على إسرائيل أن تعترف بمسؤوليتها الأخلاقية والتاريخية في تهجير الشعب الفلسطيني من وطنه
حق العودة لفلسطين شرط أساسي لأي سلام عادل في فلسطين
خاص بمركز بديل في القدس
الثلاثاء ١٦ أيار (مايو) ٢٠٠٦
بقلم عادل سالم

في الخامس عشر من أيار من كل عام يحيي أبناء الشعب الفلسطيني ذكرى النكبة التي عصفت بهم عام 1948، فيما يحتفل فيه الإسرائيليون بذكرى استقلالهم الذي جسدوه على أنقاض الوطن الفلسطيني بإعلانهم استقلال إسرائيل في 15 أيار من العام نفسه . إلا إن النكبة الحقيقية للشعب الفلسطيني بدأت قبل ذلك بكثير وخصوصا في نهاية عام 1947 بعد أن شنت العصابات الصهيونية حربها المنظمة والمدعومة من بريطانيا وأمريكا ودول أوروبية عديدة، على الشعب الفلسطيني لطرده من أرضه وتشتيته في بقاع الأرض المختلفة، لتبدأ مرحلة جديدة ومهمة في تاريخ الشعب الفلسطيني، مرحلة تجسدت بترحيله القسري عن أرضه ثم تواصلت لإنهاء قضيته، وشطبه عن الوجود تماما كما حصل للشعوب الأصلية في الأمريكيتين، والذين تم تسميتهم مجازا بالهنود الحمر رغم أنهم ليسوا حمرا ولا هنودا.

إن بدايات النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني، لم تبدأ عام 1948 وإنما تمتد جذورها إلى نهاية القرن التاسع عشر عندما بدأت الحركة الصهيونية وبدعم بريطاني فرنسي بالاستيطان المنظم في فلسطين بهدف بناء وطن قومي لما سمي بالشعب اليهودي على أنقاض شعب فلسطين.

بعد أكثر من 58 عاما على بدء الحرب الصهيونية على الشعب الفلسطيني بغية اقتلاعه من أرضه، تحاول الحركة الصهيونية مدعومة أمريكيا وبريطانيا حل الصراع العربي الإسرائيلي بخصوص القضية الفلسطينية من خلال القفز عن جوهر الصراع الوطني وحصره بخلاف على حدود هنا وحدود هناك، ودون أي استعداد لحل قضية اللاجئين، قضية الشعب الفلسطيني التي شكلت جوهر الصراع كله منذ حوالي ستين عاما.

من المؤسف جدا أن دولا عربية وأوروبية بالإضافة للولايات المتحدة وإسرائيل وجهات فلسطينية محسوبة على منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة السابقة تدفع باتجاه القبول بأي حل في حدود عام 1967 أو تعديلات بسيطة عليها مع استعدادها للتخلي عن فكرة حق العودة تحت مبررات الوضع الدولي الذي يميل لصالح أمريكا وإسرائيل

إن قرارات الشرعية الدولية لا زالت تعترف بقضية اللاجئين وحق العودة، وهو حق تاريخي وإنساني لا تلغية التغييرات الديموغرافية، وإذا كان القرار 194 القاضي بحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة أو التعويض لا زال صالحا كأساس لحل عادل، فإن هذا الحل لن يشكل أساسا لسلام دائم بين العرب وإسرائيل إلا عندما تعترف إسرائيل بمسؤوليتها التاريخية والإنسانية عما لحق بالشعب الفلسطيني وتشريده من أرضه.

في 22 كانون أول عام 2000 حثت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" الزعماء الإسرائيليين والفلسطينيين الذين يتفاوضون حول الوضع النهائي على دعم حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، في إطار أي حل شامل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وقالت المنظمة، في رسالتين موجهتين إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، إن أي اتفاقية للسلام يبرمها الجانبان يجب أن تسمح للفلسطينيين الذين يعيشون في المنفى بأن يختاروا بحرية أياً من الخيارات الثلاثة التالية: العودة إلى بلد المنشأ (فلسطين)، أو الاندماج في بلد اللجوء، أو الاستيطان في بلد آخر.

كما حثت المنظمة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون والمجتمع الدولي على أن يكفلا لكل فرد من اللاجئين حرية اختيار ما يشاء من بين الخيارات الثلاثة عن علمٍ ودراية، وضمان عودة اللاجئين بصورة تدريجية منظمة، وليس بالاحتيال واستغلال الظروف السيئة التي يعيشها اللاجئون.

ويقول كنيث روث، المدير التنفيذي لمنظمة "مراقبة حقوق الإنسان":
"إن خياري الاندماج المحلي والاستيطان في بلد ثالث لا ينبغي أن يلغيا حق العودة، وإنما يجب أن يعززا الخيارات المطروحة أمام كل فرد من اللاجئين؛ ولا بد من إتاحة الخيارات الثلاثة جميعاً".

نعم إن حق الاندماج في دولة أخرى لا ينفي حق الفلسطيني في العودة إلى وطنه حتى لو تم بعد خمسة آلاف سنة. فإذا كانت منظمة مراقبة حقوق الإنسان الغربية تؤكد بإن حق العودة لا يسقط حتى باندماج أي مواطن أجبرته ظروف التشتت على الاندماج، فكيف يطالب من هم أقرب للشعب الفلسطيني بالتخلي عن هذا الحق تحت مبررات الواقع.

إن الأمريكان الأفارقة الذين استعبدتهم الولايات المتحدة مئات السنين استطاعوا اليوم أن ينتزعوا الكثير من حقوقهم، وأن يجبروا الحكومة الأمريكية على الاعتراف بسنوات العبودية التي ارتكبت بحقهم ولا تستغربوا لو عرفتم أن بعض المنظمات الأمريكية للأمريكيين الأفارقة تطالب اليوم الإدارة الأمريكية بتعويضهم عن عهود العبودية التي تم فيها استعباد أجدادهم وآبائهم . وهم ينشطون من أجل هذا المطلب ولن يكون بعيدا ذلك اليوم الذي تتخذ فيه الإدارة الأمريكية مثل ذلك القرار، تماما كما اضطرت أن تعترف بالكثير من المجازر التي حلت بشعوب أمريكا الاصليين وعوضت معظمهم، حيث أعادت الكثير من الأراضي التابعة للدولة إلى الكثير من القبائل ، وسميت عشرات المدن والشوارع بأسماء السكان الأمريكيين الأصليين (الهنود الحمر)، فلماذا لا نتعلم منهم؟

قد تنتصر إسرائيل اليوم وغدا ولكنها لن تكون قادرة على نكران المجازر التي ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني، وإذا كان هناك أكاديميون إسرائيليون يعترفون بالمجازر التي ارتكبتها الحركة الصهيونة ضد الشعب الفلسطيني عام 1948 عندما مارست الإرهاب والقتل ونشر الفزع بين السكان خصوصا بعد مجزرة دير ياسين واحتلال الرملة واللد التي شردت منها حوالي سبعين ألف من الشباب والنساء والشيوخ والأطفال .

حق العودة ليس شعارا يطرحه الفلسطينيون ليعقدوا قضيتهم، ويجعلوها غير قابلة للحل بل هو جوهر قضيتهم وأي حل بدونه لن يكون عادلا ولن يكون سلاما.