعة يعرضون خمسة، فصار يطلب أعلى ثم يتنازل في السعر.

تعلم فن الكذب وعرف أن الزبائن لا يحبون الصدق وإن يصدق لن يصدقونه، لم يكن عمله، سهلا أبدا.

كتب في دفتر مذكراته بعد عودته من العمل:

«أصحاب المحلات المجاورة كانوا يتضايقون منا لأننا نعطل عليهم عملهم ونسلبهم بعض تجارتهم مع أنهم دائما يقولون الرزق على الله، والمارة أحيانا كانوا يتذمرون منا لأننا نأخذ حيزا من الشارع الضيق أصلا والمزدحم بالمارة أبدا، وموظفو البلدية كانوا يلاحقوننا لأننا غير مرخصين للتجارة بالشوارع. كنا نعرف كيف نواجه هؤلاء ونتحمل تعليقات المارة ونهرب من موظفي البلدية عندما يهاجموننا، ما إن يراهم أحد الباعة حتى يحمل بضاعته ويهرب وينذر البقية صارخا: (البلدية يا شباب).

موظفو البلدية كانوا يستعينون أحيانا بالجيش الصهيوني لملاحقتنا فقد كنا باعة كثر، ربما لقلة الأشغال، وربما لأنها تجارة أسهل لدى بعضنا. كان عملنا هذا محصورا في أشهر الصيف وبعض أشهر الربيع أما فصل الشتاء والبرد، والريح فلم يكن يجرؤ أحد منا على بسط بضاعته.

سارت الأمور معي لعدة أشهر، وأصبح لدي عمل أعتمد عليه ولو أنني كنت لا أحبه، كان زملائي من الأسرى المحررين أو القدامى يلومونني لاختياري تلك المهنة ويتساءلون: «أنت هنا؟» كنت أجيبهم أنني لم أجد عملا آخر. بعضهم كان يحزن لحالي وينتقد الثورة وأحزابها التي تتخلى عن أبنائها عندما يتوقفون عن الالتزام الحزبي.

لم أعد أهتم بالتعليقات ولا بالانتقادات، فلم يعد الوطن عندي مجرد انتماء حزبي، بل انتماء إلى الشعب والأرض. كثيرون مثلي لم يجدوا عملا فهاجروا من الوطن بعضهم للعمل في دول الخليج وآخرون إلى أوروبا وأمريكا واستراليا وكندا، سمعت أن بعضهم قدم لجوء سياسيا. بعض أولئك كانوا يوما ما في قيادة أحزابهم، لا أفهم لماذا يهاجر المناضلون أوطانهم عندما يستريحون من النضال؟ لمن كانوا يناضلون؟ كان الوطن لديهم وظيفة ما إن يتركونها حتى يهاجروا إلى بلد آخر بحثا عن غيرها. رفضت كل المغريات التي قدمت لي للهجرة من وطني، لا لن أترك الوطن ولو عينت رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية، هنا سأبقى وسأموت. هنا سأشرب كأس وطني كما شرب دريد لحام كأس وطنة في مسرحية
(كاسك يا وطن)، أنا لا أختلف عنه بشيء، ستة عشر عاما في الأسر لأنني أريد للوطن أن يتحرر لا لأهجره بحثا عن بريق مالي مزيف حول البحار.»

في أحد الأيام بينما كان مشغولا مع أحد الزبائن داهمه موظفو البلدية مع بعض أفراد الجيش وقبل أن يلم بضاعته ويهرب ألقوا القبض عليه، صادروا منه كل البضاعة التي قدرها بحوالي ألف شيكل، وقيدوه وحملوه في سيارتهم إلى سجن المسكوبية التي سجن بها يوما ما قبل أكثر من ستة عشر عاما، لم تتغير الغرف كثيرا، لكن وجوه السجانين كلها تغيرت فبدأ يستعيد ذكريات الأمس البعيد، فيما كان الجنائيون اليهود يسألوه: «لماذا أنت هنا؟» وعندما عرفوا أنه ليس من المعتقلين السياسيين تركوه بحاله.

في الصباح عرضوه على القاضي فحكم عليه دفع غرامة مقدارها ألف شيكل فقال للقاضي:
- لقد صادروا بضاعتي التي اشتريتها بفلوسي،
فرد القاضي اليهودي بأنه مسؤول عن ذلك لأنه تاجر بدون رخصة، موظف البلدية قال للقاضي بأنه كان أسيرا سابقا فزاد حقده عليه، وعندما أخبره أنه لا يستطيع دفع المبلغ لأن كل فلوسه كان قد اشترى بها البضائع التي صادرتها البلدية، أمر بسجنه لمدة شهر حتى يدفع أحد من الأهل عنه المبلغ.
كان والده في المحكمة في ذلك اليوم، وقد شعر بالمرارة لقرار القاضي وعجزه عن الدفع لكنه ودع ابنه أمام بوابة السجن قائلا:
- سأطرق كل الأبواب، وستخرج قريبا إن شاء الله.
توجه والده إلى رفاق دربه الذين أمضى نصف عمره مناضلا معهم فقالوا له:
- إنهم لا يدفعون غرامات للبلدية عن أحد.

بعد يومين، كان جالسا في غرفة السجن يفكر بحظه في هذه الدنيا فإذا بالسجان على باب الغرفة يفتح الباب وينادي علىه، قفز على الفور ورد عليه:
- نعم أنا هو.
فقال له:
- الحقني، إفراج.
- إفراج؟
- نعم.

كانت أجمل لحظات حياته، ربما أجمل من التحرر بعد ستة عشر عاما من الأسر، لهذا أفرد لها فصلا خاصا في دفتر مذكراته:

كتب يقول:

«طرت من الفرح قلت في نفسي لا بد أن أحد رفاقي دفع عني الكفالة. طبعا لا يمكن أن ينساني أحد إنهم رفاق درب، رفاق أسر، رفاق الزنزانة، رفاق النضال، لن يتخلوا عني. ماذا لو تقاعدت عن الالتزام الحزبي فأنا ما زلت الابن البار لهذا الوطن المقدس.

بعد أن وقعت على الأوراق اللازمة، وحملت أماناتي التي أخذوها مني عندما أدخلوني السجن (ساعة يد، قلم، بطاقة الهوية، بعض الفلوس...الخ). فتح السجان الباب الحديدي الرئيسي الذي يؤدي إلى عدة درجات لأجد نفسي في ساحة المسكوبية الخارجية ووالدي ينتظرني هناك مع أمي ومعهم شخص ثالث لم أعرفه في البداية.

ترى من يكون هذا؟ أهو مسؤول كبير في الحزب جاء يستقبلني؟! لا لا يمكن أن يأتي هنا قيادي في الحزب لئلا يعتقلونه، من يكون يا ترى؟
هجم علي والدي يعانقني ثم تبعته أمي، قالا لي:
- الحمد لله على السلامة، مش مهم الفلوس، بالمال ولا بالعيال.
بعد ذلك تقدم الرجل لمصافحتي ومعانقتي قائلا لي:
- الحمد لله على سلامتك يا بطل، نورت فلسطين، مثلك مكانه ليس في السجن بل في بيت العز والكرم.
كنت أنتظر أن يعرفني عليه والدي لكنه كان يعتقد أنني أعرفه، رحبت به وعانقته طويلا، حاولت أن أتذكر شكله لكن ذاكرتي خانتني. قلت لنفسي هذا الصوت ليس غريبا علي فمن يكون؟ لم أجد جوابا فتجرأت وسألت والدي:
- لم تعرفني على الأخ الكريم؟
فقال لي مستغربا:
- ألم تعرفه بعد؟
وسألني الرجل معاتبا؟
- أنسيتني بهذه السرعة وأنا الذي ما زلت أحتفظ بصورتك معي في بيتي أتفاخر فيها بين أولادي بأنك صديقي.
- يا إلهي!
ضربت يدي على رأسي، اقتربت من تذكره، نعم إنه هو زميلي أيام الدراسة، ترى ما اسمه؟ ما اسمه؟ يا ربي كيف نسيته؟ كيف أتذكر كل رفاق الأسر ونسيت زميلا كهذا درس معي.
فقال لي مذكرا:
- شارع الزهراء، مدرسة المأمونية، نادية.
أوه تذكرت، نعم تذكرته كنت أذهب معه أحيانا في الصباح فنمر من أمام مدرسة المأمونية للبنات لعلني أرى نادية التي كنت أحبها لأقدم لها رسالة غرام، كنت قد كتبتها لها، إنه زميل قديم لكنه لم يكن يهتم بالنضال ولا بالمنظمات، كان والده موسرا وكان مرفها، وكل همه كان إنهاء دراسته والالتحاق بتجارة والده سألت بصوت عال:
- أنت عماد؟
- أنا هو؟
- لقد تغيرت كثيرا، لا تؤاخذني لم أرك منذ أكثر من عشرين عاما! أين كنت وما أخبارك؟
- انتقلت بعد المدرسة للعمل في الأردن في أحد مشاريع والدي وبقيت هناك، وقد جئت لزيارة الأهل هنا منذ ايام فقررت رؤيتك بعد الإفراج عنك، وعندما أخبرني والدك بما حصل معك جئت بنفسي لأستقبلك مع أنني كان يجب أن أستقبلك عندما تحررت.
فقال لي والدي:
- يا بني لقد دفع عنك الغرامة، وأقسم أنه لن يستردها منا.
- لا لا هذا كثير، إن شاءالله بعد أن أشتغل سأردها له.
- عيب يا صديقي هذا أقل ما نقدمه لمناضل مثلك، لقد قدمت ما يكفي من عمرك للوطن.
حاولت أن أبتسم فعجزت قلت له:
- هيا بنا إلى البيت فلا بد أن أمي حضرت لنا بعض الغذاء، أنا جائع.
- لا تقلق أنتم مدعوون معي.
- إلى أين؟
- إلى مطعم البتراء.
- وأكل أمي؟
- لقد أخبرت والدك من قبل فلم تعد أمك شيئا.
قال والدي:
- لقد أصر الأخ عماد على أن يدعونا للمطعم وحجز طاولة لنا هناك.
قلت له:
- أنا عاجز عن شكرك.
فقال لي ضاحكا:
- هذا غير مقبول منك، أتشكرني لأنني حظيت بشرف ضيافتك؟ أنا الذي أشكرك فأنت من ناضل عنا وضحى عنا وأمضى ستة عشر عاما من عمره خلف القضبان متحديا جلادي الاحتلال.

وأخيرا وجدت من يقدرني، ويهتم بي ويسأل عني.
شعرت ببعض الراحة، لم أصدق أن عماد الذي كان لا يشارك في أية مسيرة وطنية أو مظاهرة أو أي تحرك طلابي هو الذي يأتي ويدفع كفالتي فيما كل الذين طرق والدي أبوابهم من رفاق الأمس سدوا الباب بوجهه، ولم يفكروا حتى في توجيهه إلى الجهة التي يمكن أن تساعده.

كان الغذاء دسما والأكل كثيرا حتى أننا سألناه لم كل هذا؟ فقال مبتسما:
- ولو يا صديقي هذا من خيرك أنسيت أنك صديقي وهناك مثل يقول (رب أخ لك لم تلده أمك)، عدني أخيك فأنت وحيد أبويك وبحاجة لأخ يقاسمك همومك.
خلال الغذاء دار بيننا أحاديث كثيرة كان أهمها سؤاله لي:
- ما رأيك أن تعمل سكرتيرا في مكتب للسياحة والسفر في شارع صلاح الدين؟
- مكتب للسياحة والسفر؟ وماذا بإمكاني العمل هناك؟
- بسيطة، ترد على الهاتف، تسجل المواعيد وتتابع المهمات التي توكل إليك.
- أي مكتب تقصد؟
- مكتب (ألتاليا) مقابل شركة كهرباء القدس.
- وهل تعرف المسؤول هناك؟
- إنه أخي.
- وهل هو بحاجة لموظف؟
- وهل تعتقد أننا سنوظفك بدون عمل؟

شعرت أن الدنيا بدأت تبتسم لي عن طريق هذا الصديق، هل أضيع الفرصة بالتفكير؟ هل أوافق على الفور؟ قلت له بعد ثوان:
- موافق، هل الراتب مناسب؟
- لن يظلمك أحد، ستكون مرتاحا في العمل وإن شعرت بالغبن بلغني فأنا دائم الزيارات للقدس وسوف أوقفه عند حده.
- أنا عاجز عن شكرك يا عماد.
قالت أمي:
- الله يستر عليك دنيا وآخرة، لولاك لم نعرف ماذا نفعل.
فقال لها:
- أستغفر الله يا حاجة، هذا من خير الله، أنت أم أحد أبطالنا الذين نعتز بهم ونفخر ونرفع رأسنا عاليا.

بعد الغذاء نقلني مع والدي بسيارته إلى بيتنا في رأس العامود، وهناك ودعني على أمل أن يراني مرة أخرى قبل عودته إلى الأردن.»


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً