الصفحة الأساسيةبقايا ذاكرة
معالم من القدس القديمة
الجمعة ٢٦ آذار (مارس) ٢٠١٠
بقلم عادل سالم

تعرضت البلدة القديمة من القدس إلى تغيير واسع في معالمها، أكثر من أية بقعة أخرى فيها، فلم يكتف الصهاينة الإسرائيليون باحتلالها عام ١٩٦٧، كما احتلوا ما قسمها الشرقي عام ١٩٤٨ وشردوا سكانها منها، ولكنهم يحاولون اليوم بشكل يومي طرد أحد سكانها لإحلال اليهود بدلا منهم، ويقومون بحملة منظمة لتغيير معالم القدس من شوارع ولافتات، وواجهات البنايات لتبدو أمام زائريها أنها مدينة يهودية بامتياز.

القدس القديمة حيث المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة، وكنيسة القيامة وغيرها من المعالم الوطنية التي تشكل تراثا دينيا وحضاريا وثقافيا لشعب فلسطين، ما زالت حاضرة بقوة في أبنائها المقدسيين خصوصا الجيل الذي ولد في العهد الأردني، وما قبله، وعرف حاراتها وأزقتها، وما زال يحمل في ذاكرته معالمها القديمة ليس ببناياتها فقط، ولكن في ناسها، وشخصياتها الاجتماعية.

وحتى لا تضيع معالم القدس القديمة مع الجيل القديم فعلى كتابنا أن يدونوا ما يحفظونه أو سمعوه من أجدادهم، لينتقل ذلك التراث إلى الأبناء، ثم الأحفاد، وإلى كل الأجيال القادمة.

معالم القدس ليست فقط أماكن وشوارع، ولكن أيضا شخصيات أثروا حياتنا، وشكلوا يوما نسيجها الاجتماعي، وتراثا لن يمحى من ذاكرة المقدسيين.

في النص التالي الذي استعدته من بقايا ذاكرتي أحاول أن ألقي الضوء على بعض تلك المعالم لعلي أفلح في تدوين ما لم تسجله الكتب الرسمية عن القدس القديمة.

الدكتور أمين الخطيب

ابن القدس البار، وأحد أشهر أطبائها في ستينات القرن العشرين، وصلت شهرته كل بيت حتى أقصى القدس. كان طبيبا عاما، لم يكن جراحا، أو متخصصا في أمراض القلب، أو الدماغ لكنه اكتسب شهرته في صفوف الطبقات الشعبية (كانوا يشكلون غالبية السكان) بسبب مساعدته لهم، فلم يكن يحرم أحدا من العلاج حتى لو كان لا يملك ثمن الكشفية الطبية، كان رحيما بمرضاه، وطالما أعاد الفلوس للمرضى عندما يشعر أنهم غير قادرين على الدفع، بل كان يقدم بعض الأدوية للمرضى على حسابه. كان يشبه في ذلك الدكتور صبحي غوشة الذي اضطرته حرب ١٩٦٧ للنزوح إلى الأردن والالتحاق في العمل الفدائي.

عيادته كانت في طريق الآلام الممتدة من شارع الواد حتى باب الأسباط، وكانت تقع بجانب إحدى الكنائس وعلى بعد أمتار من المرحلة الثانية (وهو المكان الذي يقول المسيحيون إن المسيح سجن فيه قبل أن ينقله الرومان لكي يصلب ويقتل).
كان إنسانا بكل معنى الكلمة، بشوشا مع الجميع حتى أنه كان في الطريق إلى العيادة من البيت أو العكس يرد السلام على كل الناس بمختلف طبقاتهم، ويسلم حتى على الأطفال الذين كانوا مرضاه، فيتذكرهم ليطمئن عليهم.
لا يوجد عائلة سكنت البلدة القديمة من القدس في ستينات وسبعينات القرن العشرين إلا وتعرف الطبيب أمين الخطيب، كان يشارك في المناسبات الاجتماعية ويقدم التبرعات للمحتاجين، وفي الحالات الطارئة كان يترك بيته في أي وقت ليقدم ما يمليه عليه واجبه الإنساني تجاه مرضاه، ليس بسبب الفلوس فكم مرة عاد من زيارة طارئة دون أن يحصل على فلس واحد.

كنت أحد مرضاه وأنا طفل حيث كانت تصحبني أمي إليه عندما يصيبني المرض، كان يمزح معي ويقدم لي بعض الحلوى، ويقدم لأمي الدواء مجانا.
الناس في عيادته كانوا أكثر من المشاة في الشارع، رغم وجود أطباء كثيرين ربما أمهر منه، لكن لأمين الخطيب حضور في ذاكرة المقدسيين لا يمكن أن ينسوها.
أمين الخطيب كان معلما من معالم القدس وحق لجيل المدينة الجديد أن يعرف عنه ويسجله في تراثها المقدس.

الزقزوق

في ستينات القرن العشرين، كنت إذا سألت أحد رجال القدس المقبلين على زفاف أبنائهم:
‫-‬ من سيحيي حفل زفاف ابنك؟
يجيبك على الفور:
‫-‬ إنه الزقزوق.

فقد كان من الصعب أن تحضر عرسا في البلدة القديمة ليس للزقزوق فيه وصلة غنائية، كان نجم الأعراس، ومطرب الأفراح، يغني لعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، وشادية، وعبد الوهاب، ومحمد فوزي، ولكل الجيل القديم.
لقبه الزقزوق غلب على اسمه (أحمد سليم جابر) حتى صار الناس لا يعرفونه إلا باسم الزقزوق. كان يسكن مثلنا في البلدة القديمة، في قناطر خضير، ذلك الزقاق الفرعي المتفرع من شارع الواد بالقرب من مستشفى (الهوسبيس) الذي أغلقته السلطات الصهيونية.

حضرت وأنا طفل عدة أعراس كان مطربها، لعل أبرزها الذي ما زلت أتذكره عرس أحد أبناء السيد يعقوب زاهدة، الأخ غير الشقيق لجدتي من والدي، وكان بيته في نهاية حوش الشاي من الجهة العليا القريبة من درج الطابون، كانت الساحة واسعة والشباب (الذين أصبحوا اليوم أجدادا) يملؤون الساحة فيما النساء يتفرجن علينا من شبابيك المنازل المجاورة القريبة من بعضها.
كان الشباب كلهم يرقصون على صوت الزقزوق الذي كان يصدح عندما دخلنا الساحة بأغنية عبد الحليم حافظ التي كانت حديثة (سواح).
صوت الموسيقى كان عاليا يصل كل بيت في البلدة القديمة، لم تكن الأعراس في تلك الأيام بدعوات خاصة، بل كانت مفتوحة للجميع، لكل الجيران، والأقارب، ومن استطاع الحضور.

في العام ٢٠٠٥ توجهت إلى تلك المنطقة لاستعادة تلك الذكريات الجميلة التي مر عليها حوالي أربعين سنة، فلم أجد أحدا من آل زاهدة، بل وجدت يهودا مستوطنين يسكنون مكانهم، بعد أن أجبروا السكان على الرحيل تحت مبررات ترميم الحي اليهودي المزعوم.
كنت وأنا أراقب البيت من الخارج أستعيد صوت الزقزوق وأغنية سواح، وأغني بصوت خافت:
- وإن لاقاكم حبيبي سلموا لي عليه ...
فيما كان المستوطنون ينظرون إلي والشرر يتطاير من أعينهم، سألني أحدهم بلغة عربية مكسورة:
- إيش بدك؟
قلت له:
‫-‬ هذه بلدي، وهنا عشت.
فقال لي:
‫-‬ روخ من هون (يلفظ اليهود الحاء خاء).
تابعت سيري، وأنا أتساءل:
- هل يتذكر جيل اليوم الزقزوق؟
أم أنه لكل مرحلة زقزوقها؟
أيا كان الجواب، فقد حق لجيل الأحفاد، أن يسجلوا في تاريخ القدس اسم الزقزوق، فقد شكل يوما أحد معالمها، وتراثها الخالد.

الحاج حامد غرة

ابن القدس البار عرفه معظم سكانها، وقد غلب لقبه على اسمه الحقيقي (الحاج حامد أبو رميلة)، كان أحد وجهاء الإصلاح في القدس، بل كان في آخر مراحل حياته الوجيه الأول الذي ترأس كل لجان الإصلاح في البلد لحل النزاعات بين أبناء الوطن الواحد، وقد نجح في مسعاه، وأوقف الكثير من الصراعات، وأعاد الحق لأصحابه في وقت عجزت فيه قوى الشرطة المحلية في حلها.
قراراته كانت تستند إلى القضاء العشائري المتبع وليس وفق أهوائه، ولهذا القضاء قوانين يطول الحديث عنها ويعرفها العاملون في هذا المجال.

وكان رأيه مسموعا، لأنه رجل صقلته التجارب في ميدان حل النزاعات بين الأفراد، والعائلات، رغم أنه لم يكن خريج جامعة، ولا حتى مدرسة.
حامد غرة مات منذ حوالي عشرين سنة، ولا يعرف جيل القدس الجديد شيئا عنه، وقبل أن تنساه الأجيال حق لنا أن نسجله كمعلم من معالم القدس القديمة.

أحمد أبو غنام

منافس الزقزوق بامتياز، ويتميز عليه أنه كان يعزف على بعض الآلات الموسيقية، وخصوصا العود الذي كان يلازمه،
أرسله أبوه للقاهرة ليدرس الشريعة فعاد له يحمل عودا وريشة، كان يغني في الاحتفالات، وبعض الأعراس، خصوصا لأبناء الطبقة المثقفة.

اشتهر بغنائه القصائد الغنائية للموسيقار محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وفريد الأطرش، وكان يطرب الجماهير بقصيدة فلسطين للشاعر المصري علي محمود طه التي يغنيها الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب، والتي مطلعها:
أخي جاوز الظالمون المدى
فحق الجهاد وحق الفدى

أبو غنام من منطقة الطور التي تقع على جبل الطور حيث أقيم أشهر فنادق القدس القديمة (إنتر كنتننتال)، وعلى بعد حوالي ٢٠٠ متر أقيم مستشفى المقاصد الخيرية.
كان عشاق أحمد أبو غنام يقفون عندما يغني لهم أغنية فلسطين، تعلو الهتافات، والتصفير، وعندما يصل إلى الختام قائلا :

فلسطين تحميك منا الصدور

فإما الحياة، وإما الردى

ترتفع كل الأيادي للأعلى، ثم ينطلق تصفيق ينتهي بعد دقائق.

مطعم أبو علي

كان يقع في مطلع شارع حارة الشرف، على بعد أمتار من تقاطع طريق باب السلسلة، وسوق الباشورة، ويعد أشهر بائع فلافل في تلك الأيام. تشم رائحة الفلافل من محله عن بعد عشرات الأمتار، وقد اشتهر بتصنيع الفلافل المحشي بالبصل، والسماق، والبهارات.

من الصعب أن تمر من باب محله دون أن تشتري، ولو قرصا واحدا من الفلافل لتعرف سر تلك الرائحة التي تخترق أنفك، وتشعرك بالجوع، والرغبة في الأكل.
صاحب المطعم (أبو علي) كان قصير القامة، وسمينا، فرائحة فلافله كما يقول زادت من وزنه.

لم يكن في تلك الأيام أكياس النايلون التي يستخدمها الباعة اليوم في فلسطين، وكان سعر أكياس الورق غاليا لذلك كان يلف الفلافل الذي يبيعه (مثل غيره من الباعة) في ورق الجرائد تحت سمع وزارة الصحة التي لم تكن تهتم بتلك الأمور. رحل أبو علي عن هذه الدنيا، ولم يبق من فلافله إلا الذكريات، ورائحة الفلافل المحشي والمطعم بحبر الجرائد.

مطعم أبو شكري

أشهر مطعم في فلسطين في تصنيع الحمص منذ وعيت على هذه الدنيا حتى اليوم. كانت جدتي لوالدي الحاجة صبرية رحمها الله ترسلني لأشتري من مطعمه القديم صحن الحمص لفطور العائلة كلها ولم أكن أتجاوز الثامنة. كان مطعمه الأصلي القديم يقع في أول مطلع الطريق المؤدي لحارة «النصارى» من مدخل شارع باب خان الزيت، كان مطعما صغيرا يكاد يتسع لأربع طاولات، لكنه كان يعتمد على الزبائن الخارجيين الذين كنت أراهم في الصباح يقفون مثل طوابير الجمعيات، كل منهم ينتظر دوره في شراء الحمص أو الفول، أو المسبحة، أو الفتة، لكنه كان يشتهر بالحمص أكثر من أي شيء آخر، وكنت من النادر أن أسمع شخصا أكل الحمص من عنده، ولم يقل إنه ألذ، وأشهى حمص أكله في حياته.

كان يضع الحمص على الصحن بطريقة فنية ثم يرش على جانبه البهارات الحمراء، التي لم أعرف لها اسما، ثم يزوق وسط الصحن بالمخللات وبعض حبات الزيتون فيصبح مثل باقة ورد تحاول شمها كل ثانية لتستمتع بجمالها قبل أن تستمتع بأكلها.

بعد حرب ١٩٦٧ تعرف اليهود على مطعم أبو شكري واستمتعوا بالحمص فانتشر الخبر في القدس وتل أبيب، وصرنا نرى بعض المواطنين اليهود خصوصا الشرقيين يترددون على مطعمه الصغير أفواجا أفواجا لينالهم من الحب جانب.

لم يكتفوا بذلك بل بدأ بعضهم بتقليده وفتحت مطاعم للحمص والفلافل في المدن الإسرائيلية أكثر من قبل، وأعلنت إسرائيل أن الحمص من الأكلات اليهودية التقليدية.
حتى أن يهوديا من أصل جمايكي (نسبة لجمايكا) ألف أغنية بالعبرية في أواسط الثمانينات أطلق عليها (حمص) يصف فيها لذة تلك الأكلة.

عندما لم يعد مطعمه يتسع لزبائنه، نقل محله التاريخي والتراثي إلى شارع الواد قريبا من المرحلة الخامسة في طريق الآلام، وما زال قائما حتى اليوم.

توفي أبو شكري، وورث أبناؤه المهنة، وفن الصنعة، وبقي طعم الحمص عنده كما هو لم يتغير ويتميز عن كل مطاعم القدس التي تصنع تلك الأكلة الشعبية.
عندما تدخل مطعم أبو شكري اليوم ستجد في صدر المطعم صورة (أبو شكري) بطربوشه التركي الذي كان لا يفارقه.

الشيخ ياسين البكري

أحد مناضلي القدس والمدافعين عنها أمام الزحف الصهيوني عام النكبة (١٩٤٨)، وما قبلها. كان من الثوار المخلصين، عرفه سكان القدس بلباسه الديني والعسكري، وفرسه الذي كان ينتقل به من موقع إلى موقع أثناء الحرب.

سكن في البلدة القديمة في طريق الآلام، قرب المرحلة الخامسة، وعلى مقربة من مقهى (أبو العز) المشهورة في تلك الفترة. حظي بمحبة الناس واحترامهم كرجل دين ومقاتل شجاع على جبهات القتال.
للشيخ ياسين ابن يدعى فوزي البكري، شاعر فلسطيني أصدر عدة دواوين شعرية وعمل مدرسا للغة العربية في القدس. كان واسع الاطلاع ومتبحر في مادته رغم أنه لم يتخرج من جامعة رسمية.
رحم الله الشيخ ياسين البكري وأسكنه فسيح جناته.

مخبز الحشيم

يقع في شارع الواد في القسم السفلي القريب من حمام العين، وعلى بعد أمتار من باب الحديد المؤدي إلى المسجد الأقصى المبارك. مخبز صغير تحتاج للدخول إليه النزول أكثر من عشر درجات تحت مستوى الشارع.
اشتهر في ستينات وسبعينات القرن العشرين بالكعك مع سمسم الذي كانت القدس مشهورة به، وتمتاز عن كل فلسطين، ويقال إن الكعك المصنوع في القدس ليس له مثيل حتى في دول عربية أخرى تعمل على تصنيعه أو تصنيع ما يشبهه.

عمله كان يعتمد على زبائن الليل لذلك كان يعمل طوال الليل مثل مخبز (محمد علي طه) الكائن قرب باب العامود الذي كان يتميز على مخبز الحشيم بأقراص البيض واللحمة التي كان يعدها لزبائنه لكن مخبز الحشيم كان يمتاز عليه بالكعك الذي يعده بشكل ألذ.

كان يشرف على المخبز الأخوان عزمي، ورجب الحشيم بعد أن ورثاه عن أبيهما، وكلاهما صديقان ارتبطت بصداقة متينة معهما، فرجب كان زميلي في الدراسة، وصديقي أيضا، وكنت أحد زبائنهما الدائمين حيث كنت أعمل لسنوات حتى منتصف الليل وعند عودتي لمكان سكني في حي (القرمي) غير البعيد عن المخبز كنت أمر عنهما وأزورهما لأتناول بعض الكعك الذي كانت رائحته تشدني إلى المخبز شدا.
فنجلس في أحد أركان المخبز القديم الذي كان لسنوات طويلة يستخدم الحطب في تصنيع الكعك وشوي البيض لتعطيه نكهة مختلفة. كانت جلساتنا تطول وتمتد حتى الفجر أحيانا، نتحدث في كل شيء، ولم يكن يخلو المخبز من زبائن آخرين نتسلى معهم.

كانت أجمل القعدات عنده في الشتاء حيث الطقس البارد جدا ولا تدفئة عندنا فكنا نتزود ببعض الدفء في المخبز. وأحيانا كنا نأتي بكانون النار من البيت ليعبئه لنا بالفحم الخارج للتو من بيت النار لنتدفأ عليه، ويقينا شر البرد القارس.

عوامة القاضي

في شارع البازار في القدس القديمة، كان أشهر من نار على علم رغم أن محله صغير يكاد يتسع له وللمعدات التي يستخدمها في تحضير عوامته التي كان يبيعها لسكان المدينة، لم تكن شهرته لأنه الوحيد الذي أذكره في طفولتي كان يصنع العوامة طازجة، ولكن لأنه كان يتقنها ويجبرك إن مررت من الشارع أن تقصده لتشتري منه، وتنتظر دورك إن كان أمامك بعض الزبائن.

يقع محله مقابل سوق اللحامين تماما حيث تفوح رائح اللحوم والدم، لكن رائحة عوامته كانت تطغى عليها مجرد وصولك لباب محله الصغير، الذي كان لا يبعد سوى أمتار عن محل (أبو أمين العجلوني) الذي كان يبيع أشهى أنواع الخبز وعلى بعد أمتار أخرى يوجد محلان آخران لبيع الخبز الطازج والشهي هما، مخبز الصواف، وأبو عطا.
وأبو عطا هذا رجل يعرفه كل سكان القدس القديمة في زماننا لأنه كان رجلا برجل واحدة يقضي نهاره أمام كشك بيع الخبز الذي يملكه وأورثه لأولاده، فحفظ كل من يمر من سكان البلدة من ذلك الشارع.

سوق البازار

كان سوقا للخضار يضم عشرات الباعة الصغار خصوصا من الفلاحين الذين كانوا يحضرون بضاعتهم يوميا من قراهم، كانت أمي تحرص على زيارة ذلك السوق للتسوق، ففيه يجد المواطن كل ما يحتاج إليه من خضار، وفواكه، فمَن لم يشتريها لضيق ذات اليد استمتع بشمها، والتبرك برؤيتها، هذا السوق يبعد عن محل عوامة القاضي عشرة أمتار لا غير، فهكذا كانت البلدة القديمة، كلها محلات وشوارع متداخلة في نصف ساعة يمكنك شراء كل شيء والعودة إلى البيت، لا تحتاج لسيارة ولا لشمسية في فصل الشتاء لأن معظم شوارع البلدة القديمة كانت مغطاة بأقواس فتقيك من الرياح والبلل.

التسوق في سوق الخضار ليس سهلا كما تعتقد فلا يوجد أسعار للحاجيات وعليك أن تكافح للحصول على أفضل الأسعار، وتستخدم ذكاءك وخبرتك في الحصول على أقل سعر ممكن.
في المساء عندما كان السوق يغلق يترك كل صاحب بسطة بسطته كما هي فقد كان للسوق باب كبير يغلقه المشرف عن السوق، ويفتحه صبيحة اليوم التالي مبكرا ليستقبل الفلاحات القادمات من أماكن بعيدة يحملن ما أثمرته مزارعهن من ثمار.

لم يعد سوق البازار سوقا للخضار، فقد أغلقه صاحبه ثم أعاد فتحه كمتجر بعد أن تغير بعض سكان البلدة القديمة، وحل اليهود مكانهم.

مقهى كردية

اشتهرت البلدة القديمة للقدس بمقاهيها الشعبية الكثيرة، ليس فقط لانعدام النوادي الرياضية أو الثقافية في البلدة ولكن لأن الناس في تلك الفترة كانوا يسكنون في بيوت صغيرة تتألف غالبا من غرفة بما فيها المطبخ، وأحيانا غرفتين صغيرتين، فيضطر رب الأسرة للتنفيس والترويح عن نفسه ارتياد المقهى ليترك مهمة تربية الأطفال على الأم وحدها. هناك في المقهى كان يلتقي الرجال فمن الصعب أن يجتمعوا في بيت أحدهم ولو لزيارة عائلية.
كنا نسكن في مراحل الطفولة معظم الوقت في بيت يتكون من غرفة واحدة، وكنا نتنفس الصعداء عندما يغادر الوالد البيت إلى المقهى فقد كان وجوده فيه حائلا دون أن نلعب نحن الأولاد، فنضطر للنوم قبل الأوان.
كان يذهب إلى أحد مقاهي باب السلسلة القريبة من البيت لتدخين الشيشة (النارجيلة)، وكان أكثر تردده على مقهى (كردية) أحد أشهر المقاهي في باب السلسلة في تلك الأيام والتي كانت تقع على تقاطع طريقي باب السلسلة، وعقبة بومدين (نسبة للرئيس الجزائري هواري بومدين) وتضامنا مع شعب الجزائر في كفاحه العادل.
عقبة بومدين كانت تمتد من باب السلسلة إلى ساحة حارة المغاربة التي كان أول شيء قام به اليهود بعد احتلال القدس إخلاء سكانها وهدم كل بيوتها لكي تحولها إلى ساحة للصلاة والتي سميت فيما بعد بساحة (المبكى).

مستشفى الهوسبيس

كان المستشفى المركزي في البلدة القديمة حتى إغلاقه من قبل السلطات الإسرائىلية في أواسط الثمانينات رغم أنه كان متنفس سكان البلدة الصحي. مستشفى الهوسبيس كان كبيرا في عرف تلك الأيام، ويخدم كل سكان البلدة، بأجور زهيدة، وفي حالات كثيرة مجانا حيث كان تابعا للحكومة النمساوية، واسمه يعني «بيت السلام» (هاوس بيس)، لكن الناس تعودوا على تسميته ب (الهوسبيس) بضم الهاء.

لم يبق مواطن في البلدة لم يعالج فيه بل أصبح يأتيه المرضى من مدن كثيرة من الضفة الغربية، لكن السلطات الإسرائيلية أغلقته لكي تحول كل مرضاه لمستشفى هداسا الإسرائيلي.

أذكر تماما أن الناس تظاهروا في تلك الأيام ليرغموا إسرائيل على التخلي عن قرارها لكنها ضربت بمطالب السكان عرض الحائط، ودفعت بقوات كبيرة من الجيش والشرطة للسيطرة على المستشفى وطرد كل من فيه.
أول مرة دخلت فيه المستشفى (الهوسبيس) كان عام ١٩٦٥ على ما أذكر عندما أصبت بحجر في رأسي أثناء اللعب، فنقلني أحد الأقارب والدماء تسيل من رأسي إلى المستشفى ليتم قطب الجروح، ووقف النزيف، كان يوما لا ينسى في حياتي الماضية.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً