الصفحة الأساسيةقصص وسرد
فك يو دادي
الجمعة ٤ آذار (مارس) ٢٠٠٥
بقلم عادل سالم

فك يو دادي، نعم هذا ما قلته لأبي قبل أن أغادر بيته. وسأقولها له ألف مرة أخرى (هي إز مذر فكِر)، إنه ابن الزانية.
هذا ليس أبا، إنه مجرم بحق أسرته، مجرم بحق نفسه. يعتقد أنه يمتلكني كملابسه وفلوسه لأنه أبي.
لم يفهم قط ولا يريد أن يفهم أبداً أنني أصبحت ابنة واعية كبيرة، لها مشاعرها وأحاسيسها وأفكارها، وبيدها قرار حياتها.
أعرف أن ما قلته له شتيمة كبرى لا تغتفر عند العرب ولا حتى عند أي مواطن عاقل.
أنا لست مجنونة كما تتوهمون أنتم والعرب الذين تنتمون إليهم، فأنا أعرف معنى الأبوة، وأعرف أن للوالدين احتراما لدى الأبناء. لكني أعرف أيضا أن على الآباء واجبات تجاه أبنائهم، فماذا قدم والدي لنا؟ هل يكفي الأكل والشرب لتربية الأبناء؟
منذ وعيت ووالدي يعيش ونحن في مدينة شيكاغو الأمريكية التي تقع في ولاية إلينويس والواقعة في الوسط الشرقي من الولايات المتحدة.
كان والدي يذهب صباحا للعمل ويعود منتصف الليل وأحيانا بعد ذلك بقليل، وكان يعمل سبعة أيام في الأسبوع وليس له إجازة أسبوعية كما كان يقول، فلم نكن نراه إلا قليلا فنشتاق إليه.
كان يمتلك محلا لبيع الخمور في إحدى مناطق السود الواقعة في القسم الشرقي الجنوبي من المدينة.
وعندما كنا نطلب منه أن يأخذنا للنزهة كان يقول لنا:
مشغول يا أولادي مشغول. أنا أعمل ليل نهار لأربيكم! حتى والدتي لم تكن مرتاحة معه، فكثيراً ما صحوت فى الليل على صراخها، كانت أمي تقول له:
- عليك أن تضع حدا لهذه الحياة، عليك أن تغير أوقات عملك. أعطنا جزءاً من وقتك. أنا مسجونة بين أربعة حيطان هذا حرام.
فيرد عليها والدي
- أنسيت العز الذي تعيشين فيه؟
لولا حذائي لما كنت في أمريكا، أنا أعمل لأجلكم، عليك أن تشكرينني لذلك.
- يا حبيبي، يا روحي، والله طلعت روحي، هذه ليست عيشة، نحن في سجن، والله زقازيق بلادنا أفضل من هذه العيشة التي تعيرني بها.
وعندما تكررت المشاكل بين والدي ووالدتي قرر والدي أن يزيح أمي عن ظهره فاشترى لها سيارة وهاتفا خلويا بعد أن علمها قيادة السيارة.
تنفسنا الصعداء قليلا وصرنا نخرج من البيت مع أمي لزيارة الأقارب أو صديقات أمي واستراح والدي من مطالبنا معتقدا أنه بذلك حل مشكلة العائلة. وعندما أصبحنا عائلة كبيرة - سبعة أولاد وبنات - توقفت أمي عن اصطحابنا وأصبحت تتركنا في البيت وتخرج وحدها لزيارة صديقاتها أو للتنزه معهن، وصارت مسؤولية البيت تقع على رأسي.
لم نعد مع مرور الزمن نسأل إن حضر أبونا أو لم يحضر فلم يكن وجوده يعني لنا سوى كثرة تدخلاته فينا.
كان دائما يقول لي:
- يا سميرة إياك أن يضحك عليك ولد من الأولاد! من المدرسة للبيت مفهوم.
- حاضر يا والدي.
كان يكرر علي عبارته تلك كلما رآني حتى مللت رؤيته. لم أسمعه يوما يحذر أخي سمير الأصغر مني عن علاقاته مع بنات المدرسة فكل تحذيراته كانت تتوجه لي أنا.
لم أفهم لماذا علي ألا أحدث الأولاد وأختلط بهم؟
بصراحة كنت أتعمد الحديث مع الأولاد نكاية به.
كانت أمي دائما تشرح لي بماذا أختلف عن الأولاد، وكانت تحذرني من مناطق معينة بجسدي وتقول لي إياك أن يلمسها أحد.. وعندما كبرت صار والدي يتلو علي بعض الآيات من القرآن ويقول لي بأن الاختلاط بالأولاد حرام وكانت أمي تعيد على مسامعي نفس الإسطوانة حتى كدت أجن، فالذي كان يحيرني لماذا لا يقولون لأخي الأصغر عن الحلال والحرام.
كل ما كانوا يقولون له:
- راقب أختك بالمدرسة، لا تترك الأولاد يخدعونها أنت رجل البيت فى غياب والدك..
عائلتنا كانت تعيش فى تناقض صارخ ما بين الواقع والنظريات كانوا يريدون تطبيق كل عاداتهم وثقافتهم ودينهم علي وحدي فوالدي الذي كان يتلو علي مواعظه كلما رآني ويقول لي هذا حلال وهذا حرام لم يوضح لي كيف يبيع الخمر والخنزير فى محله. تجرأت مرة وسألته :
- أليس بيع الخمر حراما في ديننا؟!
- أصبحت تعرفين الحديث والحلال والحرام يا مقصوفة الرقبة؟
نعم حرام لكن نحن نبيعه للكفار بيع الخمر للكفار حلال وكل ما نفعله بهم حلال!!
والدي الذي لا يقيم للدين وزناً ولم أره يصلي مرة واحدة فى حياته يتحدث عن الكفار وكأنه هو المؤمن.
لم أرد عليه، لكني قطبت حاجبي وحركت شفتي غير مقتنعة من إجابته. ولطالما تساءلت هل هذا هو ديننا؟ من هو الذي يفتي له بذلك؟
لم أفهم من الإسلام شيئا سوى هذا حلال وهذا حرام، فإن ظهرت على شاشة التلفاز صورة امرأة شبه عارية تدير أمي القناة قائلة:
- هذا حرام وعيب. ولم تهتم بعد ذلك بأي شيء، فقد ملت تربية الأطفال، لم تكن تشعر أنها متزوجة، وكثيرا ما كانت تقول لنا :
- لولاكم لتركت البيت إلى غير رجعة. أنا أضحي لأجلكم.
لم تكن عائلتنا تقيم أية شعائر دينية حتى صيام رمضان لم نكن نصومه. كل ما كنا نقوم به هو الاحتفال بعيد الفطر وعيد الأضحى، حيث كان يزورنا بعض الأقارب.
عندما أكملت الـ 16 عاما قبل سنتين، حاول والدي إقناعي بالسفر إلى بلدنا الأصلية لزيارة الأقارب هناك وحتى يراني أهل البلد لعلني، كما سمعته يقول لأمي ، أظفر بعريس يستر علي! كان يريد أن يتخلص مني بالزواج حسب طريقته القديمة.
سافرنا جميعا ما عداه، وفوجئت أن بعض الذين كانوا يستقبلوننا بالمطار، كانوا من الذين جاءوا لخطبتي قبل أن يسبقهم غيرهم، فقد كان أهم ما يطمح له شباب بلدنا هو السفرإلى أمريكا – بلد النعيم- وطبعا سيكون سهلا السفر من خلال الزواج من أمريكية.
أحد المستقبلين أرسل أهله صبيحة اليوم التالي لخطبتي، شخص آخر، جاء أهله من دون أن يراني، والعجيب أن شخصا آخر أرسل لي قصيدة شعر قال إنه كتبها خصيصا لي، لكني عرفت من إحدى قريباتي بعد أيام أنه سرقها من ديوان شعر لشاعر اسمه نزار قباني.
أحد الذين طلبوني للزواج وقبل أن يسمع رأيي بدأ يشرح لي عن الدين وضرورة لبس الحجاب وأنه لن يقبل أن تترك زوجته البيت من دون إذنه، انفجرت به صارخة:
- لا تقرأ علي مواعظك.
كلكم مثل والدي كذابون. تأتون لأمريكا زوارا أو طلابا ثم تتزوجون الأمريكيات والعربيات الأمريكيات، وبعد حصولكم على حق الإقامة الدائمة تطلقونهن دون أن تشكروهن على ما قدمنه لكم.
ها ها ها، من قال لك إني سأتزوج واحدا مثلك.
بعد سنة من تلك الحادثة سمعت أن ذاك الشخص جاء لأمريكا بفيزا طالب، وأنه بدل الدراسة يقضي معظم وقته في كازينوهات القمار. ربما كان يقامر هناك على ما تبقى من مواعظه الدينية.
غضب والدي لأنني رفضت الزواج من كل العرسان وأعطاني مهلة حتى أتراجع عن قراري لكنني لم ألتزم بأي قرار، فأنا المسؤولة الوحيدة عن نفسي. وقد ولى زمان عبودية المرأة.
كان والدي يتوهم أن خيانته لأمي لن يكشفها أحد، فلم يكن يعرف أن المرأة أذكى من الرجل فى اكتشاف الخيانة، إذ يكفي أن تشم عليه رائحة العطور مع أنه راجع من العمل في محل للخمور، فكيف عندما تشم عليه رائحة عطور نسائية؟ أو ترى آثار أحمر الشفاه على وجهه بعد أن نسيها، أو تشم رائحة حيواناته المنوية لأنه لم يغتسل أو ترى آثارها على كلسونه فى الصباح.. أو.. أو..
فى أحدى الليالي حصلت مشكلة كبيرة بينهما.. طوشة كادت أمي تتصل بالشرطة فقد جاء والدي سكران تفضحه رائحة الخمور المنبعثة من فمه. وقد أصر والدي على أن تصحو والدتي لتعد له طعام العشاء رغم أن الساعة كانت حوالي الثانية صباحاً، لكن والدتي رفضت ذلك وقالت له إنها كانت نائمة وكان بإمكانه أن يعد الطعام بنفسه، لكن إصراره فجر الصراع.
- لن أحضر لك الزفت، اذهب وكل مع عشيقتك يا خائن يا غشاش.
- أنت وأبوك وكل عائلتك الغشاشون يا حيوانة.
- أنت حيوان وألف حيوان يا صايع يا ضايع يا سكير.
- أنا أحسن من كل أهلك الغجر الشحاذين.
- أهلي أشرف منك ومن رائحتك النتنة.
- اخرجي من البيت قبل أن أذبحك.
- اسمع خلي الليلة تعدي على خير حتى لا أتصل بالشرطة ليسحبوك مثل الكلب.
- أنا كلب، أكيد أهلك لم يعلموك الأدب يا قليلة الأدب.
بعد ذلك يبدو أن والدي اختصر الطوشة مع والدتي لأنه يخاف من الشرطة فهو يعرف أن الشرطة هنا في صف المرأة وإذا تأزمت المشاكل فهو الذي سيطرد من البيت لذا جاء يوقظني أنا لأعد له طعامه ففعلت ذلك مرغمة. كنت أقرف من رائحة الخمر المنبعث من فمه، وكنت أمام كل ذلك أعيش حالة صراع مستمر، أين الحلال وأين الحرام؟
كنت أنا وإخوتي وأخواتي من يدفع ثمن هذه الصراعات وتلك التناقضات.
لماذا يختار والدي ما يناسبه ليعتبره حراما ويمارس ما يحلو له دون التفات للحلال والحرام.
لماذا يطلب منا أبونا أن نمارس شيئا هو يمارس عكسه؟
لماذا لا أفعل ما أراه مناسبا لي كما يفعل هو؟
لقد تجاوزت سن الـ 18 الآن ولا يحق لأحد أن يقرر نيابة عني مصير حياتي، فأنا أعيش في أمريكا وليس في بلاد العرب المتخلفة حيث يبيع بعض الأهل ابنتهم لمن يدفع أكثر.
في الشهور الأخيرة لحياتي الدراسية في المدرسة تعرفت على شاب أمريكى أبيض، كان وسيما ومرحاً، يسمع مشاكلي، يواسيني، يهتم بي بما يرضي غروري.
توطدت بيننا العلاقة حتى أصبحت أشعر بانسجام معه وربما كنت أرى فيه الشخص الذي أهرب إليه من جحيم عائلتي.
كان لأخي الأصغر منى (15 عاماً) صديقة أمريكية، أحضرها معه يوما للبيت فاستقبلتها أمي وصارت تحدثها عن بلاد العرب والمسلمين وقدمت لها الشاي والجاتوه، وقالت لأخي سمير، صديقتك جميلة يا سمير وخفيفة دم.
سألتها يوما هل يمكنني أن أحضر صديقي إلى البيت لتتعرفوا عليه لحقتني بالمكنسة وصرخت بي:
- يا عايبة، أتصاحبين من وراء ظهرنا؟
أتريدين جلب العار لأبيك ولنا، تفوه عليك بنت منحرفة.
كل هذا لأنني طلبت أن أتساوى وأخي في البيت. كنت سأتفهم موقفها لو عاملت أخي بنفس الطريقة، لكنها كانت تردد أسطوانة أبي :
- سمير شاب ورجل والرجال لا يجلبون العار لأهاليهم.
يا الله، كل مرة يحدثونني بأسلوب مختلف، فمرة يقولون لي هذا حرام ومرة يقولون لي الرجل يجوز له ما لا يجوز للمرأة، ومرة أخرى يقولون هذه عاداتنا وأحيانا يتذرعون بالدين حتى أصبحت أكره أي حديث عن الدين. وكلما مرت الأيام ازددت تصميما على الاستقلال برأيي وحياتي خصوصا وأنني تجاوزت الثامنة عشرة قبل شهر، وأصبح من حقي القانوني أن أقرر ما أراه مناسبا لنفسي.
طلب مني صديقي ستيف أن نخرج للعشاء معا والذهاب إلى أحد النوادي الليلية المخصصة لمن هم دون الواحد والعشرين من العمر.
وافقت من دون تردد، وقضيت معه سهرة جميلة لأول مرة فى حياتي، جلسنا فى أحد زوايا النادي على نفس المقعد الطويل.
اقترب مني حتى التصق بي وبعد لحظات وضع يده على كتفي. شعرت بحرارة تسري فى جسدي، كان يهمس فى أذني كلامه المعسول بأنه يحبني، كانت أنفاسه تشحنني وتثير النار في جسمي، ورائحة العطور التى استخدمها كانت تدفعني أكثر للاستسلام.
كنت أستذكر كلمات أمي بأن ذلك حرام، وتوصياتها لي بألا أسمح لأحد أن يضع يده على جسمي، لكني شعرت بقوة غريبة تحطم كل إمكانية لي للمقاومة أو الرفض.
ازدادت ضربات قلبي عندما طبع أول قبلاته على شفتي ، قشعريرة سرت في جسدي، شعرت بلذة غريبة.
هل أنا أمارس الحرام اليوم؟ فلماذا يمارسه أخي وأبي دون أن يعترض أحد.
طلب مني ستيف أن أرقص معه، فرقصنا على أنغام موسيقى هادئة (سلو دانس)، ضمني لصدره فتناثر نهداي الممتلئان حتى خرج نصفهما من تحت الملابس، فبدأ يقبلهما كالجائع، حاولت أن أمنعه لكني استسلمت فى النهاية.
انتهت السهرة وعاد بي ستيف بسيارته للبيت، فطلبت منه أن يوقف سيارته قبل بيتنا بحوالي 200 متر – بلوك - حتى لا ينتبه من بالبيت حين نزولي من السيارة.
أوقف ستيف سيارته ونزل لوداعي، تعانقنا، وطبع آخر قبلاته على شفتي وبينما نحن فى غمرة تبادل القبلات، فجأة توقفت سيارة بالقرب منا، خلف سيارة ستيف، ونزل منها شخص اعتقدناه فضوليا فإذا به والدي يصرخ علي
-  يا عاهرة، يا شرموطة.
فهربت مسرعة للبيت أستنجد بأمي، بينما استقل ستيف سيارته وهرب.
لحقني والدي بعد أن أوقف سيارته أمام البيت وبدأ يضرب بي يمينا ويساراً، لم يترك قطعة من جسمي لم تصلها اللكمات والركلات، حتى احمرت عيوني ونزفت الدم من فمي وأنفي ولم أعد أقوى على الحراك. لم يترك والدي وهو يضربني كلمة سافلة إلا ووصفني بها. فمن عاهرة إلى شرموطة، إلى قحبة، إلى منحطة، إلى من تجلب العار لأهلها.. الخ. بعد ذلك جرني للغرفة السفلى وربطني بالسرير ثم أغلق علي الباب. حاولت أمي أن تحجزه عني، لكن بعد أن سمعت عما رآه تركته يفعل ما يريد، وقالت لي:

- تستاهلي يا سافلة، تفوه عليك، فضحتني، ليتني لم ألدك.
حتى أخي سمير كان موافقا على ضربي أما بقية إخوتي وأخواتي الصغار فكانوا نائمين ولم يسمعوا شيئا وإن سمعوه فقد تعودوا على صراخ والدي ووالدتي علي. بعد أن هدأت الأمور سمعته يقول لأمي:
- حضري الحقائب غداً، سوف أحجز لكم مع أول طائرة تتجه إلى بلادنا. عليك أن تبقيها هناك حتى تتجوز أو تموت أينقصنا فضايح آخر الزمان. كل هذا بسبب تربيتك المنحطة. فردت أمى عليه:

- اسمع خل الأمور ماشية، حتى لا تجنني بكلامك التافه. أنسيت نفسك وأنت تعود لنا سكران فى منتصف الليل؟.أين دورك كأب؟ لم يسمعوا منك كلمة واحدة تذكرهم أن لهم أباً.
اختصر أبى الحكاية مع أمي، واتفقا على السفر.
لم أرد السفر إلى بلادنا الأصلية، فأنا ولدت هنا ولا أريد العيش في بلاد لم أعرف عنها الكثير ولم أزرها سوى مرة واحدة ولم أعش بها طفولتي ولا أتكلم لغة أهلها إلا قليلا والأهم لا أعرف فيها أحدا وقرار السفر أو عدمه يجب أن أتخذه أنا لا والدي أو والدتي أو حتى زوجي فى المستقبل.
لم أستطع النوم فى تلك الليلة، كانت الآلام تغطي كل جسمي ولم أذهب للمدرسة فى اليوم التالي-رغم قرب الامتحانات النهائية- فقد منعني والدي من الخروج من البيت نهائياً.
عاد والدي بعد ظهر اليوم التالي، يحمل تذاكر السفر لي ولأمي وأختي الصغيرة أما البقية فقد تعهد والدي برعايتهم بمساعدة أخي سمير. كانت تذكرة أمي لمدة أسبوع أما تذكرتي فكانت بدون عودة،
ثارت ثائرتي بعد أن عرفت ذلك لكنني تمالكت نفسي فليس أمامي إلا الهرب. جاء والدي يحاول أن يسترضيني حتى أهيئ نفسي للسفر فقد كان يخشى أن أمتنع عن ذلك فى المطار أمام أفراد الشرطة فأفسد عليه خطته. لذا حاول إقناعي أنه سيعيدني بعد أن تهدأ الأمور وأتزوج بابن الحلال وتعهد لي أنه لن يغصبني على الزواج من أحد لا أحبه.
ذهبت للحمام لأعد نفسي للسفر في مساء اليوم، نظرت لوجهي بالمرآة فهالني ما أنا عليه. عيوني منتفخة، وشفتي اليمنى مجروحة، كان صدري مليئا بالجروح من أظافر والدي القاسية ولم يسلم جبيني من جرح آخر. كان منظري مرعبا فبكيت بحرارة وصرت أفكر كيف أهرب من البيت.
فتحت غرفة الحمام خفية دون أن ينتبه أحد. كان الجميع مشغولين، فتسللت إلى أقرب جهاز هاتف ورفعت السماعة واتصلت بالشرطة ثم أغلقت الخط وعدت للحمام.
لم تمض عدة دقائق حتى كان أفراد من الشرطة يقفون على الباب يطرقونه، فتح والدي الباب وتفاجأ بهم
- مرحبا هل يمكنني أن أخدمكم؟
- نظر الشرطي إلى والدي، وسأله، هل أنتم بخير؟
-  نعم كل شيء على ما يرام. قال أبي.
كان الشرطي يعتقد أن العائلة قد تكون مهددة، أو أن ثمة من يهددها في البيت وأن أحد أفراد الأسرة اتصل خفية.طلب الشرطي أن يتفحص البيت وعندما دخل البيت خرجت من الحمام بسرعة لأقول له:

- أرجوك ساعدني، أبي ضربني ويريد تسفيري بالقوة إلى بلاد لا أريد أن أسافر إليها ليبيعني لمن يجعلني خادمة عنده.
-  لا تقلقي اهدئي قال الشرطي بعد أن رأى آثار اللكمات على وجهي.
- لا تصدقها، هذه مجنونة قال والدي وحاول إنهاء الحكاية.
لكن الشرطي طلب منه عدم الاقتراب مني ووضع يده على السلاح مهدداً ثم اتصل بقوة أخرى من الشرطة التي حضرت بأقل من دقيقتين. سألني الشرطي المسؤول عما حصل فشرحت له القصة، وقلت لهم :
- لا أريد أن أرفع قضية ضد أبي لكني أريد الرحيل من البيت أريد حمايتكم حتى أجمع ملابسي وأغادر البيت ولا أريد له أن يتعرض لي.
- حسنا أحضري ملابسك ونحن فى حمايتك.
حاول والدي التدخل فمنعوه بعد أن كبلوه بالقيود، قال لي والدي:
- سميرة ستجلبين العار لنا، ستجلبين العار لكل العائلة وعندما فشل تدخلت أمي قائلة:
- بلاش يا سميرة، لا تتسرعي، فإن ذهبت لا أنا أمك ولا أعرفك، فضحتينا يا سميرة. كل العرب فى شيكاغو سيعيرونا بك، تفوه عليك، يا ريتني ولدت حمارة ولا ولدتك.
كنت أبكي وأنا ألم حاجاتي وملابسي، أبكي لأني سأترك البيت الذي عشت فيه طوال عمري، لكني في المقابل كنت أتوق للحرية من عبودية أبي. حملت معي بعض الملابس وما أحتاجه بشكل يومي ولم أنس أن أحمل معي الإطار الذي كانت فيه صورتي مع أمي.
بكيت بحرارة وخرجت من الغرفة بعد أن ساعدني الشرطي على حمل الحقيبة . نزلت على الدرج إلى الطابق الأرضي وأخي سمير يرمقني بنظراته القاسية وقال لي للمرة الأخيرة :
- سميرة اكسري الشر وعودي، عودي لنا نحن أهلك لن ينفعك لا ستيف ولا غيره.. لكن إن ذهبت لن أتعرف عليك أبداً. لا تحمليني دمك فى المستقبل ولا تكوني وصمة عار تلصق بنا ما دمنا أحياء. إخوتي الصغار بكوا جميعا، وبكيت معهم.
كان والدي ووالدتي ينظران لي منكسري الجناح، وبعد أن اقتربت من الباب الخارجي ناداني أبي وعندما نظرت إليه قال لي هو وأمي: - تفوه عليك
أما أنا وبعد أن أصبحت بين رجال الشرطة وعلى عتبة الباب، قلت لوالدي بعد أن رفعت له يدي اليمنى مشيرة بأصبعي الأوسط إشارة شتيمة.
- فك يو دادي. فك يو دادي.. وخرجت من البيت لا ألوي على شيء بحماية رجال الشرطة.
خرجت من البيت مع الشرطة وبعد أن غادرنا المكان سألني الشرطي أين تريدين أن نوصلك؟.
سألته إن كان بالإمكان الاتصال بصديق لي، فاتصلت بصديقي ستيف عن طريق هاتف الشرطي وشرحت له ما حصل معي.
تأثر ستيف لما حصل وأسف لأنه كان سببا في ذلك ثم أكمل قائلا:
- سميرة سأكون سعيداً أن أستقبلك في بيتنا، لكن المشكلة أنني أعيش مع والدي ووالدتي ولا أستطيع أن أدعوك للبقاء معنا في نفس البيت.
لو كنت أعيش وحدي لاستقبلتك في بيتي لكن كما تعرفين فأنا مثلك طالب ولا زلت أعتمد في مصروفي على والدي، لكن لماذا لم تتصلي بصديق آخر تكون أوضاعه أفضل، أو ربما كان عليك الذهاب إلى مؤسسة حماية البنات اللواتي يتعرضن للعنف من أهاليهن.
- حسنا شكرا لك ستيف سأتصل بك لاحقا.
لم أتوقع أن أسمع من ستيف هذا الرد، لكن فعلا ماذا بإمكانه أن يفعل ما دام يعيش مع أهله ويصرفون عليه.
حرت ماذا أفعل وإلى أين أتجه، لم أكن أحسب حساب هذه الساعات، لكني كنت مصممة حتى لو نمت في الشارع بأني لن أعود إلى أبي. سألني الشرطي:

- هل قررت أين ستذهبين.
استعدت بثوان قصيرة كل من أعرفهم من أقارب وأصدقاء كنت أعرف أن أقاربي آخر من سأتوجه إليهم، فهم بالتأكيد أول من سوف يضربني ويشمت بي.
كانت قريباتي كلهن يغرن مني لأنني أجمل منهن جميعا ويكرهنني. وبينما أنا حائرة حتى تذكرت فجأة شيماء.
- يا إلهى كيف غابت عني شيماء.
فقد كانت وأهلها جيرانا لنا منذ عشر سنين ثم انتقلوا للسكن في بيت يبعد عنا حوالي خمسين ميلا، وكانت علاقتنا معهم جيدة. كانت عائلة شيماء من بلد عربي مجاور لوطننا الأصلي لكن علاقتنا معهم كانت ممتازة وكنت وشيماء التى تكبرني بعامين صديقتين رائعتين، فكم لعبنا معا، وتقاسمنا الأكل والشراب.
هل ستستقبلني يا ترى؟ وماذا لو عرفوا ماذا حصل؟ على كل حال علي أن أدبر المبيت الليلة وبعد ذلك سأرى ما العمل. قلت للشرطي سأتصل بصديقة أخرى لي.
- ألو شيماء، أنا سميرة
-  من؟ سميرة يا مرحبا يا مرحبا، كيف أنت؟ آخ منك لم لا تزورينني؟
- شيماء، أنا فى مشكلة وأريد أن أنام الليلة عندك.
-  معقول؟ هذه ستكون ليلة عيد، وأحمد الله أن غدا الأحد لأسهر معك حتى الصباح. ما هذه المفاجأة السارة؟ لن نتعشى الليلة إلا معك. لا تتأخري، أنا بانتظارك.
-  حسنا أنا قادمة، لكن لا تخبري أحداً بذلك وسأشرح لك عند وصولي
لم أصدق ما سمعته من شيماء، حتى إنها لم تسأل أمها أو أباها. ألهذا الحد واثقة من موافقتهم؟ لم لا فأبوها كان يعاملها معاملة الند مع أخويها وكان يرفض أن يتدخل أحد في شئونها سواه. كان يدللها وهي صغيرة ويناديها يا شمشم وأقسم لها أنها ستتعلم في الجامعة أحسن تعليم لو كلفه ذلك العمل طوال عمره لأجلها.
طلبت من الشرطة أن يوصلوني بيت شيماء وأعطيتهم العنوان. بعد ساعة كنت أمام بيت شيماء بعد أن ودعت أفراد الشرطة الذين لم يتركوا المكان حتى تأكدوا من دخولي البيت.
كان استقبال شيماء لي حارا وكذلك أهلها، وعندما رأت آثار اللكمات والجروح على وجهي، فهمت أنني على خلاف مع أهلي. وزاد الأمر وضوحا حقيبتي التي لا تستخدم إلا للسفر البعيد، لم تحاول شيماء إحراجي، لذلك لم تسألني شيئا واكتفت بالقول:
- عندنا مرهم ممتاز للإصابات فى الوجه، تعالي أعطيك إياه لتستعمليه.
- أعطيها قميص نوم قالت (لها أمها) وخذيها لتأخذ حماما حتى تستريح قبل العشاء.
بالفعل كان الحمام ضروريا فقد أنعشني بعد تعب اليوم كله، لكنه لم يبعد شبح والدي عني، فبقيت قلقة ومتوترة الأعصاب، حاولت أن أبدو هادئة معهم، فقد غمروني بعطف تمنيت لو غمرني به أبي يوما ما.
كان الأب يلعب مع أولاده الصغار ويناقش الكبار منهم في شتى شئون العلم والمعرفة وحتى فى الرياضة والألعاب كان يمزح معهم، ويضحك كأنه فى عمرهم.
تناولت طعام العشاء مع عائلة شيماء، ورغم أنني كنت جائعة لكنني لم أكثر من الطعام فقد كانت نفسيتي مضطربة لأبعد الحدود.
بعد العشاء بنصف ساعة تقريبا، رأيت الجميع يتسابقون إلى الحمام، عرفت فيما بعد أنهم كانوا يتوضؤون استعداداً لصلاة العشاء.
لم يدعوني للصلاة، ربما لعدم إحراجي وأنا ضيفتهم وربما لأنهم يعرفون عائلتنا بأنها لا تصلي وربما لأن ملابسي كانت تقول لهم أنني لست من اللواتي يصلين. تركوني وراحتي ولو كنت أصلي ما احتجت إلى دعوة أحد.
لحظات، اصطف الجميع للصلاة وراء الإمام، كانت الأم في تلك الليلة هي الإمام، فقد عرفت منهم لاحقا أنه يجوز للمرأة في الإسلام أن تؤم الصلاة في أهل بيتها. وقد وقف بقية أفراد العائلة وراء الأم حتى أصغر الأبناء سنا (باسم) ابن الرابعة ، فقد ترك ألعابه دون أن يطلب منه أحد ذلك ووقف بجانب الجميع وهو يتلفت يمينا ويسارا ببراءة، ينظر لي كأنه يتساءل لماذا أنا وحدي لا أشاركهم الصلاة؟ كانت نظرات باسم تثير في ذهني أسئلة كثيرة.
لم أعرف كيف أصلي، ولم أصل يوما ما ولم أعرف الوضوء قط، ولا أدري إن كان يجوز لي أن أصلي، فأنا في نظر الأهل عاهرة وعايبة وشرموطة.. الخ.
أعلن الإمام بدء الصلاة.
- الله أكبر رفع باسم يديه مثلهم وكبر بصوته الملائكي
- الله أكبر
وقبل أن يضع يديه على وسطه، التفت إلي للمرة الأخيرة يدعوني بعينيه الصغيرتين.
كنت قلقه، متوترة، هل ألحق بهم؟ ماذا أقول؟ ماذا أفعل؟ هممت بالقيام فحرك رأسه يستحثني.
كانت براءته تدعوني للوقوف خلفه ولأكن مثله. قلت في نفسي لأجرب الصلاة مع هذه العائلة المتحابة. تقدمت خفية خلف الجميع وأعلنت الصلاة، كنت أعمل مثلما يعملون دون أن أعي أي شيء. كان إحساس غريب قد تملكني، فتح قلبي لهؤلاء الناس ولدينهم القائم على المحبة. نتهت الصلاة وسلم الإمام .
- السلام عليكم ورحمة الله، قالتها مرتين فرد الجميع مثلها وعندما هموا بالوقوف فوجئوا أنني خلفهم.
جاءني باسم مسرورا، مد يده مصافحاً تقبل الله فقلت له
- تقبل الله، ثم قالت شيماء
- اعذرينا، كنا نعتقد إنك لا تصلين، والصلاة بالنيات ولكن في المستقبل عليك أن تتوضئي وتلبسي ثياب الصلاة.
- نعم أنا لم أكن أصلي، وهذه المرة الأولى التي أصلي فيها لكنني لم أتوضأ مثلكم ولم أقل شيئا سوى السجود مثلكم. رد علي والدها قائلا:
-  يا ابنتي سعادتنا بك لا توصف، واعلمي "إنما الأعمال بالنيات". ويسعد شيماء أن تعلمك الوضوء والصلاة إن أحببت.
- طبعا يا بابا، سأعلمها وأصلي الفجر معها (ردت شيماء).
وأخيرا أسمع كلمة يا ابنتي بحنان من هذا الرجل الغريب عني، كم تمنيت أن اسمعها من والدي، كان والدي دائما يصرخ بي:

- يا سميرة أحضري الأكل
- يا حمارة هاتي الحذاء
- يا حيوانة أين الملابس الجديدة.
لماذا يا رب لم تخلق هذا الرجل ليكون أبي؟
سألتُ والد شيماء:

- أيغفر الله ذنوب الإنسان؟

- يا ابنتي كلنا ارتكبنا الذنوب بحياتنا ولولا رحمته ما دخل أحد منا الجنة
ربتت أم شيماء على كتفي

- كفكفي دموعك يا سميرة، وددت لو كنت ابنتي. وضمتني لصدرها الحنون.
كم أنا بحاجة لصدر الأم الحنون.. وضعت رأسي على كتفها واستسلمت للبكاء الطويل.

مشاركة منتدى:
فك يو دادي
الثلاثاء ٢ حزيران (يونيو) ٢٠٠٩
بقلم ___

مامعنى كلمة فكيو



    فك يو دادي
    الثلاثاء ٢ حزيران (يونيو) ٢٠٠٩
    بقلم George

    انها تعني ما يظهره شعار المقال

    فك يو دادي
    الخميس ٢٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٩
    بقلم محمد

    ابا اعرف كلمه فكيو

في هذا القسم أيضاً