الصفحة الأساسيةقصص وسرد
جورج حبش
الاثنين ٩ أيار (مايو) ٢٠١١
بقلم عادل سالم

كان يحمل صندوقا كرتونيا على كتفيه، يهم بدخول باب العامود متوجها إلى البلدة القديمة في القدس حين أوقفه ثلاثة جنود إسرائيليين كانوا يقفون عند مدخل الباب يراقبون حركة الناس، ويتسامرون معا غير آبهين بشيء.
كان الزمن نهاية سبعينات القرن العشرين.

اشتبه أحد الجنود بالصندوق فتوجه إلى حامله وصاح به بلهجة عربية مشوبة بالعبرية.
-  إنت بونيا (أنت تعال)
توقف الرجل متفاجئا فلم يتعود أن يطلب منه أحد التوقف، فالشعر الأبيض الذي يغزو رأسه كان يشفع له دائما فلا يوقفه أحد.

تسمر في مكانه ثم أشار بيده إلى صدره وسأل الجندي:
- أنا؟
- كين إنت (نعم أنت)
فذهب الرجل إليه، سأله الجندي على الفور:
- هوية؟ (بطاقة الهوية)
أخرج الرجل البطاقة من جيبه، وقدمها إليه.
كانت بطاقة حمراء تشير أن صاحبها من الضفة الغربية وليس من القدس. دقق الجندي في البطاقة، ثم نظر إلى الرجل، حك رأسه ثم عاد يدقق، ظلت عيونه تراقب حركة الرجل، وضع يده على الزناد، تراجع قليلا ثم همس للملازم المسؤول في المجموعة.
ابتعدا عدة خطوات من الرجل، فيما كان الثالث يراقب حركة الناس وعيونه على الرجل، قدم الجندي البطاقة إلى المسؤول وهمس له عدة كلمات.
نظر المسؤول يعقوب في البطاقة، ثم دقق النظر في وجه الرجل، نظر إلى الجندي عزرا وقال له:
- إنه هو.
- هل نسأله عن اسمه؟ هل نتصل بالقيادة؟
- لا داعي سنعملها لهم مفاجأة.

تهامسا، تغامزا ثم هجما فورا على الرجل قيداه وحملا صندوقه الكرتوني وتوجه ثلاثتهم ومعهم السجين الجديد إلى سيارة الجيب العسكرية القريبة وتوجهوا من هناك إلى المسكوبية القريبة من المنطقة.

كان المارون يراقبون ما يجري باستغراب، فالرجل لم يفعل شيئا، ولا يظهر عليه أيه علائم الشبهة.
سألهم عندما قيدوه:
- ماذا تريدون مني؟
- اخرس، يا حبلان (يا مخرب).

كان الرجل يعرف معنى حبلان (مخرب)، فعرف أنهم اشتبوا به.
حاول أن يشرح لهم أنهم أخطأوا في...
لم يتركوه يكمل، ضربوه في صدره بعقب البندقية، فأحس أن صدره ينخلع، توقف عن الحديث وهو يلعن الجنود وإسرائيل، وحظه التعيس.

وصلوا المسكوبية، دخلوا فورا إلى مكتب القيادة،
يجرونه أمامهم، طلبوا منه الجلوس في إحدى الغرف، أغلقوا عليه الباب، توجه مسؤولهم إلى القائد المسؤول همس في أذنه ثم قدم له بطاقة الهوية.
نظر إليه القائد مستغربا ثم سأله:
- هل أنت متأكد؟
- نعم إنه هو في الغرفة رقم ثلاثة.
هز القائد رأسه، لم يصدق، قلب بطاقة الهوية شمالا ويمينا، دقق في الصورة، حمل البطاقة وتوجه إلى غرفة رقم ثلاثة، فتح الباب، دقق النظر في المعتقل الجديد، ثم عاد بابتسامة ساخرة.
لا يمكن أن يكون هو، فصورته عندنا تختلف كثيرا، ثم كيف يأتى إلى هنا؟ هل غير شكله؟ هل تسلسل للقيام بعمليات عسكرية؟؟
- لكن كيف يحمل بطاقة هوية إسرائيلية؟ كيف حصل عليها؟

أخذ القائد بطاقة الهوية وتوجه إلى قسم التحقيقات، وسألهم إن كانت البطاقة أصلية فقالوا له إنها أصلية وليست مزيفة، وإن صاحبها من بيت لحم.
حمل القائد البطاقة وقال لنفسه:
- ما أغباني لو كان هو لما استخدم نفس الاسم.
هل هو غبي؟ ربما.
توجه إليه في الغرفة التي احتجزوه بها، سأله:
- ما اسمك؟
- جورج حبش من بيت لحم. أنا ...
فقاطعه:
- أين ولدت؟
- في بيت لحم

تركه ثم ذهب إلى مكتب القيادة وبعد دقائق عاد مع شخص آخر يضع عدة نجم على كتفه يحملون صورا وعدة أوراق، وتوجهوا إلى جورج حبش مرة أخرى، نظروا إليه ودققوا النظر، بعد ثوان نظر كل منهما إلى الآخر، ثم بدأوا يضحكون بصوت عال.
يا لنا من أغبياء.
سأله أحدهم:
- لماذا اسمك جورج حبش؟
- لا أعلم أبي سماني جورج، ونحن من عائلة حبش.
- هل تعرف زعيم المخربين جورج حبش؟
- لا لا أعرفه.
هل هو قريبك؟
- أبدا عائلتنا من بيت ساحور، وبيت لحم.
- ماذا تحمل في الصندوق؟
- قطعا خشبية للتحف كنت متوجها إلى أحد المحلات لبيعها في شارع الواد.
نظرا إلى التحف، قال أحدهم.
- تحف جميلة، هل أنت الذي تصنعها.
- نعم.
- حسنا احمل صندوقك وانصرف.

خرجا إلى الجنود، تقدم القائد ذو الرتبة الأقل وقال لهم:
- هذا ليس هو، إنه يحمل نفس الاسم.
قدم لهم صورته التي يحملها وقال لهم:
- انظروا هذا جورج حبش الذي نبحث عنه.
نظر الجنود ببعضهم، احمرت وجوههم، شعروا بالخجل لكنه أنقذهم من ورطتهم قائلا:
- لكنكم أحسنتم عملا، وسآمر بدفع مكافأة لكم على انتباهكم وحسكم الأمني العالي.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً