الصفحة الأساسيةقصص وسرد
الضحية لا تنسى جلادها
السبت ٧ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٦
بقلم عادل سالم

كلما استمعت مصادفة إلى أغنية المطربة السورية ميادة الحناوي أنا بعشقك انتابتني قشعريرة، وتمنيت لو أستطيع أن أخرسها للأبد.
الرجال كذابون لا يستحقون أن أعشقهم أو أضيع وقتي مع أحدهم.

العشق كلمة ليس لها عندي سوى معنى واحد، العبودية، والذل والمهانة. لا لن أعشق أحدا منهم، كلهم مجرمون سفلة قتلة، وأنا إحدى ضحاياهم الكثيرة.
أحيانا كثيرة أتساءل كيف تقبل المرأة أن تكون عشيقة لرجل مجرم سفاح قاتل، كيف تقبل أن تضمه تعانقه، وهي تشاهد جرائمه كل يوم؟!

كثيرا ما سمعت أمي الثانية تقول لي : يا آنا ليس كل الرجال مثل السفاحين الذين حاولا قتلك، فهناك الطيبون ... لكنني لا أدعها تكمل، وأرد عليها:
-  لا لم أر أحدا طيبا حتى الآن؟
تهز رأسها وتبتسم وتضع يدها على كتفي فأحس بحنانها.
آنا هو اسمي الجديد، فقد طلبت تغيير اسمي القديم سوسن، لأنني قررت أن أقطع كل علاقة لي بالماضي الرهيب .
كل عودة إلى الماضي ولو لثانية تذكرني بهما، بالمجرمين اللذين حاولا قتلي، حاولت مرارا أن أنسى ذلك، لكن هيهات، هيهات، فالماضي يقف أمامي مثل شجرة كبيرة كلما قطعت جذعا منها نما بدلا منه جذوع جديدة.

آه لو أستطيع أن أقطع تلك الشجرة من جذورها، أعني يا رب على قطعها، فلم أعد أرغب أن أستظل بظلها، لا أحب ظل الشمس ولا عتمة الليل، لكنني أستعذب لحظة إشراق الشمس.
لكن هل فعلا أريد قطع تلك الشجرة من جذورها؟؟ ألا أحن لأمي المسكينة التي ابيض شعرها حزنا علي؟ ما ذنبها؟ كيف لها أن تعرف أن الشياطين كانت تتربص بي في الطريق عندما أرسلتني قبل عدة سنوات لشراء كيلو من السكر من البقالة القريبة، كان الوقت بعد مغيب الشمس بقليل، وكنت حينها في الحادية عشرة من عمري. كنا نسكن إحدى حارات عمان القديمة، في منزل جدي بلا مقابل، هذا المنزل عبارة عن غرفتين من الطوب، وسطحه من الزنك وأرضيته متشققة مغطاة بفرشات الإسفنج المهترئة، ينامون ويجلسون عليها ويستقبلون الضيوف .

ورغم أنني كنت الابنة الوحيدة ولدي 3 أشقاء لكن أمي أرسلتني لأنني أكبرهم جميعا.

لا أعرف كيف حدث كل ذلك معي .
كأنه حلم لا زلت أعيش تفاصيله كل ليلة، الكوابيس لا زالت تزورني بين الفينة والأخرى.
بعد خروجي من البقالة وبعد أن ابتعدت قليلا عن المحل قام شابان من الحي مجردين من الاحساس باختطافي بعد أن جراني إلى نفق متشعب، قاومتهما، صدقوني قاومتهما، لكنني لم أستطع التغلب عليهما.
كنت أعتقد أنهما يريدان سلبي ما اشتريته، فتركتهم يأخذونه، لكنهم كانوا يريدون سلب شيء آخر لم أكن أفهم شيئا عنه.
بكيت وتوسلت لهما، لكنهما رفضا توسلاتي، كانا يضحكان كمن اصطاد فريسة يبحث عنها منذ شهور، هجم علي الأول كمن يريد افتراسي، يا الله لم أصدق، ماذا يفعلان، أين أبي؟ أين أمي؟ أين أنت يا رب؟ ألم تقل إنك قريب تجيب دعوة الداعي إذا دعاك؟
ها أنا أدعوك أن تنجديني، أن تنقذني، يا رب! يا رب.....
لم ينجدني أحد فقلت للرجل المتوحش: أرجوك، ألا يوجد لديك طفلة؟ ألا يوجد لديك أخت؟ حرام عليك، ألا يوجد بقلبك رحمة؟
ضحك وقال لي بصوته المتوحش
-  لا تخافي لن يؤلمك كثيرا، سأحاول أن أجعله بدون ألم فأنا خبير بذلك. وأجاب الثاني بجلافة
-  سوف تشعرين بلذة، وضحك ضحكة طويلة وعالية.
- 
لم أكن أعرف عن أية لذة يتحدثان ولم أعد أريدها أو أحلم بها .
كرهت كل الجنس منذ تلك الحادثة وعندما كبرت قررت أنني لن أتزوج ولن أفكر في الجنس الآخر.
كيف أفكر بجنس يبحث عن لذته في عذاب الآخرين.
لم يأبه لبكائي ولم يستمع لتوسلاتي.
ضرباني، مزقا بعض ملابسي، كانت أيديهما تنهش بلحمي مثل أسد يلتهم فريسته، كانت أصابعهما أشد فتكا من أنياب أسد جائع فالأسد يفتك بفريسته قبل أكلها، أما هذان المجرمان فكانا يريداني أن أتفرج على افتراسي.

قاومت بكل طفولتي وبراءتي، كانت يدي الصغيرة تقاوم أنياب الوحشين الكاسرين، صرخت بصوت لم أعهده في نفسي لعل أحدا يسمعني، استنجدت بوحوش أخرى لتنقذني من الوحشين الجائعين، لا أعرف إن سمعني أحد، كل ما أذكره أنني لم أر أحدا قادما لنجدتي، تخيلت في تلك اللحظة أمي وأبي، تصورت إخوتي الصغار يقاومون معي أنيابهما الكاسرة، لم يتركاني، استمرا في ضربي، أمسكت يد أحدهما ولا أعرف كيف ألهمني الله أن أعضها وضربت الثاني بقدمي في قضيبه الذي كان يهددني به، دققت في وجهيهما فارتسمت صورتهما في خيالي ولا زالت تؤرقني حتى اليوم.

باستطاعتي التعرف عليهما من بين مليون صورة ولو حتى بعد ألف سنة.
ل يمكن للضحية أن تنسى جلادها؟ هل يمكن للضحية أن تسامح، أو تصفح؟

كانوا قريبين من سكة حديد المنطقة فجراني إليها، وهناك قررا على ما يبدو التخلص مني، قررا قتلي، فبدأ أحدهما بضرب رأسي بسكة الحديد، فتطايرت الدماء من كل صوب
-  يا الله لماذا تتركهما يرتكبان جريمتهما دون ذنب اقترفته؟
-  لقد دعوتك أنا الطفلة التي علمتها أمها أن الله يحب الأطفال، أنا الطفلة التي لم تعرف بعد معنى الفاحشة والجريمة، أنالطفلة التي كانت البراءة تشع من عينيها ، آخ وأخيرا
ها هو القطار يقترب، استبشرت خيرا قلت لعلهم يتركاني الآن ويهربان لكنهما انتظرا حتى اقترب القطار فرمياني تحته وهربا.

صرخت بأعلى صوتي وردد كل الأطفال صداه ..آخ، فتوقف القطار بعد أن مرت عجلاته على قدمي فطحنتهما، وفصتهما عن جسمي النحيل ولم أعرف حينها ماذا حصل.

أفقت في المستشفى في اليوم التالي لأرى أمي وأبي من حولي، سألتهما أين أنا؟ هل أنا في الآخرة ، بكت أمي زيادة على بكائها وضمتني إلى صدرها
-  أنت طيبة يا سوسن : الله لطف
حاولت تحريك رجلي فلم أستطع وعرفت بعد أن تحسستها أنني فقدت قدمي، سائق القطار الذي أحس بجسم يرتطم بالقطار أوقفه ليكتشف أنه قطع ساقي طفلة دون أن يعرف .
بلغ الشرطة وأقسم منذ تلك اللحظة أنه لن يعمل كسائق للقطار بعد ذلك اليوم.

كان المستشفى الذي أنزلوني فيه مستشفى حكوميا، مكتظا بالناس، طالب أهلي نقلي إلى مستشفى أفضل فطلبوا منهما أن يدفعا مبالغ باهظة لم تكن متوفرة، استنجد أبي بالمؤسسات الحكومية، كان يصرخ
-  إن لم تستطيعوا حمايتها فعلى الأقل عالجوها!!
لم يسمع صوته أحد، ولم يعثر أحد على المجرمين.

جلست في البيت بدون ساقين عدت أزحف من جديد، صرت عالة على أهل بيتي، وأضفت لوالدي هما جديدا لم يكن يتوقعه.
كانت المؤسسات الاجتماعية تزورنا لكي تعلن تضامنها معي، وتبحث إمكانية مساعدتي في تركيب ساقين اصطناعيين.
كانوا يعتقدون أن الساقين الاصطناعيين سيحلان المشكلة، لم تكن أمي ولا أبي يعرفان أنني لم أعد سوسن التي عرفاها وأنجباها.

كانت صور المجرمين تزوراني كل فترة في منامي ، كنت أصرخ وأحاول الهرب منهما، فيستيقظ الجميع على صراخي، كانت أمي توقظني وتقول لي حبيبتي أنت في أمان إنه حلم، بل كابوس كان يقتل في كل إحساس بالأمان، تحولت إلى طفلة شبه مجنونة، لم تستطع أن تتخلص من كوابيس جلاديها حتى اليوم، لكن تغيرت الصورة كثيرا فيما بعد، فلم أعد أخافهما، بل أقاومهما في كوابيسي وألاحقهما، وأغرس في جسديهما أظافري.

فبعدما كنت أهرب منهما أصبحا دائمي الهرب مني. في المرة الأخيرة هربا فور رؤيتي ، كان أحدهما يحمل طفلا صغيرا يبدو أنه ابنه، فلحقت بهما، كانا يركضان وأنا أركض خلفهما، فجأة سقط الطفل عن الأرض، فانحنى أبوه يحمله لكنه لم يستطع لأنني وصلت إليه وصرت فوقه رقبته،
-  أرجوك افعلي أي شيء لكن دعي ابني يعيش؟
-  وهل تركتني أعيش؟
-  اقتليني أنا المجرم
-  وهل أنا بحاجة إلى اعترافك بالجريمة
التقطت الطفل عن الأرض، فكانت أنثى حملتها وطلبت منه أن يهرب فقال لي :
-  لا تقتلي ابنتي
-  لن أقتلها، بل سأحييها
-  وأين ستأخذينها
-  لأحميها منك
-  لكنني أبوها
-  وهل ستكون حريصا عليها
-  طبعا
-  لا أعتقد أن من يقتل أطفال الناس سيكون رحيما بأطفاله.

كان يصرخ ، يبكي ، يتألم ، وأنا أحمل الطفلة وأعود به من الكابوس الكبير إلى ...
فتحت عيني فإذا بي في سريري وأمي الثانية بجانبي، تضع يدها على رأسي وتمتم.

لا أعرف أي ملاك يسكن هذه الأم الجديدة التي قبلت أن ترعاني وتقف بجانبي منذ اليوم الأول لحضوري إلى السويد، فبعد أن ساءت حالتي النفسية وصرت أتصرف كالمجانين كما قالوا وافقت أمي وأبي على أن تتكفل مؤسسة سويدية علاجي وتعليمي في السويد، لأن حالتهم المادية لم تسمح لهم بعمل أي شيء ، سافرت إلى هناك فكانت هذه الأم في استقبالي وصرت أنا بالنسبة لها كل شيء ، كان تعيش لوحدها فصرت لها كل شيء كما أصبحت لي كل شيء في حياتي.

تحملت كل أزماتي النفسية، كانت مثل خادمة ترعاني ليل نهار، منحتني الحنان والأمان، علمتني اللغة السويدية التي أحببتها، ورويدا رويدا نسيت اللغة العربية، ليس كرها بها لكن ربما لأنها كانت جزءا من الماضي الأليم،
أحاول أن أنسى بعض الماضي وأتذكر بعضه الآخر، فلم أفلح لذلك صرت أحاول نسيان كل الماضي، وكل ما يتعلق به لعلي أنسى تلك الجريمة البشعة، لكن كيف أنسى الجريمة وهي تعيش معي كل يوم؟ وهي يمكن للضحية أن تنسى جلادها؟؟ هل يمكن لها أن تغفر، كيف يمكن تحويل الحقد الكامن في قلبي لكل معشر الرجال إلى حب حقيقي؟

آخ لو يخترع الأطباء دواء يشفي الناس من ذاكرتهم المؤلمة، لأنها أحيانا تكون أكثر ألما من المرض نفسه، لكنت أول المتقدمين لشرائها.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً