الصفحة الأساسيةقصص وسرد
هل صحيح يا عمي محمد ؟؟
الأربعاء ٣ آب (أغسطس) ٢٠٠٥
بقلم عادل سالم

أن تكون وحيدا لا يعني بالضرورة أن تجلس بعيدا عن الناس، منعزلا، لا تكلم أحدا، ولا يكلمك أحد . فالوحدة ليست بابتعادك عن الناس، أو عدم انخراطك في لقاءات كثيرة مع بعضهم . الوحدة الحقيقية أن ترى ثقافتك وطموحاتك وأمانيك وأفكارك .. الخ لا تتقاطع مع من حولك ويعيشون معك . أن تتكلم بلغة غير لغتهم وتحلم غير ما يحلمون وأن يكون تفكيرك غير تفكيرهم، وإذا جمعتكم سماء واحدة وأرض واحدة فقد فرقت بينكم الأحلام والأهداف والمشاعر، حتى الموسيقى التي يقال إنها لا تعرف لغة ولا انتماء كثيرا ما تتعارض وتتنافر مع ذوقك رغم أنك تعيش في وسطهم.

من كان يؤمن أن الموسيقى لا لغة لها فقد أخطأ فها هي شعوب بأكملها تطرب لآلة موسيقية قد لا يطرب لها شعب آخر ويعتبرها نشازا .

الشعور بالوحدة شيء قاتل جدا ، شيء ممل، فكيف إذا طالت الوحدة ولا تعرف متى ستنتهي ؟؟ ألست حينها كمن يتعذب بالنار ؟؟ أو يعذب نفسه فيها ؟

كثيرون منا اختاروا عزلتهم بأيديهم دون أن يدروا، فإذا بهم يكتشفون أنهم غير قادرين على الخروج منها .

أليست الغربة عن الوطن عزلة اختيارية ؟؟ وأحيانا إجبارية ؟
صحيح ثمة ملايين من البشر رضوا بواقعهم الجديد واعتبروا أوطانهم الجديدة هي أوطانهم البديلة حتى لو قالوا غير ذلك بأفواههم وقليلون لم ينجحوا في التأقلم مع الواقع الجديد وظلوا يعيشون عزلتهم وكأني واحد منهم .

لم تنجح كل المغريات في أن تقتل في داخلي الانتماء الحقيقي لثقافة وحضارة تعيش في داخلي رغما عني . لثقافة رغم انكساراتها لا زلت أرى نفسي فيها وأنمو على ذكرياتها الجميلة .

أستمع أحيانا لأم كلثوم فأعود للوراء ثلاثين سنة، لا أعرف لماذا كلما أستمع لها أحلق في الفضاء ، ألأنها من جيلي الذي بدأ يعد العدة للرحيل أم لأنني لا زلت أعيش في الماضي ؟؟
بصراحة أقول لكم لم أعد أشعر بذلك الطرب الذي تعودت عليه عندما كنت أسمعها أنا وأبناء جيلي، فقد ذهب بريقها هنا في بلاد الغربة ، ألأن نانسي عجرم حلت محلها أم لأن زمانها قد ولى، أم لأننا نحن نعيش في زمن لم يعد لنا ؟!
لطالما استمعت لها وأنا أجلس في سيارتي على شط بحيرة فكتوريا في ولاية منسوتا الشمالية في الولايات المتحدة وهي تصدح
يا فؤادي لا تسل أين الهوى
كان صرحا من خيال فهوى

رحم الله ابراهيم ناجي الشاعر المصري الذي كتب كلمات تلك القصيدة الرائعة، هل حقا هوى صرحنا الكبير كما قال ؟؟
هل حقا تحطمت أحلامي ؟؟

أكانت كل أحلامي مجرد وهم وأمان لن تتحقق ؟؟

اسقني واشرب على أطلاله
وارو عني طالما الدمع روى

ماذا أشرب على أطلاله ؟ ومن هو الذي سيسقيني مادام الوطن الذي تعودت أن أشرب بيديه أصبح بعيدا لا نراه إلا في الصور والانترنت ؟؟

لا لم يعد لصوت أم كلثوم ذلك البريق؟
لقد غاب عن صوت المسجل والسي دي نبرة صوتها ، ليس لأنها ماتت ...
هل هناك من يفهمني، ويقرأ ما بين السطور ؟؟

أم كلثوم وأغانيها وصوتها جزء من حضارة لا تعيش ولا تنمو الا في بيئتها، وعندما تسمعها بعيدا عن ذلك الوطن تصبح مثل قراءة تقرير في مجلة عن جزر بروناي وماليزيا ترى صورها لكنك لا ترى جمالها الحقيقي .

هناك في شوارع القاهرة ولبنان ودمشق والقدس يمكنك أن تحس بصوتها، يمكنك أن تغني معها بصوت عال دون أن تخاف من أحد أو يسخر منك أحد، هناك وأنت تجلس على أحد المقاهي ترى الناس يطربون معك ويشاركونك فرحتك .

ها هو عمي محمد بعكازه القصير يقف فجأة أمام المقهى يطربه صوت الست القادم من آلة التسجيل في الداخل فيحرك رأسه طربا ويهز عكازه بينما الست تغني :

هل رأى الحب سكارى ....
عمي محمد يتنهد قليلا ويرفع عكازه ويقول :
-  ساق الله على أيام زمان
-  واحد شاي لعمي محمد، أصيح بأعلى صوتي للنادل ثم أدعوه للجلوس .

يجلس عمي محمد بجانبي يغلق عينيه كأنه يستعيد كل ذكرياته القديمة.
أم كلثوم تكمل القصيدة حتى تقول
وضحكنا ضحك طفلين معا...

- الله، ما أعذب هذا الصوت. يتمتم عمي محمد. تركته في سرحانه وانشغلت في تدخين الشيشة . كنت طربا مثل عمي محمد حتى استفقت وهي تقول
ياحبيبي كل شيء بقضاء
ما بأيدينا خلقنا تعساء

حينها هززت عمي محمدا وسألته، أصحيح يا عمي محمد ؟؟
هل صحيح أن سبب تعاستنا ليست من صنع أيدينا ؟؟
هل كان ناجي صادقا أم كانت له أحلامه الخاصة التي لا تتقاطع مع أحلامنا ؟؟

هل نحن الذين شئنا أم الحظ الذي شاء ؟؟
-  عمي محمد ، عمي محمد ، هززته 3 مرات أخرى
-  مالك يا عادل جرى ايه ؟؟
-  انت نايم يا عم محمد
-  ده انت فوقتني من أحلى حلم بحياتي
-  الله ، انت لسه قاعد من 3 دقايق
-  بس 3 دقايق ؟ الله دول أحلى 3 دقايق عشتهم
-  عايز أسألك يا عم محمد
-  قول يا ابني عايز ايه
-  هل صحيح أن كل شيء بقضاء ؟؟
-  مش هتفرق يا ابني ما دامت النتيجة واحدة ، واللي راح راح
-  لم أرد ....
-  تعرف تلعب طاولة، سألني عم محمد بعد أن عرف حيرتي
-  انت لسه فاكر؟
-  اغلبني إذا بطلع بايدك
-  وكمان بتتحداني
-  انتو جيل الشباب جيل ضعيف
-  الله ! طب ليه ؟
-  حتعرف لما تلعب الطاولة وتتغلب
-  يا عبده هات الطاولة واتنين شاي، ناديت النادل فقد قررت أن أغلب عمي محمد .


تعقيبك على الموضوع
مشاركة منتدى:
هل صحيح يا عمي محمد ؟؟
السبت ٦ أيار (مايو) ٢٠٠٦
بقلم اخوك سالم شاهين

يا استاذ عادل لكل زمان دولة ومكان . وكل الأشياء تنمو وتذبل وتنكسر ، ولكنها لاتقتل .

مات جدي وجدك ومات لنا من الأعزاء الكثير ولكنهم مازالوا يعيشون فينا كمااننا مازلنا نسير على خطاهم الواثقة المقتدرة على بقائها .كما تعيش معنا طفولتنا التي لم نودعها بعد ففينا منها الكثير رغم مرورها بنا.
اخي عادل سألني بالأمس احد الأصدقاء عن البقاء فقلت له وأنا واثق من جوابي ( ان الخفيف لاتهمه العاصفة ) اما نحن ما دمنا نملك ثقلنا ونشغل حيز في الفراغ فنحن ما زلنا احياءليس لأنا لانملك ثقلاً على هذه الأرض بل لأنا متجذرين فيها ، وعمي محمد رجل اراد ان يعيش فعاش ليس للذكريات فقط بل لأنه آمن بأنه موجود ما زال يشغل حيزه في هذا الفراغ .

لقد مرت السنون بنا وهي تحفر بأزميلها مواقع الأشعاع فينا محاولة بذلك تعريتنا منا نحن ولكن هيهات ، وما دمنا نعمل لدنيانا وكأنا نعيش ابدا ونعمل لآخرتنا وكأنا نموت غدا .

والغربة التي نعيشها هي من صنع الذين وثقنا بهم ولم ينصفونا




الرد على هذه المشاركة

صحيح يا عمي عادل ؟؟
السبت ٦ أيار (مايو) ٢٠٠٦
بقلم الكاتب محمد ملكاوي

بعيدا عن عالم السياسة و الكتابة فيها، انهمك حاليا في البحث عودا إلى بدايات الوعي، و في الأثناء تردني هذه المقالة من صديقي و مضيفي في الكتابة الأديب عادل سالم، العنوان و نقاش الموضوع، تلامس مع أمور عايشتها مع بعض رفقتي، لهذا ارتأيت على نهج المعارضات الشعرية أن أعارض المقالة.

عمي عادل؛ اتفق معك في معنى الوحدة، و الوحدة هذه توأم الغربة، فلا احد يدرك معنى ما تقول، ولا أنت تقول ما يدركه الناس، ترميهم بقبسات لعقها من النور لسانك، بأسى تنظر إليهم، متلفتين في وجوه بعضهم؛ ماذا قال آنفا؟، أن تكون نبيا لجدران صماء فهذه وحدة و غربة في آن، ستقر آنها باستحالة النبوة دون وحي.

أن يتلاعب بك مزاجك، و يتيه عقلك في التفكير حتى الكفر و التكفير فيما أقدمت عليه من سالف فعل، تتشدق "اللوامة" مقيدة لحركاتك، يجمدك الخوف على طريق الأمان، يقهرك الشك أملا في اليقين، ترمق الماضي بألم علك تستبصر المستقبل، و علك تستطيع من "لو" انفكاكا.

عند غروب الشمس، تجلس على عتبة منزلك ترمق تعاقب الليل و النهار متأملا، أمم تمر من أمامك، صريخ و صرخات، مزامير الحافلات تدوي، و قرع أجراس عربات بيع الكاز، يتناثر في الأفق صوت فج منبعثا من شريط تسجيل مشروخ لبائع متجول يروج للمنظفات، يخفت يخفت يخفت كلما ابتعد، ليجيء دور ممثل آخر بموسيقى تصويرية، ممتطيا صهوة سيارة سباق حمراء ما عادت تسبق أحدا، تسير بصوت أجش حتى لتكاد تلفظ أنفاس فارسها على أعتاب محطة الوقود.

و أنت، أنت ما زلت هنالك منعزلا أمام الجموع، تتلذذ برشفات الشاي بالنعناع، تتذكر نكهة أول لفافة تبغ أحرقتها خلسة، أول طفلة أحببتها، أول ليل دامس جهدت لتصل قلب سواده. هل أنت وحيد في هذا، سؤال صعب و الإجابة تدور بين مركزيتك في كون الطفولة و استعباد الأنا، أو نكرانك للآخر.

قد تكون وحدك الذي "رجعت في المساء كالقمر المسافر، حقولك السماء حصانك البيادر"، تحاول أن تحتكر الليل تحلق في سمائه، ها قد ظهرت في الأفق قمرك، مازلت تحلم بالسماء و لا تقوى على شيء في الأرض! توفر أغنيات فيروز للصباح، فالسيدة تستولي عليك تأخذك بكلماتها مرددة في رأسك، أفق خفيف الطرف.

تتشابك أفكارك، تعود وحيدا إلى حبك أول طفلة في حياتك، تتذكر صدود الهوى، تتخيل فيها هجران الشمس للقمر، تتحسس أثر ذاك الهوى على سجينه، و حريته في سجن كوني بلا قضبان حين يخفت الحب في قلب القمر!!

تحاول أن تتمسك بما بقي من شعاع الحب، تناضل في وجه خريفه كآخر وريقة تشبث بالجذع متلوية تحت صروف الرياح و تصاريفها، حتى لتجف عليها قبل صدور ربيع آخر، يا لك من بائس يأسرك الماضي ولا تأسره، فكل الوريقات آمنت بتموز، إلا أنت أنكرته فما وصلك يعود ولا حبك يتجدد، أما كان بك أحرى أن تتشبه بجذر صبارة، تنبت في اليباب، تمسك بطن الأرض، و تدلف حيث الماء، تهب بلا مقابل، تتحدى و تقاوم، إن عتت بك الرياح هنا نبتّ هناك.

بعد أن تنطفيء لفافة التبغ من تلقاء نفسها تتنبه إلى شايك الذي قد برد، تسمع ترددات صوت باب دارك الحديدي حين تفتحه عائذا من البرد، تدرك أن الأصوات جميعها قد خفتت، و أنك كنت وحيدا بين الجمع هناك، و ما إن تصل الى فراشك في الداخل تسمع صوت المؤذن يحيي على الفلاح، لتعلم بأنك كنت و ما زلت في غربة.




الرد على هذه المشاركة

في هذا القسم أيضاً