الصفحة الأساسيةقصص وسرد
اللص الوفي
الأربعاء ١ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٦
بقلم عادل سالم

أن تكون لصا فهذا يعني أنك غير مأمون الجانب، يعزف عنك الناس ويهربون من لقائك، يتمنون لك الموت كل لحظة، يستغيبونك في كل حديث، ويحذرون أولادهم منك، يستنجدون بالشرطة منك سرا وعلانية، بعضهم يحاول الاعتداء عليك إن اقتربت من صومعته، أما إن تركته بحاله فلن يسأل عما تفعل.
إن كنت لصا شرسا، ومن أصحاب السوابق، فإن معظمهم يظهرون لك محبة كاذبة، يصادقونك لكي يأمنوا شرك، ومستعدون تقديم رشوة مناسبة إن تركتهم بحالهم.

منذ الطفولة وجدي يقول لي لا تؤمن جانب اللصوص، لكني في كل حفلة عرس كنت أدعى إليها كنت أشاهد عشرات اللصوص مدعويين رسميا، وعندما كنت أسأل أهل العريس لماذا دعوتم فلانا؟ فقد كانوا يردون علي بجملتهم المشهورة:
-  إنه لم يسرق منا، والله غفور رحيم.
لكني صرت أعرف مع الأيام أن مصالح كثيرة تربط اللصوص مع بعض الناس.

قبل فترة سرقت سيارة صديق لي، فاتصل بالشرطة لكنها لم تستطع أن تفعل شيئا، فذهبت معه إلى صديق آخر على علاقة باللصوص وعرضنا عليه المشكلة، فقال لنا لا تقلقوا، ستعود السيارة غدا، وبالفعل فقد عادت بسرعة، وعندما سألناه كيف ذلك ضحك وقال لا تقلقوا ولم يطلب منا شيئا، كأنه أراد أن يخدمنا لصداقته لنا.

كان عبد السميع أحد اللصوص المعروفين في سنوات الستينات في القدس، كان اسمه وحده كافيا لزرع الرعب في قلوب الناس، لجبروته وشراسته.

وكان له عصابة من اللصوص مكونه من 3 أشخاص إضافة له باعتباره زعيم العصابة، اتفقوا جميعا على مبدأ واحد وهو أن يجتمعوا كل أسبوع أو أسبوعين للسطو على أحد البيوت أو المحلات لسرقتها.

لم يتركوا دارا من شرهم، حتى أن بعض أصحاب البيوت كان إن سمعهم يختبئ في غرفة ويتركهم يسرقون الغرفة الأخرى خوفا من الاعتداء عليه إن تعرض لهم .

في المرة الأخيرة قرروا منح سكان البلدة القديمة استراحة من شرورهم، وتوقفوا عن السرقة لفترة طويلة، قرر خلالها عبد السميع السفر إلى عمان لأمور عائلية.

لم يمض على عبد السميع أسبوع واحد في عمان حتى اتصل به أحد أفراد عصابته من القدس طالبا منه الحضور لأمر هام، لم يسأله عن السبب فقد كان يوصيهم بنفسه أن لا يتحدث أحد بالهاتف عن أي شيء، كان يكفي أن تقول لأحدهم تعال في الموعد الفلاني فيأتي بسرعة البرق، هكذا علمهم فكيف يمكنه الآن أن يخلف كلامه؟

ترك عبد السميع أقاربه في عمان وتوجه إلى القدس مباشرة، وعندما وصل وجد أمامه خطة سطو جاهزة .
-  ما الخبر ؟
-  اسمع قبل يومين تم بيع عمارة في الشيخ جراح لصاحبها أبو حسان الحلاق بعشرين ألف دينار، وقد قبض المبلغ نقدا وهو يحتفظ به في بيته في باب السلسلة.
-  هل أنتم متأكدون؟
-  طبعا وكل شيء معد وجاهز، سنلتقي الليلة الساعة الواحدة صباحا لنتوجه إلى البيت المذكور، لا تنسوا جميعا

كان عبد السميع يدرك أن (أبو حسان الحلاق) من قبضايات البلد ولذلك لن تكون العملية سهلة، لذلك طلب من جماعته أن يكونوا سريعي الحركة وأن لا يتعشوا تلك الليلة، وأوصاهم أكثر من مرة:
-  إن أحسستم بأن أهل البيت استيقظوا على حركتنا فاتركوا المكان واهربوا، فلا نريد أن نرتكب جريمة قتل .

الساعة الواحدة صباحا ، انطلق اللصوص إلى البيت، بيوت البلدة القديمة تشبه في بنائها البيوت الشامية التي يمكن اقتحامها من السطوح بسهولة، وقد كان الناس في تلك الفترة ينامون مبكرا فلا تلفزيون ولا كمبيوتر ولا ما يحزنون.

هذه ضربة العمر، كان كل واحد منهم يفكر ماذا سيفعل بعد نجاح العملية، قال أحدهم:
-  سوف أتوب وأذهب للحج ثم أفتح محلا لبيع الخضار، أما الثاني فكان أعزب فقال:
-  سوف أتزوج ابنة عمي، يمكنني بعد العملية أن أتقدم لطلب يدها.أما الثالث فقال:
-  سأشتري سيارة نقل صغيرة لأعمل عليها وأستريح من السرقة.

وحده عبد السميع فلم يكن يحلم بشيء، لا يحلم بشراء بيت ولا بالزواج فهو متزوج من امرأتين ولديه ستة أولاد والسابع في الطريق، كان كريما رغم أنه لص، كانوا يقولون عنه إنه كريم بمال غيره فهو لم يتعب بها، لكن أفراد عصابته كانوا بخلاء ولا يحبون أن يصرفوا قرشا بدون سبب.

اقترب الجميع من البيت سألهم أين يقع البيت تماما، فقال له أحدهم :
-  بالقرب من فرن الحاج حربي.
-  ولكنكم قلتم في باب السلسلة؟
-  يعني ما الفرق؟ مئة متر؟
-  أين بالضبط من فرن الحاج حربي
-  البيت الثالث على اليمين

توقف عن السير وسألهم:
-  أليس ذلك قريبا من بيت الحاج سمور؟
-  نعم، هو جاره الحيط بالحيط
تسمر في مكانه فجأة وكشف الحطة التي يتلثم بها عن وجهه وقال لهم بغضب؟
-  يا كلاب أتريدون أن نسطو على جار الحاج سمور؟
فوجئوا بجوابه، نظروا كل منهم في الآخر متعجبا ثم قال أحدهم:
-  وما علاقة الحاج سمور بالموضوع؟ هل تخاف أن يصحو على الحادث؟
-  لو كنت تفهم، ما سألتني هذا السؤال يا غبي؟
-  إذن طول بالك وفهمنا يا معلمنا.
-  أنسرق جار الحاج سمور صديقنا وحبيبنا؟ أتريد أن يقال عنا بأننا نسرق جار صاحبنا؟ أين النخوة يا بشر؟ والله لو معاه مليون دولار، لن أمد يدي عليها؟ يكفي أن يكون جار الحاج سمور لنعطيه الأمان.
يا كلاب أحضرتموني من عمان لأسرق دار جار صاحبي؟!
مد يده وأمسك بتلابيب أحدهم وصرخ به موجها كلامه للجميع:
-  صحيح أنا حرامي لكني لا أخون صاحبي أبدا فكل جيرانه لأجله في أمان.

تفوه عليكم كلاب!! عودوا إلى بيوتكم، فليس لكم بعد اليوم أمان!!


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً