الصفحة الأساسيةقصص وسرد
رسالة عاجلة
الأحد ٢٩ أيار (مايو) ٢٠١١
بقلم عادل سالم

عاد هشام إلى بيته بعد انتهاء عمله في فندق الإنتر كونتننال مشيا على الأقدام، فقد كان يسكن في جبل الطور، ليس بعيدا عن موقع عمله، كانت الساعة حوالي الواحدة بعد منتصف الليل، الجو رائع، صورة البلدة القديمة أمامه كنجم يتلألأ في السماء، صعد الشارع الرئيسي، وعندما اقترب من مستشفى المقاصد انحرف إلى طريق جانبية وتابع سيره في الشارع المحاذي. فجأة شاهد رجلا أمامه يسير بشكل متعرج، قال لنفسه:
- لا بد أنه أحد السكارى.
راقب هشام سيره بدقة فلاحظ أنه يتمايل، لذلك حاول الابتعاد عنه، وعندما اقترب منه أسرع الخطو للابتعاد عنه، انتبه له الرجل فلحقه، أمسك به ثم سأله:
- ما الساعة؟
نظر هشام إلى ساعته وقاله له:
- الواحدة وخمسة دقائق.
تابع هشام سيره، لكن الرجل لحقه مرة أخرى وقال له:
- ألست هشام الذي يعمل في الفندق؟
استغرب هشام كيف عرفه الرجل، لكنه فضل التخلص منه فهو لا يرغب بأحاديث جانبية،
فقال له:
- نعم، دعني أنا مستعجل.
تخلص منه هشام وأسرع الخطوات.
لكن الرجل لحقه مرة أخرى وأمسك به وهو يترنح وعيناه تشعان احمرارا، لكن هشام دفعه وتابع سيره فسقط الرجل على الأرض.
ناداه الرجل وهو ملقى على الأرض.
- هشام لا تتركني دخيلك، ارجع بالله عليك.
لم يرد عليه هشام، تابع سيره لثوان حتى اختفت أصوات هذا الرجل، نظر إلى الخلف فرآه ملقى على الأرض، فشعر أن الرجل أصيب بعد ارتطام رأسه بالأرض، أحس بالذنب فقرر العودة لمساعدته على النهوض، كان خلال عودته يتساءل:
(لكني لم أشم رائحة الخمر المنبعث من فمه، ربما إذن يكون قد تعاطى جرعة كبيرة من المخدرات).
وصله هشام ورآه يحاول النهوض فساعده، ثم سأله:
- ماذا تعاطيت؟ مخدرات؟
ابتسم الرجل وقال:
- هل أبدو لك بأنني مدمن على المخدرات؟
- ما بك إذن؟ مالك تترنح في سيرك؟
فكشف له الرجل عن جنبه الأيمن، فشاهد هشام جرحا صغيرا ودما ينزف أسفل الجاكيت، بهت فسأله.
- هل أنت جريح؟ من فعل بك هكذا؟
- أصبت من الجيش الإسرائيلي.
- متى ولماذا؟
فقال الرجل:
- دعك من الأسئلة، أريدك أن تخدمني؟
- ماذا هل أنقلك إلى المستشفى هنا؟
- لا اسمعني جيدا لا تهتم بجرحي، أريدك أن تذهب إلى البلدة القديمة إلى... في شارع ... وبلغ أنور رسالة مني.
-  الآن؟
-  نعم الآن؟
- وماذا تريدني أن أقول له؟
- قل له يسلم عليك أبو فراس، الهدية وصلت.
سيسألك أي هدية؟ قل له: «قميص أحمر مع وردة على اليسار»، ثم بلغه أنني مصاب.
- وأين سيجدك؟
- لا تقلق علي بلغه الرسالة وشكرا، هل أعتمد عليك؟
هز هشام رأسه وقال: «ستصل الرسالة».

ترك هشام الرجل يسير مترنحا يضع يده على عدة ضمادات حول الجرح، وتوجه من الشارع الفرعي المؤدي إلى باب الأسباط مباشرة من خلف مستشفى المقاصد مرورا بالسيدة العذراء.

عندما وصل إلى باب الأسباط كان الوقت متأخرا، الساعة حوالي الواحدة النصف، يسير وحيدا في هذه الساعة. فجأة لاحظ دورية لحرس الحدود يقفون مع سيارتهم العسكرية قرب الباب، فلم يصعد إلى باب الأسباط، وتابع سيره. وعندما وصل إلى مفترق طرق، الطور، وادي الجوز مقابل المقبرة الشمالية، شاهد سيارة عسكرية تتجه نحو باب العمود، فقرر العودة إلى البيت وإيصال الرسالة صباحا. ماذا سيقول للجيش لو سألوه إلى أين أنت ذاهب؟ ولماذا أنت هنا؟

عاد إلى بيته في الطور وهو يفكر بأمر الرجل، ومن يكون وراءه ولماذا وثق به، وماذا تعني الرسالة؟ هل سيتعرض لخطر إذا بلغ الرسالة؟ هل سيعترف عليه أحد إذا تم اعتقالهم؟

ظل سهران حتى الفجر، بعد ذلك غلبه النعاس فنام لم ينتبه له أحد عندما عاد ولماذا تأخر.
في الصباح استيقظ هشام متأخرا كغير عادته، نظر إلى الساعة كانت تشير إلى العاشرة صباحا، أحس بذعر شديد، قفز من مكانه، غسل وجهه ولبس ملابسه، وخرج بسرعة بعد أن بلغ زوجته بذلك.
قالت له:
- إلى أين؟ لم تتناول الفطور.
- لدي مهمة عاجلة وسأعود.
- لماذا تأخرت ليلة أمس؟
تلعثم في الحديث ثم قال:
- كان لدي بعض الأعمال التي طلب مني إنجازها قبل تركي العمل.
- حسنا سأنتظرك على الغذاء.

غادر هشام البيت على عجل متوجها إلى البلدة القديمة وصل إلى الشارع المطلوب، كان المارة بعض النساء والأولاد ورجل عجوز، بحث عن البيت حتى وجده لم يسأل عنه حتى لا يثير شكوك المارة، ضغط على جرس الباب ففتح له بعد ثوان امرأة تبدو في الأربعين من العمر، سألته:

- من أنت و ماذا تريد؟
- أريد السيد أنور.
- ابني أنور؟! ماذا تريد منه؟
بلع ريقه ولم يعرف ماذا يقول، إذا كان أنور ابنها فلا بد أنه شاب صغير، لكن الرجل الذي حملني الرسالة كبير السن هز رأسه وقال:
- هل أستطيع رؤيته لدي أمانة يجب أن أسلمه إياها.
- أمانة؟! أية أمانة؟ أنا أمه أعطني إياها.
- ألا أستطيع رؤيته؟!
- إنه الآن بالمدرسة.
- بالمدرسة؟! أهو طالب؟!
- طالب بالتوجيهي وهذه سنته النهائية. فماذا تحمل له لقد أقلقتني.
احتار هشام ماذا يقول لها. بعد تردد سألها:
- في أي مدرسة هشام؟!
- إنه في الكلية الإبراهيمية في الصوانة.
- عرفتها، حسنا سأذهب إلى هناك.
فقالت أم أنور وقد استبدت بها الشكوك:
- لقد بدأ الفأر يلعب بعبي، ألا تقل لي ماذا تريد وتريحني ماذا تريد من أنور، إنه مثل أولادك. اتركه بحاله. فهذه السنة آخر سنه له بالمدرسة.
شعر هشام بالإهانة وقال لها:
- لا تقلقي يا حاجة، أنا لا أعرف أنور وقد حملني صديق له أمانة.
فقاطعته:
- أمانة ولماذا لم يوصلها بنفسه؟ أي صديق هذا، كل أصدقائه معه الآن في المدرسة.
شعر هشام أن الوقت يمر دون فائدة فاعتذر منها وقفل عائدا باتجاه الكلية الإبراهيمية.

ركب الباص المتجه إلى الطور ونزل قرب الإبراهيمية منظر المدرسة ذكره بأيام الدراسة.
وقف أمام الباب وقبل أن يدخل سأله الحارس:
- أي خدمة؟
- هل أستطيع مقابلة الطالب أنور؟
- أنور ماذا؟
- أنور الحسان.
- هل أنت والده؟
- لا.
- قريبه؟
- تقريبا.
اشتبه به الحارس فسأله:
- وماذا تريد منه؟
- أريد الحديث معه لمدة دقيقة.

اتصل الحارس بمكتب الإدارة فأبلغوه أن الزيارات مسموحة فقط للآباء، وأن الحسان الآن يخضع مع بقيه الطلبة في صفه لامتحان الفصل.
- امتحان؟ ومتى يخرج الطلاب من المدرسة؟
- الساعة الواحدة والربع.
- حسنا سأعود لاحقا.

عاد هشام إلى بيته وهو متوتر الأعصاب. ما الذي يخبئ له القدر؟! لماذا التقى هذا الرجل في طريقه وأي أمانه حمله إياها؟! طالب مدرسة!! ماذا سيفعل طالب مدرسة؟ لماذا قبلت إيصال الرسالة؟ هل أوصلها أم أنسى الموضوع؟ لكن الرجل اعتمد علي، لعلها رسالة مهمة، سأعود في الموعد المحدد لانتظاره.

عاد هشام الساعة الواحدة ليقف أمام الكلية الإبراهيمية ويسأل الطلاب المغادرين عن أنور، فجأة لمحه الحارس فناداه قائلا:
- يا أخ؟
ذهب هشام إليه، ليسأله عما يريد، فقال له:
- مدرس الحصة الأخيرة تغيب اليوم فغادر طلبة الصف الذي يتواجد به أنور الساعة قبل موعد الدرس الآخير
- اللعنة ماذا تقول؟
- ماذا أفعل لك، لقد تغيب الأستاذ، كان مريضا.
ضرب هشام رأسه بيده واشتد به الغضب، وغادر موقعه متوجها مرة أخرى إلى بيت أنور، ضعط على زر الجرس، ففتح الباب له شاب طويل القامة.
سأله هشام:
- هل أنت أنور؟
- لا أنور أخي من أنت؟
سمع أنور الحوار فجاء إلى الباب سائلا:
- من يريدني؟
- هل أنت أنور؟
- نعم.
- أنور الحسان؟
- نعم، من حضرتك؟
- أريدك بأمر خاص لدقيقة. هل تخرج معي إلى الشارع؟

فهم أنور أنه لا يريد أن يسمعه أحد فطلب من أخيه الدخول إلى الداخل وتركه مع هشام وحدهما.
عندما اطمأن هشام أن لا أحد يسمعهما قال له هامسا:

  • عندي لك رسالة شفوية من أبو فراس.
    التفت أنور حوله ليتأكد أن لا أحد يسمعه، ثم سحب هشام إلى الخارج وأغلق الباب وسأله:
  • ماذا تقول الرسالة؟
  • الهدية وصلت.
  • أي هدية؟
  • قميص أحمر مع وردة على اليسار.
    ابتسم أنور وسأله:
  • وكيف حال أبو فراس؟
  • إنه مصاب بجنبه الأيمن.
    انتفض أنور وقال له:
  • مصاب؟
  • متى كان ذلك؟
  • ربما بالأمس عندما رأيته بالصدفة وأنا عائد من العمل، أقصد صباح اليوم الساعة الواحدة صباحا.
  • ولماذا تأخرت في الرسالة؟
  • حاولت الحضور في الليل فشاهدت دورية للجيش في الطريق فخشبت أن يعتقلوني، وفي الصباح عندما حضرت لبيتك كنت في المدرسة، وعندما لحقت بك إلى المدسة كنت في الامتحان ....
  • حسنا، حسنا لا تكمل أنا مضطر للمغادرة، شكرا لك على معروفك. لا تذكر فحوى الرسالة لأحد كأنك لم تعرفني.

غادر أنور البيت على الفور دون أن يبلغ أحدا فيما توجه هشام عائدا إلى بيته، بعد أن طلب من زوجته على الهاتف أن تعد لهما طعام الغذاء.

شعر هشام بالراحة لتوصيل الرسالة، وأحس بأن هما ثقيلا قد أزيح عن كاهله لكنه كان يحاول فك رموز الرسالة فلم يعرف. كان يتمتم في داخله كأنه يحادث نفسه:
- ماذا جرى مع الرجل الجريح؟ هل توجه لمستشفى المقاصد؟ لماذا أقلق بالرجل وقد أوصلت الرسالة؟ يجب أن أنسى ما حصل، بل يجب أن أنسى حتى اسم أنور نفسه. الحمد لله أنه لم يسألني عن اسمي، ولم يعرف من أنا.

في اليوم التالي كان هشام يسير في شارع السلطان سليمان عندما هاجمه ثلاثة رجال وانهالو عليه ضربا، ثم أمسكوه وسأله أحدهم:
- أين الولد؟
- ولد؟ أي ولد؟ من أنتم؟
- نحن أهل أنور الحسان الذي خطفته.
- خطفته أنا لم أخطف أحدا.
- أنت كذاب، أنت الذي جاء بالامس وادعيت أنك تحمل أمانة من صديقه، لقد تعرف عليك أخوه وأمه.
- يا جماعة اهدأوا، هناك سوء فهم.

التم عليه بعض المارة فحجزوا بينهم ثم حاولوا تهدئة الموقف. كان هشام محتارا أمام ما يسمعه بأن أنور غادر البيت معه ولم يعد. ماذا سيقول لهم؟! هل يقول الحقيقة؟ هل يكشف سر الرجل؟ لقد أوصاه أنور أن لا يفشي سر الرسالة لأحد.
نظر إليهم وقال:
- لقد بلغت أنور أن صديقا له يسلم عليه.
فقال له أحدهم:
- عدت للكذب.

وعادوا يضربونه حتى فقد وعيه، ولم يستعيده إلا وهو في مستشفى المقاصد بالطور، وحوله زوجته وعدد من أقاربه الذين أقسموا أن يثأرو له.
نظر إليهم، وهدأ من مخاوفهم وقال لهم:
- لا تقلقوا أنا بخير
سأله أخوه:
- هل تعرف الذين ضربوك؟
- لا لا أعرفهم، لقد تشاجرنا فجأة بالطريق، وحصل ما حصل.
فقال ابن عم له:
- ما أوصافهم؟
- قلت لك لا تقلق يبدو أنهم من الشمال وكانوا في زيارة للقدس.

رفض هشام كل محاولات أهله معرفة هوية الجناة للثأر منهم، كان يخشى على السر أن يفتضح، لكنه أصبح قلقا على مصير أنور. ترى هل كانت الرسالة السبب. لماذا لا يتصل بهم؟ كل شاب اليوم يحمل هاتفا خلويا، اللهم اجعله خيرا.

بعد يومين كان هشام وحيدا في غرفته في المستشفى بانتظار زوجته ليغادر المستشفى، فجأة سمع طرقا على الباب، فقال:
- تفضل.
فتح الباب وأطل وجه أنور ومعه أمه وأبوه، كان أنور يحمل سلة ورد كبير مكتوب عليها (الحمد لله على السلامة يا هشام)،
بهت بهم ثم قال:
- أنور؟
- هشام لا تتحرك أنا جئت لأعتذر لك مع أمي وأبي.
اغرورقت عينا هشام بالدموع، وقال:
- الحمد لله أنك عدت سالما وظهرت الحقيقة، لماذا لم تبلغهم أنك ستغيب عن البيت؟ ماذا حصل معك؟
تقدم أبوه وعانق هشام وقبله من جبينه وقال معتذرا:
- يا بني تقبل اعتذاري عما حصل أنا مسؤول ومستعد للحق ولأي تعويض تطلبه.
بكى هشام من حرارة الموقف وقال:
- لم أتوقع أن أتعرض للضرب لذنب لم أرتكبه:
- أخي هشام لقد وضح لي ابني ما حصل وأنه غاب دون معرفتك، نحن مذنبون، لكنا جزعنا على ابننا الذي خرج معك ولم يعد، ولأنك غريب وأكبر سنا منه ولست من أصدقائه، اشتبهنا بك، لعن الله الشيطان لقد وسوس في صدورنا أنك السبب. سامحنا.
فقال هشام:

  • سامحتكم، ومتنازل عن حقي.
  • لقد دفعنا حساب المستشفى بإمكانك أن تغادر معنا إن أحببت.
  • الحساب دفعتموه؟ لا لا يمكن.
  • كيف ونحن السبب؟ نحن مدينون لك بالكثير.

بعد انتهاء الزيارة غادر الوالدان الغرفة مودعين فيما بقي أنور لدقائق يواصل اعتذاره لهشام.
سأله هشام:
- لماذا اختفيت؟
- ذهبت لتوصيل الرسالة، وتكليف أحد الأطباء بعلاج أبو فراس.
- ألم تستطع الاتصال بالأهل؟
- في مثل تلك المهمات أغلق الهاتف وأسحب البطارية منه حتى لا يستطيع أحد كشف مكاني إلكترونيا:
بهت هشام، وسأل:
- وهل يستطيعون تحديد مكان أحد عبر الهاتف؟
- إن أرادوا ذلك!
هز رأسه وقال:
- الحمد لله أن أبناءنا أصبحوا أكثر معرفة منا. وكيف حال أبو فراس؟
- اطمئن، هو بخير، أستودعك الله ، لا تنس.
قاطعه هشام.
- سرك في بئر.
تعانقا ثم غادر أنور الغرفة لاحقا والديه.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً