فيلم مملكة السماء ما له وما عليه
الفيلم يتعرض لنقد شديد في الصحافة الأمريكية
الجمعة ١٣ أيار (مايو) ٢٠٠٥
بقلم عادل سالم

عرض منذ السادس من أيار الحالي 2005 في صالات العرض الأمريكية فيلم مملكة السماء الذي أخرجة المخرج البريطاني ريدلي سكات المولود في العام 1937، وكتب قصته وليام ماناهان المولود في العام 1960 وشارك في بطولته عدد من الممثلين البريطانيين والأمريكيين منهم أورلندو بلوم وإدوارد نورتون وديفيد ثيولس وليام نيسن وناتالي كاكس ومايكل شين، إضافة لعدد من الممثلين العرب منهم الممثل السوري غسان مسعود الذي قام بدور صلاح الدين والممثل المصري خالد نبوي وقد عرض الفيلم في العديد من دول العالم في الوقت الذي عرض فيه في الولايات المتحدة .

الدعاية العربية للفيلم تظهر وكأن الفيلم يعالج الحروب الصليبية بين الصليبيين والمسلمين فقط في حين يعالج القسم الأكبر من الفيليم حياة الصليبيين الأوروبيين في القدس والصراعات فيما بينهم، ولم يتحدث الفيلم عن صلاح الدين والحروب الصليبية إلا في النصف الثاني من الفيلم، فيما ركز قسمه الأول على حياة الحداد ـ الابن غير الشرعي ـ للمثل وليام نيسن حيث يقوم بالدور الممثل البريطاني أورلندو بلوم الذي يتعرف بوالده بعد سنوات طويلة ويرفض أن يصحبه للأراضي المقدسة للدفاع عن المسيحيين وحماية القدس وخدمة الرب، ولكنه يغير رأيه بعد فترة بعد أن يكتشف أن راهبا من القرية كان قد سرق صليب أمه الميتة فيقتله مستغربا أن راهبا يخدم الكنيسة يقوم بالسرقة، فيهرب لاحقا بأبيه ليصحبه للقدس ليكفر عن ذنبه بعد قتله الراهب .

ومن هنا تدور أحداث الفيلم حيث يبحر أورلندو للأراضي المقدسة مع اخرين في مركب يواجه موجا عاتيا في البحر لا ينجو منه سواه ويكمل طريقه في الصحراء نحو القدس .

أورلندو يظهر في الفيلم بأنه شخصية ايجابية تدعو لعمل الخير وهو لذلك يعمل مع العرب الذين يعيشون في القدس بمساعدتهم في زراعة أراضيهم بعد أن يساعدهم في استخراج الماء من الأرض ويحولها لهم إلى جنة خضراء ويواجه في الواقع بالكثير من الصليبيين الذين يسخرون من توجهاته ويبحثون عن الثروة والنساء والسلطة . ويرى كيف تجير المسيحية من أجل مصالح فردية لا علاقة للدين بها .

يناقش الفيلم كيف واجه الصليبيون المسلمين بقيادة صلاح الدين لكن الفيلم لم يعرض كيف يخطط المسلمون لمواجهة الصليبيين ولا وجهة نظرهم ويكتفي ببعض اللقطات التي لا تفي بالغرض، بحيث يعتقد مشاهد الفيلم أن صلاح الدين هاجم الصليبيين لأنهم نكثوا الهدنة فقط وقتلوا بعض المسلمين في الديار المقدسة .

الفيلم رغم ذلك يعتبر نقلة نوعية في التفكير السينمائي الغربي لنقل التاريخ بدون تزييف وعلى الأقل بأقل قدر من الكذب رغم ما يشكله ذلك من نقد لاذع للمخرج والكاتب معا .

التعليقات على الفيلم هنا في الولايات المتحدة كانت عنيفة ومعظم الذين قرأت آراءهم يهاجمون الكاتب والمخرج معا وبعضهم أقل حدة في نقده للفيلم ليس لأن المسلمين ينتصرون في الفيلم، فهذه قضية لا تحتاج لنقاش لكن لأن الفيلم كشف زيف الكثير من الصليبين الذين جاءوا باسم الصليب والمسيح لينهبوا خيرات البلاد ويستعمروها ولم يأتوا للدفاع عن الكنائس ولا عن الحجاج المسيحيين ولا عن قبر المسيح . وعندما يأتي هذا النقد من كاتب غربي ومخرج غربي فله تأثير أقوى مما لو كان الفيلم عربيا ومخرجه عربيا .

ولا يختلف الأمر فعندما يُعرض فيلم عربي يتعرض للمتطرفين المسلمين الذين يمارسون الإرهاب ضد الآخرين كما يحدث في مصر مثلا ترى الكثير من المسلمين أيضا يحتجون بأن ذلك يسيء للمسلمين واضعين على أعينهم حجابا لا يريدون أن يروا ما خلفه.

الصورة المبجلة عن الصليبيين في الفيلم اهتزت هنا رغم مبالغة الفيلم في إظهار نية أورلندو الحسنة في التعامل مع المسلمين.

حسب وجهة نظري الفيلم لم يرض كل الأطراف ولم يكن دقيقا في نقل التاريخ، فقد أهمل الفيلم المسيحيين العرب الذين عانوا من الصليبيين وقاتل بعضهم بجانب صلاح الدين ضد الصليبين .

الفيلم نجح فنيا وكانت معاركه مشوقة لكنه بالغ في وصف استبسال الصليبيين المحاصرين في القدس عن المدينة، رغم أنهم بعد استسلامهم تركوا المدينة وهاجروا شمالا للمدن الأخرى التي كان الصليبيون مازالوا بها مثل عكا مع أنهم حصلوا على عهد من صلاح الدين بعدم المساس بهم، ومرة أخرى لم يوضح الفيلم بأن المسيحيين العرب بقي معظمهم في القدس مع صلاح الدين.

الفيلم لمن لم ينتبه يشير إلى أن المسلمين الذين يهاجمون المدينة لم يولدوا بها وليس لهم حق بها وهم جاءوا من خارجها لكنه يطرح أيضا على لسان أورلندو أن هذه الحروب يجب أن لا تكون دفاعا عن كنيسة أو كنيس يهودي أو مسجد، ولكن عن الناس الذين في القدس، عن المواطنين، هكذا يشحذ أورلندو همم أبناء القدس للدفاع عنها لكن الفيلم لم يعرض كيف يشحذ صلاح الدين همم جنوده ولا كيف يخطط لهم ومعهم وكأن الفيلم كان يهدف فقط لتعريف المشاهد بالصليبيين وما تعرضوا له فقط .

صديق أورلندو في الفيلم أحد قادة الجيش أيام الملك بالدوين الرابع يقول لصديقه قبل نهاية الفيلم: بأنه جاء للقدس من أوروبا لأنهم قالوا له أنه ذاهب من أجل الله لكنه يكتشف الآن أنهم جاءوا من أجل الثروة والأرض وعرض على أورندو السفر للعيش في قبرص فيرفض أورندو ويفترقان .

بعض الممثلين العرب في الفيلم بدون أن نشير لأسمائهم لم يوفقوا في نقل الصورة الحقيقية فقد كانت لغتهم غير واضحة وكان على المخرج أن يأتي بممثلين أكثر اتقانا للغة واللهجة حتى تصل كلماتهم واضحة للجمهور الغربي .

رغم كل هذه السلبيات يبقى الفيلم جيدا للمواطن الغربي وغير العربي لأنه يكشف حقيقة الصليبيين ويفند ادعاءاتهم، بأنهم ما جاءوا للقدس لنصرة المسيح ومن أجل الله بل من أجل الثروة والأرض وهو ما يصعب تصديقه في أوروبا وأمريكا بعد قرون من الكذب والتزوير ، كما أن الفيلم لا يخدم السياسة الأمريكية التي تبحث عن مبررات لشحن الشعب الأمريكي ضد العرب والمسلمين لتبرر سياستها العدوانية تجاههم، والفيلم في النهاية يدعو للتسامح وعدم الاقتتال باسم الدين .

أبرز ما في الفيلم ليس انتصار صلاح الدين في الحرب مع الصليبيين ولكن التقاطه الصليب عن الأرض في إحدى الكنائس وإعادته لمكانه فوق الطاولة، مشيرا بأن المسلمين ليسوا ضد المسيحيين ولا ضد الدين المسيحي وأن حرية العبادة في بلادنا بلاد العرب مفتوحة للجميع، وهو عكس ما كان يمارسه الصليبيون الذين قتلوا كل المسلمين في القدس بعد أن حاصر المسلمون المدينة .