الصفحة الأساسيةقصص وسرد
رأيت نفسي عاريا !!
الاثنين ٣٠ أيار (مايو) ٢٠٠٥
بقلم عادل سالم

كان حماما رائعا شعرت بعده أنني أصبحت شابا من جديد، حلقت ذقني ولبست أجمل ما عندي ولم أنس أن أرش نفسي بما لدي من الروائح، فأنا ذاهب لحفلة زفاف فهكذا تريدني زوجتي .

نظرت لنفسي في المرآة لعلي أرى شكلا جديدا لي فلم يعجبني شكلي، ولم أر ما يميزني عن الآخرين .

دققت النظر، عدلت من تسريحة شعري، غيرت القميص ونظرت مرة أخرى فلم أر شيئا مميزا ، كل ما رأيته كان شكلا كشكل أي رجل عادي. دققت النظر في المرآة، ناديت زوجتي سألتها عن رأيها فقالت أنت رائع وقبلتني لكن رغم ذلك لم أقتنع .

- ما الذي كنت أبحث عنه إذن ؟ ما الذي يقلقني هذا اليوم ؟
- أبحث عن نفسي، عن ذاتي، عن أصالتي، أريد أن أرى في المرآة صورتي الحقيقية التي لا يشبهني بها أحد ؟
- هل هذا وقته ؟ أنت على وشك مغادرة البيت لحفل الزفاف .
- حسنا سأنجز المهمة بسرعة .

خلعت ملابسي ونظرت فضحكت، كل ما لفت انتباهي كرشي المترهل فآثرت أن ألبس ملابسي من جديد .
قررت أن أفكر في الموضوع لاحقا وحسنا فعلت .

عدت لمذكراتي وكتبي ودفاتري القديمة، فلم أر ما أبحث عنه .
هل أكتب مذكراتي لأتعرف على ذاتي ؟
زرت أمي وسألتها كيف ولدتني ومن كان حاضرا وووو ... لم أترك سؤالا إلا سألته، لكن بعد أن هدأت لنفسي فكرت هل فعلا حققت ذاتي ؟ هل أستطيع الآن أن أرى نفسي، أرى ذاتي ؟

لماذا لا أقتنع بما أراه في المرآة ؟
يبدو أن شكلي لم يعجبني، فهل علي أن أغيره ؟ أإذا خففت وزني أكون أكثر تعبيرا عن نفسي ؟

حدثت صديقي عما بداخلي فقال لي : عليك البحث عن نفسك وذاتك في عيون الآخرين، فأنت عندما تلبس أجمل ما عندك ليس لترضي نفسك ولكن لترضي الآخرين الذين ينظرون إليك وأنت عندما تنظر لامرأة جميلة وتعجب بجمالها لا تعلم كم من المساحيق وضعت على وجهها قبل أن تراها بشكلها الأنيق .

فكرت بما قاله صديقي فلم أقتنع، فأنا أرغب أن أرى نفسي لا أن يراني الناس، أرغب أن أرى ذاتي أرى عيوبي قبل حسناتي، لا لكي أضع المساحيق عليها وأخفيها ولكن لكي أعرفها أولا وأحاول أن أمنع غيرها من البروز .

كنت أسير يوما على شاطئ النهر شارد الذهن فالتقيت برجل عجوز يبدو أن الموت نسيه فشكله أشبه بهيكل عظمي ولحيته طويله، يهز رأسه كل ثانية كالآلة، أوقفته وسألته :

- مرحبا يا شيخ
- مرحبا يا بني قالها وهو يمط فيها
- أظنك تتفرج على نفسك في مياه النهر ؟
- لا يا بني لا أحد يستطيع أن يرى نفسه إلا عندما يخرج منها ؟
- كيف يا عمي الشيخ ؟؟
- تعال واجلس هنا يبدو أنك تبحث عن وجع لرأسك
- أتعتقد ذلك ؟
- قبل أن أجيبك دعني أسألك ألديك سيجارة ؟
- أتدخن وأنت بهذا السن ؟
- لم لا يا بني ماذا بقي من عمري لأخاف عليه ؟؟
- ربما تكون صادقا، على كل حال أنا لا أدخن لذا أعتذر
- لا تقلق يا ولدي خيرها بغيرها، بالنسبة لسؤالك يا ولدي حتى ترى نفسك أو ذاتك عليك الخروج منها، وانظر إلى نفسك مجردا من كل شيء، من كل ملابس، من كل مساحيق، من دون ألقاب، من دون مراتب، من دون جاه أو مال، لن ترى نفسك هكذا بالمرآة ولكن ستراها بوعيك الداخلي، في حال إلهام شاعري أو فلسفي، كأنك في غيبوبة قصيرة أو في قيلولة .

لترى نفسك عليك النزول من السيارة لتسير مع الناس في الزحام وعلى أرصفة الطرق والشوارع .

هناك يمكنك أن تكتشف نفسك وذاتك. هكذا نكتشف أنفسنا .

- هل فصلت لي أكثر ؟
- نكتشفها في دمعة طفل يسير خلف أمه التي تحمل أخاه الأصغر سنا بينما هو يبكي وراءها .
- كيف ؟
- نكتشفها حين نحول دمعة الطفل إلى بسمة .

نكتشف أنفسنا عندما نتلقف ضريرا قبل أن يقع على الأرض بعد أن اصطدم بحجر أمامه لم ينتبه له، فنحميه من الارتطام بالأرض .

أنا اكتشفت نفسي عندما كنت أجلس مع أبنائي ألعب معهم كأنني طفل صغير لم يتجاوز العاشرة بعد .

يا بني لا أحب أن أتجرد من ملابسي لأرى نفسي عاريا أمام المرآة لكني أحب أن أتجرد من ملابسي الذاتية لأرى نفسي على حقيقتها، لكن هل تعلم أن الزمن لم يبق لي ما أراه، فقد فقدت أولادي ، وأصدقائي ولم أعد قادرا على فعل شيء، ولم يعد هناك ما يستحق أن أراه سوى ذكرياتي الجميلة عن ذاتي، إن بقي لي شيء أستطيع أن أتذكره .
-  هل يمكن للرجل أن يعري ذاته أمام الآخرين ؟ هز رأيه، وقال:
- أن تعري نفسك حقا أمام الآخرين أصعب ألف مرة من أن تعري جسمك. ألم تسمع بشواطئ العراة ؟؟ موجودة الآن بكثرة ويتسابق الناس لزيارتها، لكن لا يستطيع أن يعري الإنسان ذاته إلا في حالتين أن يعريه الخالق يوم القيامة، أو أن يكون من الشجاعة لدرجة تؤهله أن يتعرى أمام ذاته، فالتعري أمام الذات يحتاج لقوة إرادة أقوى من الفولاذ، ألديك هذه الإرادة ؟؟
-  سأجرب، دعني أجرب وأنت بجانبي، هل لك أن تلوذ بالصمت ؟؟

استلقيت وأنا على جانب النهر، أغمضت عيني وأنا بجانبه، كان نسيم البحر يلفح جسمي استسلمت لوعيي الداخلي تجردت من كل شيء ، تركت عقلي يبحث عن كل ألأوساخ العالقة في جسمي تخيلت نفسي أحاكم نفسي وفكرت بما قاله الشيخ الجليل، خلعت ملابسي كلها قطعة قطعة، أصبحت عاريا من كل شيء ولم أكن لوحدي وإنما كان حولي كل الناس،كلهم يتفرجون ويسخرون، لم يكونوا ينظرون لعورتي السفلى ولكنهم كانوا ينظرون للأعلى لوجهي كأن به شيئا يثير الاشمئزار، على ماذا ينظرون يا ترى، حاكمت ذاتي، جلدتها ألف جلدة ففي عالم الذات عليك أن تجلد نفسك أنت بيدك لن يتطوع أحد بجلدك هناك سترى الجميع يسخر منك حتى الذين كانوا في عالم الوعي يمدحونك معجبين بك، كانت الجلدات قوية تلسع روحي قبل جسمي، كنت أبكي أريد العودة لوعيي لكني لم أستطع ذلك ولم أستيقظ إلا من الجلدة الأخيرة فقد كانت مؤلمة جدا، نظرت حولي فلم أر الشيخ، يبدو أنه تركني كي لا يرى عورتي الداخلية .

يا له من شيخ أراد أن يقول لي :

فكلك عورات وللناس ألسن !


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً