الصفحة الأساسيةمقالات ودراسات
نزار قباني شاعر الحب والحرية
الأحد ٣١ أيار (مايو) ١٩٩٨
بقلم عادل سالم

رحل شاعرنا المحبوب نزار قباني إلى الدنيا الآخرة، ليترك فراغاً كبيراً في الساحة الثقافية العربية، التي خسرت أحد روادها الكبار وعلماً من أعلامها البارزين الذي أحببنا شعره، وأحببناه لأنه كان شاعراً صادقاً، يكتب كلماته بقلبه، ليس طمعاً في منصب، أو جاه، وهو الذي ترك كل المناصب منذ أربعين عاماً ليعلن انضمامه لعالم الشعر الذي أصبح يشكل اليوم أحد أركانه.

رحل شاعرتا نزار قباني دون كلمة وداع، كأنه يعلم أننا سنلتقي قريباً لنستمع إلى قصائده الجديدة المتمردة، التي عودنا على سماعها وقراءتها منذ أعلن العصيان بشعره:

ما هو الشعر
إذا لم يكن العصيان
ما هو الشعر
إذا لم يخلع التاج الذي يلبس
كسرى أنو شروان

لعل هذا التمرد والعصيان هو أهم سمة ميزت نزار قباني عن مشاهير جيله، إذ كان باستمرار يصب جام غضبه على أنظمة الحكم العربية القمعية التي حرمت مواطنها من حرية الرأي والتعبير وتركتهم يعيشون في فقر مدقع.

نزار قباني لم يمدح حكومة أو حزباً، ولم يأخذ دعماً من أحد فظل صوته حراً، وظل رافضاً أن يعلن ولاءه لأحد سوى أبناء شعبه في مقاهي بغداد ودمشق والقاهرة.

لا يبوس اليدين شعري
وأحرى بالسلاطين
أن يبوسوا يدياّ

نعم .. لقد فجعنا بموته .. فنزار كان شاعر العرب .. شاعرنا جميعاً ولم يكن شاعر سورية فقط.. فقد كتب لبيروت وعن فلسطين ولتونس الخضراء ولكل الوطن العربي الممزق معلناً حبه وعشقه الذي لا رجعة عنه.. فالحب عند نزار هو الحب الذي لا عودة عنه:

أحرقت من خلفي جميع مراكبي

إن الهوى أن لا يكون إياب

ويعترف نزار قباني أن اختياره الحب هو اختيار صعب لأن العاشق لا بد أن يواجه الصعاب وعليه أن يواجهها إذ لا بديل عن المواجهة:

الحب مواجهة كبرى

إبحار ضد التيار

يعتبر الشاعر نزار قباني أكثر من كتب عن المرأة وللمرأة في العصر الحديث، حتى اتهمه بعضهم بأنه شاعر المرأة، ولعمري فقد مدحوه ولم يسيئوا إليه.. فهل من شيء أجمل من المرأة في حياة الرجل؟!.. ولكنه في نفس الوقت صرخ فيها، طالباً منها تكسير قيودها والخروج من قمقمها الذي سجنها فيه الرجل:

ثوري..
أحبك أن تثوري
ثوري على العادات والوهم الكبير
لا ترهبي أحداً
ثوري على شرق
يراك وليمة فوق السرير
نزار وفلسطين

منذ (أصبح الآن عندي بندقية) التي غنتها أم كلثوم إلى(تلاميذ غزة) فقد كتب نزار عشرات القصائد التي ذكر فيها فلسطين وأحب فيها شعب فلسطين وجبالها وروابيها.. أطفالها وتلاميذها:

يا تلاميذ غزة علمونا
بعض ما عندكم فنحن نسينا
علمونا أن نكون رجالا
فلدينا الرجال صاروا عجينا

نعم صاروا عجينا بعد أن هرولوا للصلح مع إسرائيل دون أن تقدم لهم إسرائيل ما يضمن على الأقل رفع الظلم عن أهل فلسطين ومعتقليها، ودون أن تتوقف ولو لحظة عن مصادرة أراضي سكانها العرب.

لك الرحمة يا نزار .. نعم .. هكذا نقولها دون ألقاب ودون مسميات، لأن اسمك اليوم أل التعريف لما قبله وما بعده. ونسأل الله أن يعوض شعوبنا العربية بشعراء آخرين، متمردين مثلك وحاملي راية العصيان والغضب حتى يرفرف علم الحب والحرية فوق العالم العربي كله.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً