الصفحة الأساسيةقصص وسرد
اللعنة على الصورة
الأحد ٢٢ أيار (مايو) ٢٠١١
بقلم عادل سالم

حرام علي، لقد تركتها معلقة تحلم بي كفارس أحلامها، وكزوج للمستقبل، لماذا اشتريت لها الخاتم إذن؟ هل سأسترده منها؟ لا لا أريد منها شيئا أريدها أن تتقبل الواقع. ترى أية كذبة محكمة سأكذبها عليها؟ ماذا سأقول لها؟
بعد تفكير طويل وصلت إلى الحل. بعد وصولي بأيام اتصلت بها هاتفيا وقلت لها:
- حبيبتي، هل تعرفين أين أنا؟
قالت وهي تبتسم بصوتها الناعم الرقيق:
- بالبيت؟
قلت وأنا أتصنع الألم:
- كلا أنا...
وبدأت أبكي، ثم تابعت:
- أنا في المستشفى،
- ماذا حصل لك؟
- أصبت بجلطة قلبية وأنا الآن بالمستشفى.
- سلامتك حبيبي، سلامتك، ليتني بجانبك لأقف معك.
تغير صوتها وبدأ حزينا، قلت لها:
- ليتني لم أعرفك يا حبيبتي، أنا حزين...
- لم أفهم ماذا تقصد؟
- الدكتور قال لي أنني مصاب بمرض القلب وأنني ممنوع من الزواج لأن العملية الجنسية خطر على قلبي وقد تؤدي إلى الوفاة...
- ماذا، ماذا تقول؟
- هكذا قال، ولكني قلت له لن ألتزم بما تقول، فلدي خطيبة تنتظرني، وعندما سمع أبي بذلك صادر مني جواز سفري، وقال لي: «يجب الالتزام بأمر الطبيب».
بدأت تبكي وتقول:
- اللعنة على الدكتور، اللعنة على هذا المرض... ألا يوجد أمل بالشفاء؟
- على ما يبدو لا أمل، أحمد الله أنني عرفت بمرضي قبل أن نتزوج كي لا أعطل عليك مستقبلك.
صمتُّ قليلا ثم قلت وأنا أبكي حقيقة وليس كذبا.
- أتمنى لك الخير والمستقبل الزاهر، الخاتم والكاميرا وما قدمته من هدايا لك مني هدية، وسأرسل ألف دولار هدية ثانية، وآمل أن نظل صديقين.
- لا أعرف ماذا أقول لك؟ الآن تعبت. سأتحدث معك غدا، إلى اللقاء حبيبي.

أغلقت السماعة، كنت أبكي كالأطفال رغم أنني حققت هدفي وتخلصت منها، كان صوت يهمس في أذني دون أو أراه:
- لماذا تبكي؟ هل رق قلبك لحالها؟ هل تشعر الآن أنك حطمت أحلامها، وأنت الذي يتباهى أنك ما كنت تحب أن تحطم حلم أحد؟ هل تشعر بالذنب؟ ألا يكفي كل ما قدمته لها من هدايا؟ لا ترد علي، أعرف أنك ستقول أن مشاعر الناس وأحلامهم لا تقاس بالفلوس، لكن ما ذنبك؟ لقد خدعتك الصورة، الصورة هي السبب.

هل فعلا السبب الصورة؟ أم مزاجي الخاص بالنساء؟ اللعنة على النساء، لماذا لكل منهن إثارتها الخاصة؟ لالا اللعنة علي فأنا شرعت باتخاذ القرار، لا لن ألعن نفسي، فما قمت به كان صائبا، اللعنة على الصورة، الصورة هي السبب، الصورة كانت خادعة، لن أصدق الصور بعد اليوم، لن أصدق أية صورة، ولن أطلب صورة أية فتاة بعد اليوم.

عندما قررت الزواج بدأت أبحث حولي عن فتاة مناسبة لعش الزوجية، فتاة تعجبني وتدخل قلبي، لم أستشر أمي ولا أحدا من أقاربي فقد قررت أن أخوض غمار التجربة وحيدا.

كنت أعرف فتيات كثيرات، من ابنة الجيران إلى زميلاتي في الجامعة، إلى زميلات العمل، وغيرهن تعرفت عليهن في مناسبات كثيرة. لم يكن سهلا علي اتخاذ القرار في هذا المجال، فعندما أحكم عقلي أختار إحداهن ولكن عندما أحكم عواطفي ومشاعري أختار غيرها، من كنت أرغبها زوجة تزوجت كأن الخطاب كانوا على باب بيتها مثلما كان القمر ينتظر أمام باب المطربة الراحلة فايزة أحمد رحمها الله فاحتارت أن تنادي له أم تقفل الباب وتتركه بانتظارها.

في الزواج أنا رجل متقلب الآراء، لا يعجبني العجب ولا الصيام في رجب، علياء كانت أقربهن إلي، كنت أعدها صديقة عزيزة وأفشي لها ببعض أسراري، كنت على وفاق معها لكن عندما عزمت على الزواج فعلا لم أخترها رغم أنها الأنسب لي. بصراحة لم تكن تثيرني، فأنا شاب لم يتزوج من قبل وأحمل في قلبي نارا أبحث عن امرأة تعرف كيف تطفئها منذ أول نظرة. أبحث عن امرأة النظر إليها يروي بعض ظمئي. لكل رجل امرأة تثيره، بعضنا تثيره المرأة الطويلة، وآخرون تثيرهم المرأة الشقراء، أو السمراء، أو النحيفة أو.... إلخ.

وأخيرا وجدتها، نعم إنها هي التي أبحث عنها، دققت النظر في الصور التي استلمتها منها جيدا فرأيت كل ما أبحث عنه، تعرفت عليها عبر الشبكة العنكبوتية، يا لهذه الشبكة التي حولت أحلامنا إلى واقع ملموس. في البداية تراسلنا للتعارف ومع الأيام بدأت أشعر بالانجذاب لها فطلبت منها أن نتبادل الصور فلبت سريعا كأنها كانت مثلي تبحث عن شريك حياة.

بعد فترة اقترحت عليها أن نستخدم برنامج السكايبي للمحادثة المباشرة على الشبكة، فوافقت بعد تمنع، فرحت لموافقتها، كانت جميلة أمامي كنت أتحدث معها وأنا أدقق النظر فيها، شعرت كأنها تدغدغني في كل مكان.

تمنيت حينها لو أن الزمن يتقدم بسرعة، وتصبح زوجتي، ترى ما هو شعوري في تلك اللحظة؟ أي رجل محظوظ سأكون أنا؟

كان صوتها ناعما ينساب كالنسيم العليل، سحرتني لكن كيف سأقابلها؟ وأين فهي في دولة وأنا في دولة أخرى؟ هل أسافر لها؟ ولكن تحت أي مبرر سأسافر؟ وماذا سأقول لها؟ هل يسمح لها أهلها بمقابلتي.
قلت لنفسي:
- آن الأوان كي أصارحها بالموضوع.
سألتها ذات مرة:
- فاتنة أتتزوجيني؟
- ماذا؟ ماذا قلت؟
- قلت إنني أحبك وأعرض عليك الزواج فهل تقبلين بي؟
- زواج؟
كانت السعادة بادية على وجهها، قالت:
- كيف وأنت في بلاد بعيدة؟
- سآتي لعندك وأتزوجك وآخذك معي.
صمتت ثم قالت:
- ومتى ستأتي؟
- الآن إن أحببت.
ضحكت وقالت:
- أنا بانتظارك.
- وأهلك هل سيوافقون؟
- لم لا ألست أهلا لابنتهم؟
- فاتنة أنا سعيد بموافقتك، غدا سأحجز تذكرة بالطائرة وسأكون عندكم في أقرب فرصة، أحبك أحبك أحبك.
- وأنا أيضا.
- أنت ماذا؟ قوليها، أسمعيني إياها.
- أحبك، أحبك، أحبك.
- الله ما هذا الكلام الجميل الذي انتظرته طيلة عمري.

لم أنتظر كثيرا فقد عزمت على السفر للقائها وخطبتها من أهلها، اشتريت تذكرة السفر إلى البلد التي تعيش فيها وحملت معي بعض الهدايا وكرت الائتمان المفتوح، وبعض الفلوس لأشتري لها دبلة الخطوبة، وطرت بعد أيام إليها.

عندما وصلت فوجئت بالروتين الممل في المطار، ما زالت المطارات العربية متخلفة في الخدمة وفي الاستعدادات، كنت أتوقع المطار أكبر وأجمل، لكن لم أحضر إلى هنا من أجل المطار، عندما عرف موظف الجوازات أنني عربي وليس أوروبيا أو أمريكيا وضع جواز سفري جانبا ومضى يختم جوازات سفر الأوروبيين، سألته لماذا أخرت جواز سفري؟ فأشار إلي بعينيه إشارة لم أفهمها، بعد قليل شاهدت مسافرا عربيا مثلي يخرج قطعة نقد لم أعرف قيمتها ووضعها في جواز سفره ثم قدمها للموظف فأعاد له الجواز مختوما.

عرفت السر إذن، العرب عليهم دفع بدل الدخول (رشوة). ماذا أفعل؟ هذا قدري. أخرجت من جيبي عشرين دولارا ووضعتها بالخفية في يدي ثم قدفتها له من الشباك دون أن يراني أحد.

أخذ جوازي، ختمه وأعاده وهو يقول مبتسما:
- مرحبا بك في وطنك!
قلت لنفسي:
- نعم أشعر أنه وطني، ولكن مثلك عالة على الوطن.

خرجت من المطار فوجدت الناس بالمئات ينتظرون أقاربهم، ولمحت لوحة مكتوب عليها اسمي، عرفت أن حاملها ينتظرني توجهت إليه، فرحب بي وقال إنه السائق المكلف بإحضاري، سألته:
- هل معك أحد؟
فقال:
- نعم إنها هنا ألم تعرفها؟
وأشار إليها بإصبعه. كانت تقف بجانبه ذهلت عندما رأيتها، لم تكن بالشكل الذي شاهدته بالصورة، كانت صورتها أجمل، أكثر إثارة، بدت لي على حقيقتها قصيرة القامة، رفيعة....

سلمت عليها بفتور لكني حاولت اصطناع اللقاء، شددت على يدها، وبدون تفكير احتضنتها، وطبعت على خدها قبلة مصطنعة، كانت معها أختها. سلمت عليها، رحبا بي وتوجهنا جميعا إلى بيتهم.

في الطريق جلست وحيدا معها في المقعد الخلفي وجلست أختها بجانب السائق كأنها أرادت أن تتركنا وحدنا نتبادل أحاديث الهوى، ليتها تعرف أن ذلك الشوق إلى لقاء أختها قد انطفأ منذ النظرة الأولى، نعم انطفأ.

شعرت ببرود وأنا أجلس بجانبها، صرت وأنا أحدثها مجاملة أسأل نفسي:
- هل هذه زوجة المستقبل؟ لا يمكن أبدا، لم أجد فيها الإثارة التي وجدتها في الصورة، هل خدعتني؟ هل اصطنعت الصورة؟ الناس عندما يلتقطون صورا لهم يحاولون أن يظهروا بأجمل شكل، يلبسون أجمل ما عندهم ويوجهون الكاميرا بالاتجاه الذي يظهرهم بأجمل شكل.
هل هي السبب؟ أم أنا؟ لماذا لا تثيرني هذه المرأة الجالسة بجانبي رغم العطور الرائعة التي تفوح منها كوردة جميلة يتسابق النحل على امتصاص رحيقها؟ ماذا دهاني؟
هل أنا غريب عن الناس؟ غريب عن العالم؟ لا أعرف كل ما أعرفه أنها لم تعد تثيرني.

اللعنة على تلك الغريزة التي تتحكم بنا وتفرض علينا أن نحب هذه ونكره تلك، لماذا لم يخلق الله الناس كلها على شكل واحد ويريحني من هذه الحيرة؟ المهم ماذا أفعل الآن؟ هل سأتزوجها؟ أعوذ بالله. هل سأعتذر لها؟ نعم، ولكن كيف؟ أخاف أن أقول لها الحقيقة. أخاف أن أجرحها، أخاف أن أحطم مشاعرها. ما ذنبها أنها غير مثيرة بالنسبة لي؟ لعلها حلم كثير من الشباب غيري أنا.
بعد تلك التساؤلات قررت التخلص منها بأدب.

عندما وصلنا بيتهم كان والدها وأخوها وأختها الثالثة بانتظارنا.
رحبوا بي جميعا، وحولوني إلى مائدتهم للأكل.

لم أكن جائعا لكني شاركتهم الأكل. تحدثنا طويلا، وعرفت من خلال حديثهم أنهم طيبون وأناس يسعد المرء بمصاهرتهم.
عرضوا علي النوم عندهم لكنني رفضت طبعا فقد كنت قد حجزت للنوم في الفندق فغادرتهم مساء إلى الفندق وعدت لهم في اليوم التالي لأخطب ابنتهم.

لم أصدق نفسي أخطب ابنتهم وأنا أعرف سلفا انني لن أتزوجها. لكن لم يكن لدي خيار آخر. كنت غير قادر على تركها ومغادرة البلاد. لا أريد أن أجرح مشاعرها. ماذا أقول لها؟

هل أقول: (أعتذر فقد كنت بالصورة أجمل)؟ اللعنة على الصورة لقد خدعتني. لا أعرف كيف صدقت الصورة. الآن عرفت لماذا تبدو الممثلات جميلات! ربما لو رأيتهن على حقيقتهن لغيرت رأيي بكثير منهن.

خطبتها من أهلها، وذهبت معها إلى السوق في اليوم التالي واشتريت لها خاتما من الذهب والألماظ بحوالي ألف دولار وقضيت معها سهرة جميلة في أحد مطاعم البلد. أحمد الله أن تذكرة سفري كانت لمدة أسبوع فقط، وحضرت نفسي للعودة بعد أن وعدتها أن أعود بعد شهر للزواج بعد أن أقوم بجميع الإجراءات اللازمة لأخذها معي حيث أقيم.

ودعتها بعد أن عانقتها وتركت معها الكاميرا لكي نلتقط أجمل الصور في شهر العسل!
عدت حيث أقيم، شعرت بأن كابوسا كبيرا قد أزيح عن كاهلي. وبدأت طوال الطريق أعيد حساباتي...

ترى هل ما فعلته كان صوابا؟ هل أخطأت؟ هل تسرعت؟ هل أستمر في العلاقة معها وأتزوجها؟ هل...؟ هل؟...
لم أصل إلا إلى جواب واحد، لا أستطيع الزواج منها! ليس فيها ما يثيرني، لعلها غير مناسبة لي، كيف التخلص منها الآن؟


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً