الصفحة الأساسيةتحت المجهر
دلالة المكان في أقصوصة العنكبوت لعادل سالم
عائشة التركي - ناقدة وكاتبة تونسية
الثلاثاء ١٩ تموز (يوليو) ٢٠١١

لا يحق لمن تصدّى بالنقد لعمل أدبي أن يفصل بين عناصره إلاّ فصلا منهجيا وذلك لترابط الأشكال مع المضامين في النصوص جميعها على اختلاف أنماطها الأدبية. ولكن بعض العناصر في النص الأدبي قد تفرض أن يركز عليها الناقد جهده لما لها من دالة على مقاصد الكاتب الذي أولاها حظوة فنية، لغوية جعلتها الأبرز من بين كل المكنونات. وقد يصبح هذا الكلام أدق حين ننظر في الأقصوصة بالذات لأنها تنهض على الاختزال والإيحاء ولا مجال فيه للإفاضة والتزيد .ومن هذا المنطلق يشتغل الكاتب على كل مكونات النص ولكن نراه ينتخب أدّلها على فكرته ليظهره. وهذا ما رأيته في جملة من أقاصيص عادل سالم من تركيزعلى السجن .وهو الأديب الفلسطيني المهاجر الذي عرف السجن (في شبابه بعد أن اعتقل من قبل السلطات الاسرائيلية مرتين بتهم سياسية و أمضى 33 شهرا خلف القضبان .. كما فرضت عليه الإقامة الجبرية ...) [1] وقد كان لتجربة السجن صدى في كتاباته وحضور في جل الأقاصيص. وأقصوصته "العنكبوت" [2] فضاء احتضن الحدث ومجال تحركت فيه الشخصيات ولكنه أراد له أكثر من ذلك حين شحنه بغايات حضارية وأبعاد فكرية ونفسية..

العنكبوت: أقصوصة نشرت الكترونيا في 24 جويلية 2010 وتدور أحداثها في سجن أمريكي كان السجين فيه حسام العربي المسلم يتقاسم الزنزانة مع جاك الأمريكي الذي سعى بعد أن عثر على عنكبوت سام أن يدسه في سرير حسام حتى يتأذى ، غير أن العنكبوت أفلت من البرنامج الذي سُطّر له. وانقلب السحر على الساحر. ولسع جاك الذي ولم يجد إلا حساما لينقذه .
القارئ للأقصوصة لن يستوقفه الحدث لأنّه حدث بسيط في جملته ولكن اللافت هو الفضاء الذي احتوى هذا الحدث فقد تعملق حتى غطى على كل مكوّنات الأقصوصة الأخرى. ذلك أن انتخاب الكاتب للفضاء الذي تدور فيه الأحداث ينأى عن الاعتباطية والعفوية وهو يُعدّ برمجة مسبقة للأحداث وتحديدا لطبيعتها وخادما للدلالة العامة من النص . فالفضاء يُحدّد نوعية الفعل، وليس مجرد إطار قاع تصبّ فيه التجارب الإنسانية.."

المطلق المحدد

وقد تخيّر الكاتب أن تنطلق الأقصوصة بتوصيف المكان على الطريقة السينمائية القائمة على الانطلاق من الأوسع إلى الأضيق من الأكبر نحو الأصغر من العام نحو الخاص " من ولاية "كانزاس" الأمريكية التي هي أقرب إلى الجنوب منها إلى الشمال إلى سجن " ليفنوورث " الواقع على بعد خميسين ميلا من مدينة "كانزاس" الواقعة على الحدود بين "كالنزاس" وولاية "ميسوري" ... تابعة لولاية "كانزاس".و من الأشمل نحو الأدق لتنزل إلى داخل سجن وتحلّ في الطابق الثاني منه " ذي السقف الزنكي". لنرى "جاك مستلقيا على سريره السفلي ". وها هو الكاتب يُعيره عينه لينزل أكثر نحو الأسفل موظفا أسلوب الإنارة مسلطا الضوء على الجزئيات :" لمح جاك" سربا من الحشرات والصراصير الزاحفة تخرج كسرب طويل من تحت السرير ". وبدقة أشد ينقل لنا توصيفا لحركتها : " نظر يراقب حركتها فلمح عنكبوتا يطاردها .

فتشكلت بؤرة ضوئية حول العنكبوت الذي أوحت "مطاردته" باستعداده للانقضاض والقتل. وهذا الضوء وإن كان استعارة من عالم الصورة والسينما إلا أن القاص لا يروم منه عرض الموجدات وما تأثث به الفضاء بقدر ما يريد تجميع جزئيات مرئية ستكون ذات شأن في بلورة الحدث والإرهاص بالنهاية الأقصوصة وحشد تكثيفي للدلالة التي ينشدها من الأثر .

إن توظيف الأساليب السينمائية كان هادفا إلى إنشاء تقابل بين كبر العالم وشساعته وصغر السجن وضيقه. وإنشاء ضرب من التمايز المكاني كانت فيه الزنزانة عالما سفليا منحطا تؤثثه الحشرات يليها السجناء بينما تنتصب أمريكا الحرة في علوها بولاياتها الشاسعة ’ كما أن هذا الانحدار الذي تشكلت به صورة الفضاء السردي هو انحدار من المكان الواقعي الذي يوجد فعلا على الخريطة إلى مكان تخييلي هو الزنزانة التي وإن احتوت على 64 سجينا إلا أن القارئ لا يعرف منهم إلا جاك وحساما جاك الأمريكي وحساما " سجين عربي مسلم الذي يؤدي صلاة الفجر". والسجينان متناقضان كما يظهر من الأسماء، يرمز كل منهما إلى حضارته – الغرب والشرق-. ولكن الجامع بينهما هو المكان: السجن.

الانغلاق – الانفتاح

بنى الكاتب وصفه المكان على التقابل كما أسلفت وأوضح وجوهه التقابل بين الانفتاح الذي مثله المكان الجغرافي والانغلاق الذي مثلته الزنزانة المنغلقة فزيائيا على أهلها. ولكن حركية نفسية وفكرية تولدت من المغلق المحاصر ليتحول جاك الخامد جسمه بفعل الحرارة " من رجل شبه ميت إلى رجل دبت فيه الحياة " وذلك ليضع العنكبوت في وعاء القهوة الفارغ استعدادا لإطلاقه لاحقا في فراش حسام حتى يؤذيه . ويقابل هذه الحيوية- التي لم يُفصح الكاتب عن دواعيها العنصرية إلا في آخر الأقصوصة- حيوية أخرى أظهرها حسام عندما أنقذ زميله الأمريكي من لسعة العنكبوت السام.

العتمة - النور.

يُشكل الزمان مع المكان وحدة لا انفصام لها .ولكنها ظاهريا بدت في الأقصوصة مفصولة حين عمق الكاتب التضاد بين ظلام المكان ووحشته , وانفتاح أفق الشخصية العربية المسلمة على عوالم روحية مثلتها الصلاة. وأمارات هذا التقابل عبّرت عنها كلمات:" في الليل – الساعة الثالثة والنصف صباحا الغرفة معتمة ليس فيها سوى بعض الضوء القادم من كاشفات السجن" ثم يتسلّط الضوء على حسام وهو يضع رأسه على الأرض في ركعته الأولى " سبحان الله ربي الأعلى " الذي تتكرّر ثلاث مرات لننطلق من الأسفل نحو الأعلى من السجن المكان المغلق إلى الفضاء الأفصح الذي يؤثثه رمزيا " الله أكبر". وإذا بحسام الشخصية المُلزمة بالمكان, المضطرة إليه, المسمرة فيه استطاع أن يفصم العرى التي تشده إلى الظلمة والوحشة والضيق المفروضة عليه من خلال إعلاء نفسي بلّغته إياه الصلاة. فتخلص من ربقة المحدود الآسر بما هو رابطة زجرية سلطوية ، وتمكن من الانطلاق نحو الأعلى. فانبجست عبر ذلك للمكان دلالات جديدة أمارتها سكينة وطمأنينة أظهرها لنا القاص حين وصف حساما وهو يصلي صلاة الفجر" سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، الله أكبر".
فقد أخرج القاص الشخصية من العتمة وركز عليها ضوء الفجر وضوء كاشفات الأضواء المنبعثة من السجن والأكثر من ذلك أنه ركز عليها الوصف بأن جعل حساما متحركا حركة نفسية مكّنته من تجاوز الجسد نحو الروح.

الأسر، الانعتاق

وهي في الآن نفسه قلب لما كان عليه تحديد المكان في منطلق السرد والذي أشرت إليه آنفا :الانطلاق من الأشمل نحو الأدق أو من الأوسع نحو الأضيق.و لكن بحركة الشخصية وسماع منطوقها في الصلاة ينقلب الفضاء /السجن من مكان سفلي/سافل بما هو مكان مذموم محتقر, نحو الأوسع، الأعلى، من عالم المحدود إلى عوالم المطلق.

إن الأقصوصة عموما فن لا يحتمل كثرة الأمكنة لنهوضها على أحداث محدودة وقد تقتصر أحيانا على حدث واحد. ولكن عادل سالم في " العنكبوت" حدّ من الأمكنة حين جعل الزنزانة مكانا لاحتضان الحدث الوحيد. وهو اختيار فني له ما يبرّره حين تكون الغاية كشف فكرة مسجونة بدورها في رأس الشخصية أو موقف أو حالة نفسية تحرّك الأحداث وتطوّرها. وليدرك القارئ ما بداخل البطل "جاك" جعل الكاتب العنكبوت يظهر على أرضية الزنزانة . عنكبوت حذّرت منه إدارة السجن " عنكبوت كبير أسود إنّه قارص ويؤدّي إلى إتلاف الجلد في المكان الذي يقرص فيه" . ومن هنا تستحيل الزنزانة إلى غابة تتهدّد بأخطارها السّجين.
ولكن من يحرّك هذا الخطر؟ وضد من يُحرّك؟

إنّه سجين أمريكي «جاك» يكيد لحسام العربي المسلم ويطلق عليه العنكبوت حين يهبط ساجدا على أمل أن يؤذيه. إنّه كيد تحكمه خلفية فكرية قائمة على رؤية للعربي المسلم على أساس أنّه إرهابي. خلفية وضّحها المكان بسفلية أرضية السجن والعنكبوت بانشداده إلى عالم الحيوان غير العاقل، فتتوضّح لنا مقاصد الكاتب حين جعل السجن مدار الحدث والبؤرة التي تتكور فيها الدلالة المنطوية على الفكرة المسبقة :العنصرية المظلمة التي يحملها الغربي على العربي المسلم.

الخاتمة

إن أقصوصة العنكبوت على قصرها وعلى ضيق مجال "المكان" فيها "مزجت بين الجهد الفني البيّن والبعد النفسي [3] إذ مكنتنا من إدراك المقاصد الحائمة حول العنصرية وتلك الفكرة التي المسبقة التي يحملها الغربي عموما عن الشرقي, في كل مكان من العالم, وحتى داخل السجن نفسه الذي كان في الأقصوصة بؤرة لفّ ونشر لهذه الموجات العدائية التى ترسّخت أكثر بعد الحادي عشر من أيلول، ولم تستثن حتى حثالة المجتمع الغربي من القابعين في السجون.ولم يغب عن هذه الأقصوصة إلى جانب ذلك "أن الفن صناعة استشفاف المستقبل وسبق الأحداث [4] فكانت دعوة موجهة إلى كل عربي وسبيل احتذاء للبطل حتى يغيّير الرأي السائد بسلوكه وقيمه بالاستناد إلى ديننا وحضارتنا.

المراجع:

* المكان في الرواية العربية. الصورة والدلالة: عبد الصمد زايد.
نشر:دار محمد علي الحامي.تونس ط الأولى2003

*زمن الرواية العربية كتابة التجريب:مصطفى الكيلاني.دارالمعارف للطباعة والنشر .تونس

*الأقصوصة العربية ومطلب الخصوصية:حاتم السالمي. مطبعة النصر القيروان

[1المكان في الرواية العربية. الصورة والدلالة: عبد الصمد زايد.
نشر:دار محمد علي الحامي.تونس ط الأولى2003

[2زمن الرواية العربية كتابة التجريب:مصطفى الكيلاني.دارالمعارف للطباعة والنشر .تونس

[3الأقصوصة العربية ومطلب الخصوصية:حاتم السالمي. مطبعة النصر القيروان

[4الأقصوصة العربية ومطلب الخصوصية:حاتم السالمي. مطبعة النصر القيروان


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً