الصفحة الأساسيةبقايا ذاكرة
افتح الباب فالأحبة عائدون
الجمعة ٣٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٥
بقلم عادل سالم

عندما تزور البلدة القديمة من القدس وأنت في نهاية العقد السادس من العمر ليس كمن يزورها معك في ريعان الشباب، فها هو يسير إلى جنبك لكنه يراها بغير عينك، وأنت ترى ما لا يراه مرافقك في شوارعها.

أنت المولود في قلبها والذي استشهد في روايته على سورها وروى دمه بلاطها الذي كم سار عليه حافيا والتصقت أقدامه بحجارتها فسرى في جسمه نبضها وأصبح العاشق لها.

هي، وما أدراك ما هي، صبية لم تهرم ولم تغيرها السنون، حاولوا أن يغيروا لون عينيها، ولون شعرها، وطلاء أظافرها وبعض ملابسها، لكنها بقيت في عينيك كما هي.

أنت الوحيد الذي يراها على حقيقتها، أنت الوحيد الذي يعرف سرها.

هل تذكر عندما دخلتها من باب العمود؟

كنت تحرص ألا تضرب أحجارها بعكازك فتوقظ من ينام في جوفها. أو تجرح مشاعرها فكنت تجره جرا وأنت تجيل ببصرك يمينا وشمالا كأنك تبحث عن شيء فيسألك مرافقك:

- أتبحث عن شيء?


فتضحك وتطلب منه متابعة المسير، فلن يصدقك إن قلت له أنك تبحث عن أجدادك الذين كانوا يمرون من هنا كل يوم، وكأنهم يسيرون الآن خلفك فوقع أقدامهم يرن في أذنيك.

ها هم يسيرون ببطء يتبادلون الحديث فيما الناس اليوم يتدافعون مسرعين لا يرون إلا أنفسهم.

هل تذكر با ئع الجرائد الذي كان يبسط جرائده هناك والناس يلتهمون عناوينها مجانا
هل ترى بائع الخبز (هاشم) عند أول شارع الواد؟

كنت عندما تجلس في حضرة أحد أجدادك وهو يحتضر تسمعه يقول أنه يرى أحبته الراحلين يتدافعون إليه لزيارته، أنسيت عندما طلب منك أن تفتح باب الغرفة لأنهم يقفون في الباب كما قال؟

يريدون الدخول وينتظرون أن يفتح لهم أحد باب الغرفة.
كنت تسأله ببراءة الأطفال:
لكني لا أرى أحدا.
فيقول لك أنه يراهم وأنت لا تراهم.

كنت تهز رأسك متوهما أن جدك كان يهذي بسبب المرض.

هل اقتنعت اليوم أن جدك كان مصيبا؟ فها أنت مثله تماما ترى في القدس ما لا يراه الشباب من حولك.
تابع سيرك في باب خان الزيت ما الذي تبحث عنه الآن؟
والدك الذي كان بعربته ذات العجلات الثلاثة يطوي الشارع بها، يصيح بأعلى صوته منبها المارين:
- اوعى ظهرك

تابع سيرك فلا تكترث لوجوه المارة الحزينة، ولا لمن يدفعونك كي يسبقوك في مشيهم.

فجأة تسمرت قدماك عندما اقتربت من المرحلة التاسعة في باب خان الزيت، حاولت أن تحبس الدمع في عينيك كي لا يسخر منك المارة، وتثير دهشة مرافقك.

دمعك خانك، ولماذا لا يخونك؟ أهذه المرة الأولى التي يخونك فيها دمعك؟ ألا تعلم أنك تعجز دوما عن حبس دموع عينيك عندما تدخل البلدة القديمة في القدس؟

سألك بصوت خافت:
ماذا حصل؟ هل دفعك أحد؟ هل …؟

- هناك استشهد محمود الكرد.

قطب جبينه، وتغير لون وجهه، فقد خشي أن يقول لك: من محمود هذا؟
انظر إنه ملقى على الأرض، ألأ ترى هذه العجوز التي خلعت ملايتها لتضمد جراحه؟؟
لكنه رحل بين يديها بعد أن أودعها سره.
يا لهذا السر الدفين الذي لا يعرفه أحد غيرها. ماتت بعد سنوات ومات سره معها.

تابع سيرك فالشهداء لا يموتون.

أتعبك السير في سوق العطارين الذي لم يعد سوقا للعطارين لكن لتجار الملابس والألعاب،
أنت الآن قرب سوق الباشورة.
- هنا كان أبو عطا بائع الخبز صاحب الرجل المقطوعة يجلس كل صباح.
- هنا محل أبو عادل القواسمي وأبو ناصر أبو ليلى
كنت كلما مررت من هنا تلقي عليهم التحية، وتتابع السير.

أتعبتك عيناك كان عليك أنت ترى الناس كما هم الآن، ألا تكف
عن استحضار الماضي؟

حسنا أنت تقول أنك لا تعيش في الماضي لكن هم الذين يعودون!
إنهم يعيشون معنا لكنهم اختفوا من عيون الآخرين.

أتعبك المشي ولم تعد قدماك تحملك فتوجهت إلى المسجد الأقصى لتصلي ركعتين وترتاح من عناء المشي. وعندما وصلت كانت الساعة العاشرة صباحا وأمام مدخل الحرم من جهة باب السلسلة عشرات الجنود، ينظرون إليك والشرر يتطاير من أعينهم، وعندما اقتربت، طلبوا منك العودة من حيث أتيت، لأن حكومة الاحتلال لا تسمح لأحد غير اليهود في الدخول ما بين السابعة والنصف صباحا، ولمدة أربع ساعات. فعدت أدراجك تلعن في سرك الاحتلال وأعوانه، فإذا بصوت تميم البرغوثي يرن في أذنيك:
في القدس، من في القدس إلا أنت!!


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً