الصفحة الأساسيةمقالات ودراسات
السياحة في القدس
الاثنين ١ كانون الثاني (يناير) ١٩٩٦
بقلم عادل سالم

تحقيق
السياحة في القدس
بين مطرقة المنافسة الإسرائيلية المنظمة
وسندان التحريض الرسمي على التجار العرب
عن مجلة "العودة"
الصادرة في القدس 20/7/1987

يعتمد الوضع الاقتصادي لسكان شرقي القدس على السياحة بشكل كبير حيث أصبحت السياحة في السنوات الأخيرة تشكل مورداً أساسياً وثابتاً لعدد واسع جداً من التجار العرب. فبعد حرب 1967 واحتلال إسرائيل للقدس، وأمام المنافسة الإسرائيلية في مجال الصناعة، فقد تراجعت العديد من الصناعات والحرف اليدوية التي كانت منتشرة في شرقي القدس، وبدأت تزيد في المقابل نسبة المعتمدين على قطاع السياحة.
محلات بيع التحف الشرقية في البلدة القديمة تضاعفت عدة مرات وبعد ان كانت تعد على الأصابع ، فقد أصبحت الآن تعد بالمئات بل أن الغالبية الساحقة من محلات البلدة القديمة هي محلات سياحية لبيع مختلف أنواع التحف والمجوهرات.
وهناك شوارع بأكملها تعتمد على السياحة مثل "سويقة علون" و"حارة النصارى" و "الدباغة" و "باب السلسلة" وأي تراجع في الوضع السياحي يؤثر على مجمل هذه المحلات وعلى علاقتها التجارية وقدرتها الشرائية من احتياجاتها المتنوعة، هذا، إضافة الى وجود أكثر من ثلاثين فندقاً عربياً يعمل فيها أكثر من ألف عامل يعتاشون وعائلاتهم من قطاع السياحة.

ويوجد عدد من أدلاء السياحة سواء المرخصين أو غير المرخصين إضافة الى مكاتب السياحة وموظفيها، وشركات السيارات والباصات التي تختص بنقل السياح، إضافة للمطاعم وعشرات الباعة المتجولين ..الخ لذلك تعتبر السياحة هي المصدر الأساسي للوضع الاقتصادي لسكان القدس، فإذا تراجعت السياحة ترك ذلك أثره على وضع الذين يعتمدون عليها بشكل مباشر أو الذين يعتمدون عليها بشكل غير مباشر حيث تراجع القدرة الشرائية لهؤلاء المواطنين أمام تراجع الوضع السياحي وانخفاض السياحة في البلد.

أدلاء السياحة العرب في تناقص مستمر

قبل حرب 1967 كان أدلاء السياحة العرب حوالي مائة وخمسين دليل سياحي في القدس، وبعد 20 عاماً من الاحتلال فقد تراجع العدد ليقل عن خمسين دليلاً سياحياً يحملون رخصاً، وهذا لا يوازي تطور السياحة في الأراضي المقدسة وبالمقابل فإن أدلاء السياحة اليهود الذين كانوا يشكلون أقلية بسيطة يزيد عددهم اليوم عن خمسة آلاف دليل سياحي، فقد عملت السلطات الإسرائيلية على منح آلاف الرخص لأدلاء يهود، حرصت حرصاً شديداً على إعدادهم حسب توجهات السلطة الإسرائيلية.

وبالمقابل فقد حرمت مئات بل آلاف الأدلاء العرب الذين تقدموا للحصول على رخصة دليل سياحي دون مبررات مقبولة مما دفع عشرات منهم الى العمل بدون رخص كأدلاء سياحة متجولين، رغم ما لهذا العمل من صعوبات لأن الشركات الرسمية لا تتعامل معهم ولا يحق لهم قيادة مجموعات سياحية سوى بعض الأفراد الذين يفدون وحدهم.

يقوم أدلاء السياحة اليهود بما يلي:

  1. نشر الأفكار الصهيونية حول وضع القدس والبلدة القديمة وتاريخها وفق الرؤية الإسرائيلية.
  2. يعملون على الترويج بين السياح بأن التسوق من البلدة القديمة بشكل خاص وشرقي القدس بشكل عام في غير صالح السياح لأن الأسعار في القدس العربية كما يدعون غالية جداً ويطلبون منهم التسوق في غربي القدس أو في شارع "الكاردو" اليهودي في البلدة القديمة الذي تحرص وزارة السياحة على نشر الدعايات المختلفة له وإعداده بشكل يجذب السياح من مختلف دول العالم .
  3. يعمل أدلاء السياحة اليهود ما هو أبشع من ذلك كله، فهم يثيرون الفزع بين السياح حول خطورة زيارة البلدة القديمة في المساء لأنها مليئة بقطاع الطرق العرب. وإن البقاء في غربي القدس أضمن لهم، ففي الكثير من الحالات وعندما كان يهم بعض السياح بالنزول للبلدة القديمة كان أدلاء السياحة اليهود "ينصحوهم" بأن لا يتجولوا هناك وأنهم أي أدلاء السياحة غير مسؤولين عما يحصل لهم، لأنها منطقة خطرة، لكنهم يضيفون للسياح، لماذا لا تذهبون "للكاردو" في القدس القديمة.
  4. يحرص أدلاء السياحة اليهود على التركيز على ما نسب للحاكم بأمر الله في عهد الفاطميين عندما هدم الكنائس، حيث يقول أدلاء السياحة اليهود، بأن المسلمين والعرب هدموا الكنائس حقداً عليها، وأن اليهود هم الذين ساعدوا في بنائها فيما بعد!!

مع العلم أن أدلاء السياحة العرب، الذين يتضح لوزارة السياحة أنهم يشرحون للسياح عن التاريخ العربي لمدينة القدس بعكس ما تنشره وزارة السياحة، فإن الوزارة تستدعيهم وتحذرهم بسحب الرخص، إذا أعادوا ذلك مرة ثانية، وقد حصل ذلك مراراً مع عدد من أدلاء السياحة العرب.

وأمام هذا الوضع المزري لأدلاء السياحة فإن نقابتهم "الشكلية" لم تحرك ساكناً ولم تحاول التعاون مع هيئات ومؤسسات أخرى كالغرفة التجارية لكي تطالب السلطات الإسرائيلية بحقوقهم المهضومة ومنحهم التراخيص الضرورية .

التجار العرب أمام واقع صعب
المنافسة السلبية بينهم أضعفت مواجهتهم للسلطة

كما ذكرنا فإن الغالبية الساحقة من المحلات في البلدة القديمة إضافة لعدد محدود خارجها، يعمل في مجال بيع التحف الشرقية للسياح. إضافة لعدد واسع من الباعة المتجولين الذين يعمل معظمهم بدون رخص للبيع، لأن بلدية القدس تشترط لمنح الرخصة، حصول الشخص على حسن سلوك من الشرطة ، والأخيرة لا تمنحها إلا لمن يحمل عاهات دائمة، أو كان لديه رخصة قبل عام 1967 أو للذين يتعاملون مع السلطة وغير ذلك فالسلطات ترفض ذلك رفضاً باتاً، والباعة المتجولون موجودون بشكل خاص في باب النبي داود، والسيدة مريم وكنيسة القيامة، باب الخليل.

وأمام التحريض آنف الذكر الذي تمارسه السلطات الإسرائيلية ضد التجار العرب وأدلاء السياحة العرب فإن وزارة السياحة تسهل عمل التجار اليهود، وتعرقل عمل التجار العرب ففي الوقت الذي تسهل دخول مندوبين عن التجار اليهود لاستقبال المجموعات السياحية في المطار فور وصولها، فهي تحرم ذلك على التجار العرب رغم أنها لا ترعوي في ملاحقتهم وتحصيل الضرائب منهم.

هذا إضافة للدعايات المنظمة التي تمارسها وزارة السياحة وشركات السياحة الإسرائيلية للمحلات اليهودية والدعوة لارتيادها والتسوق منها فيما يجري التعتيم على محلات العرب، فبدعم وزارة السياحة تصدر جهات رسمية، بعض الكتب السياحية عن القدس وعن إسرائيل التي تعطي السائح فكرة عن الأراضي المقدسة وعن التجار العرب وفق الرؤية الإسرائيلية فمثلاً في كتاب "هذه إسرائيل" وردت عدة عبارات تسيء للعرب منها:

"هناك بعض التجار العرب الذين يبيعون النحاس على أنه ذهب وخصوصاً في البلدة القديمة" أي العرب، وهذه دعوة مباشرة لعدم التسوق من العرب.

أما السياح اليهود فإن مسألة استجابتهم لهذا التحريض سهلة جداً ويجدون آذاناً صاغية وهم قلما يتسوقون من العرب إلا إذا اضطروا لذلك، ففي إحدى المرات بينما كانت تسير عائلة يهودية أمريكية، وقفت الأم في باب أحد المحلات وطلبت شراء إحدى القطع الفنية، إلا أن زوجها قال لها صائحا:" ألم نقل لك أننا لا نشتري شيئاً إلا في غربي القدس أو في ألكاردو !!! فتركت القطعة وغادرت باب المحل.

أمام هذا الموقف فإن التجار العرب، لم يواجهوا الموقف بما يتطلبه من حزم وصرامة ،فلا الغرفة التجارية قادرة على عمل شيء ولا نقابة أصحاب محلات السنتواري تلاحق الموضوع. كما تلعب المنافسة السلبية بين التجار دوراً في إضعاف وحدتهم ومواجهتهم للواقع الصعب الذي يعيشونه.

إن الواقع الذي يواجه أصحاب العمل العرب المعتمدين على السياحة يتطلب منهم ما يلي:

1) -# العمل بشكل موحد لوقف عملية التحريض المنظمة التي تمارس ضد التجار العرب وشرقي القدس بشكل عام.

  1. إجبار وزارة السياحة على منح التسهيلات للتجار العرب كما تمنحها لليهود والسماح لوفد منهم باستقبال المجموعات السياحية في المطار.
  2. تطوير مهنة السياحة وتخفيف حدة المنافسات بين التجار.
  3. إلزام التجار العرب باتباع سياسة التسعيرة، لأنها تؤثر على اقتناع السائح بأن التجار العرب يطلبون أسعار مناسبة مقابل بضائعهم.
  4. إنهاء مظاهر السلب التي تتم في بعض المحلات ضد السياح الأمر الذي يعطي وزارة السياحة مبرراً في تحريضها الدائم.
  5. تكليف بعض الدارسين العرب بإعداد كتب سياحية من وجهة نظر عربية، يتم تسويقها لتضاهي الكتب الإسرائيلية، والعمل على تسويق كتاب السيد سامي عواد "الأراضي المقدسة" بشكل أكبر.

الفنادق العربية منافسة واسعة وتتسع باستمرار
أصحاب الفنادق العربية لم يعملوا على تطوير فنادقهم

أصحاب الفنادق العربية واجهوا ويواجهون منافسة شديدة من قبل الفنادق الإسرائيلية التي أنشئ معظمها بعد حرب 1967 مما يوضح مدى الفائدة التي جنتها إسرائيل من احتلالها القدس. إن أهم الفنادق الإسرائيلية وأكبرها وأفخمها قد بني بعد حرب 1967 وخصوصاً في سنوات السبعينات بعد تزايد الرحلات السياحية للقدس. فأمام عدد محدود جداً من الفنادق العربية الصغيرة التي أنشئت بعد 1967 فقد أنشأ أكثر من عشرين فندقاً إسرائيلياً كبيراً يتسع الواحد منها أكثر مما يتسعه خمسة أو ستة فنادق عربية. هذا إضافة الى التجهيزات الداخلية الحديثة التي فاقت كثيراً أوضاع الفنادق العربية. وقد أثر ذلك كثيراً على اقتصاد الفنادق العربية، فبعدما كانت الفنادق العربية في سنوات السبعينات الأولى مليئة بالسياح على مدار السنة، فإنها الآن تكون فارغة أن شبه فارغة.

صحيح أن الفنادق العربية لا تستطيع مواجهة الفنادق الإسرائيلية من حيث ضخامتها، إلا أن ذلك لا يعفي أصحاب الفنادق من مسؤولية جزئية عن هذا الوضع، فهم لم يستغلوا الفترة الذهبية لهم في السبعينات لتطوير فنادقهم وتوسيعها، وتجديد صيانتها الداخلية، حتى أصبحت اليوم أمام الفنادق الإسرائيلية كأنها شبه فنادق.

رغم ذلك يبقى هناك أمل كبير لتغيير جزء من هذا الوضع من خلال إنشاء شركة للفنادق العربية، يساهم بها أصحاب أموال تعمل على تطوير هذه الفنادق وتوسيعها، وتحسين تجهيزاتها الداخلية، كما يجب على جمعية الفنادق والغرفة التجارية ولجنة عن تجار التحف الشرقية وأدلاء السياحة، أن تجتمع باستمرار لمناقشة السبل الكفيلة بتطوير السياحة في الوسط العربي وحماية التجار العرب من المنافسة الإسرائيلية وتحريض الجهات الرسمية ضدهم.

إنه لمن المفيد جداً كخطوة على الطريق أن يستمر التعاون الدوري بين الجهات المذكورة أعلاه لتطوير الوضع السياحي بشكل دائم، فإذا كان التجار اليهود والفنادق الإسرائيلية منظمين بما يكفي لمواجهتنا، فماذا ينتظر التجار العرب؟!!


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً