الصفحة الأساسيةقصص وسرد
أين ابني
الجمعة ١٩ آذار (مارس) ٢٠١٠
بقلم عادل سالم

كان في الستين من عمره عندما جاءه خبر وفاة ابنه الوحيد الذي رزق به منذ ثلاثين عاما، توفي ابنه باهر في الطريق السريع.
خبر موت ابنه كان صدمة عنيفة له، هزت كيانه، لم يتحمل الخبر فأدخل المستشفى وهو في حالة يرثى لها.

بعد خروجه من المستشفى أصيب بحالة من الاكتئاب فقد كان يرى في ابنه صورته التي كان يبحث عنها. كان يبني عليه أحلامه فماتت بموته، لم يرزقه الله بأولاد غيره فقد أصيبت زوجته بالعقم بعد أن ولدت باهر ولم يتزوج عليها وقبل بما رزقه الله.

لم يكن يهتم كثيرا بالأولاد وهو شاب، فقد كان يقضي أوقاته مع السياح لأنه كان يعمل سائقا لدى شركة سياحة وكثيرا ما كان يصاحب بعضهن ويقضي معهن لياليه الحمراء التي كانت تشغله عن بيته.

تعودت زوجته على غيابه المتكرر عن البيت لأنه يعمل لدى شركة السياحة، فمرة في طبريا وأخرى في نتانيا وثالثة في أريحا وهكذا، وظل على هذه الحال حتى تجاوز الأربعين، وبعدها تغير وشعر بالهداية، وبدأ يصلي ويقيم الشعائر الدينية التي كان يهملها من قبل.

مع وفاة ابنه باهر كان قد تجاوز سن الخامسة والخمسين، جلس في البيت يقلب أوراقه ورسائله القديمة، وهو سارح يستعيد الماضي الذي كان يتراءى له كشريط سينمائي، فجأة وقعت عيناه على رسالة قديمة من سائحة أمريكية اسمها «سوزان كلارك» وفيها صورة ابنها الصغير الذي أسمته فرانك، رفع الرسالة قلبها بين يديه:
-  ياه، رسالة منذ أكثر من ثلاثين سنة، سبحان الله كيف احتفظت بها خلال كل هذه المدة الطويلة؟
وضع الرسالة في جيبه، وكذلك صورة الطفل وعاد يقلب أوراقه الأخرى.

في اليوم التالي حمل جواز، وذهب إلى القنصلية الأمريكية في القدس وقدم طلبا للحصول على تأشيرة للسياحة، وقد ساعده للحصول عليها أنه كان يعمل لدى شركة سياحة، وسنه الكبير فمنحه القنصل تأشسيرة مفتوحة لمدة خمس سنوات.
عاد مساء اليوم ليخبر زوجته أنه سيزور الولايات المتحدة لمدة شهر ليستريح مما هو فيه لأنه يشعر بإرهاق شديد. فقالت لك زوجته:
-  وهل أنت الوحيد المكتئب بوفاة ابننا.
- أعرف أنك مثلي، لكن لن أفيدك بالسفر معي، أريد الخلود لنفسي لبعض الوقت، أعدك أن نسافر معا في القريب العاجل إلى بلد قريب للسياحة.

بعد وصوله مدينة «ناكسفيل» في ولاية «تنسي»، استأجر غرفة في أحد الفنادق الصغيرة هناك، وبدأ يبحث عن عنوان «سوزان كلارك»، ورغم أنه عنوان قديم لكنه استطاع أن يجده فمدينة «ناكسفيل» ليست كبيرة، وسكانها يعرفون كل أزقة البلد.
أوقف السيارة التي استأجرها للتنقل واقترب من الباب فإذا بكلب يقفز نابحا.
ارتعب ماهر لكنه استعاد رباطة جأشه، فالكلب في خلف سور البيت الخشبي، خرجت امرأة كبيرة السن يبدو أنها في الثمانين من عمرها وسألته:
-  هل تريد المساعدة؟
لم يكن وجهه مألوفا لديها، فلم تفتح البوابة الرئيسية للسور. قال لها:
-  هل أنت سوزان كلارك؟
استغربت، نظرت إليه وسألته:
-  نعم، من أنت؟
قال لها مازحا:
- رغم شعرك الأبيض ما زلت تتمتعين بحيوية كبيرة سيدة كلارك، ألا تذكرين هذا الرجل العجوز أمامك؟
حاولت التذكر
- لا لم تسعفني الذاكرة. يبدو أنك غريب عن البلد؟
- طبعا أول مرة آتي إليها، لكنك لست غريبة علي.
- هل أفصحت عن نفسك، لدي أشغالي الكثيرة.
فجأة خرجت امرأة صغيرة في السن، قالت للسيدة «كلارك»:
- هل يوجد مشكلة؟ لقد طال خروجك، من هذا؟
فردت عليها «سوزان»:
- سألته لكنه لم يقل شيئا حتى الآن.
قبل أن تسأله المرأة الصبية قال:
- سيدة «كلارك»، أنا ماهر الشنطي، هل تذكريني؟
رددت اسمه عدة مرات ماهر، ماهر، ماهر، من ماهر؟
- أنسيت ماهر من القدس؟
- أووه ماهر، الآن عرفتك، أنت من الأراضي المقدسة، وما الذي أتى بك إلى هنا؟
- جئتك بطلب صغير، لكن ألا تسمحين لي بالدخول؟ أهكذا تستقبلون ضيوفكم؟
هزت سوزان رأسها وتقدمت لفتح الباب له. قالت المرأة الصبية «جولي» زوجة ابنها:

- أمتأكدة منه يا أمي؟
- نعم لا تقلقي.

فتحت الباب لضيفها، سلمت عليه، أبعدت الكلب ثم دخلوا جميعا إلى البيت.
بعد حديث قصير، واستعادة القدس قبل أكثر من ثلاثين عاما ورحلتها الوحيدة هناك، سألته:
- ما الذي جاء بك إلى هنا سيد شنطي:
- ألا تقدمون القهوه لضيفكم؟
استدارت إلى زوجة ابنها وقالت لها:
- عليك بالقهوة يا «جولي»، واتركينا لوحدنا.
بعد أن تأكد أنهما وحدهما سألها:
-  كيف حال فرانك؟
-  سيد شنطي، لماذا تسأل عن فرانك الآن؟
- سيدة «كلارك»، لا تقلقي لم أحضر لأغير حياتك مع السيد «كلارك» لكني فجعت بابني الوحيد باهر، فجئت......
- سيد ماهر أولا زوجي توفي منذ سنوات، ثانيا «فرانك» هو ابننا، إنه هدية السماء.
- سيدة كلارك أرجوك لا تفهميني خطأ، فقد أردت أن أراه، التقط معه صورة تذكارية.
- «فرانك» الآن طبيب أسنان، ولن يعود قبل ساعتين.
نظر إلى الحائط فوقها فرأى عدة صور فقال لها:
- لا بد أن تلك هي صورته أليس كذلك؟
هزت رأسها وردت:
- هو نفسه.
وضع إصبعه في فمه وصار يعض به.
-  كيف أخباره؟
-  إنه بخير يا ماهر.
-  هل تذكرين تلك الأيام؟
-  سيد ماهر، تعرف أن علاقتنا لم تكن علاقة حب، إنها إرادة الرب في عباده، لقد أديت مشيئة الرب وليس مشيئتك.
دخلت «جولي» بالقهوة مع الحليب وغادرت الغرفة إلى غرفة مجاورة.
حمل ماهر فنجان القهوة الأمريكية بيده ثم قال لها:
- لن أناقشك في ما حصل ولا في اتفاقنا السابق، لكني أرجوك أن تتفهمي مشاعري.
- ما الذي تريده بالضبط؟
- رؤية «فرانك»، والتقاط صورة معه.
- سيكون أمرا مستغربا الآن فقد يستغرب طلبك وهو لم يعرفك بعد، لكن هل ستعود مرة أخرى؟
- لا لن أعود.
- أرجو أن تلتزم بتعهداتك، لا تنس أرجو أن تنتبه لحركاتك خلال الحديث معه، لا تثره بأسئلتك.

انتقلت السيدة العجوز مع ماهر إلى الغرفة المجاورة للمشاركة مع زوجة ابنها التي كانت تشاهد التلفزيون، بعد ساعتين كان الدكتور «فرانك» قد عاد إلى البيت، سلم على أمه وزوجته وقبلها، ثم تقدم ليسلم على ضيف أمه، قالت له:
- السيد ماهر الشنطي من الأراضي المقدسة كان في رحلة سياحية هنا فجاء يزورنا، إنه أمر جيد أنه ما زال يتذكرنا بعد ثلاثين سنة، أليس كذلك؟
- أهلا بك سيد ماهر، تفضل اجلس سأعود لكم بعد قليل.
كان ماهر يدقق النظر بفرانك، فيه بعض الشبه من باهر، لكنه أكثر بياضا منه، طويل القامة شعره أسود كغير لون شعر أمه.
عاد بعد قليل، وجلس معهم وقال لأمه:
- لم تقولي لنا أنه لديك أصدقاء في الأراضي المقدسة.
- لقد انقطعنا عن مراسلته منذ حوالي ٢٨ عاما ولم نفكر بالعودة إلى هناك.
- إنها فرصة لتشجيعنا إلى زيارة القدس مرة أخرى، هل تحلمين بذلك يا أمي؟ ماذا عنك يا «جولي»؟
قالت أمه:
- لقد كبرت يا بني والسفر يتعبني.
أما زوجته فقالت له:
- فكرة رائعة حبيبي.
- الآن سيكون لنا أصدقاء هناك، هل سترحب بنا سيد ماهر؟
نظر إليه ماهر وقلبه يزداد خفقانا....
- طبعا، سأكون أول من يستقبلكم في المطار.
- رائع، لقد ارتحت لك يا سيد شنطي.
- وأنا كذلك، يبدو أن أمك قد أحسنت تربيتك حسب مشيئة الرب!!!
استدار إليها وسألها:
- أليس كذلك سيدة كلارك؟
بعد سهرة استمرت حوالي الساعتين وقبل أن يعتذر الدكتور لأن لديه بعض العمل، وقف ماهر ليودعهم فقال لهم:
- أحب أن تسمحوا لي ببعض الصور التذكارية معكم.
- أوه طبعا، لا مانع.
أعطى الكاميرا لزوجة الدكتور لتصورهم معا، ثم لتصور ماهر مع فرانك.
بعد التقاط الصور، سلم ماهر على فرانك، وقال له:
- أشعر أنني سأشتاق لك، أنت مثل ابني، اسمح لي أن أضمك كما يضم الآباء أبناءهم.
وضع يديه على كتفي «فرانك» وعانقه، كان يتمنى لو يقبله، لكن قبلات الرجال في أمريكا لها معنى مختلف تماما لذلك اكتفى بعناقه، كان يتمنى لو ظل يعانقه حتى الصباح، كان جسمه يرتعش، قلبه يتمزق لفراقه، دقق في وجهه للمرة الأخيرة، قال له:
- أرى فيك صورة ابني الحبيب.
بدأت السيدة كلارك تسعل، ثم قالت:
- في رعاية الرب سيد شنطي، لا تنس مراسلتنا من هناك.
سلم عليهم وخرج من البيت مودعا.
عاد ماهر إلى القدس أكثر اكتئابا، سألته زوجته:
- أرجو أن تكون قد استرحت قليلا؟
- بل زدت حزنا.
-  لماذا يا ماهر، حبيبي علينا تقبل قضاء الله لا خيار أمامنا
اللهم اجعله في جناتك يا رب.
هز رأسه، وهو يتمتم في سره:
- قبل أن أذهب كنت أشعر أنني فقدت ابنا، أما اليوم فأنا أشعر أنني فقدت اثنين.
إنه شعور لا يفهمه سواي، ولا يحس به غيري.

السيدة «كلارك» نقلت بعد أيام إلى المستشفى لأنها في حالة صحية سيئة، كانت تستلقي على سريرها وجهاز القلب مرتبط بها. لم تنتبه لحديث ابنها معها فقد كانت تسرح بعيدا إلى الوراء. عندما زارت مع زوجها الأراضي المقدرسة، كانت بدون أولاد وزوجها مصاب بالعقم، ظلت تدعو الله فترة من الزمن أن يهبها ولو ولدا واحدا تربيه ويحول البيت إلى حديقة زهور.
رأت في المنام محدثا يقول لها:
سيدة كلارك، لقد وهبتك طفلا مقدسا من الأراضي المقدسة اذهبي هناك لتحملي به.
- ولكن كيف يكون ذلك؟
- ستجدين مواطنا هناك، سأرسله لك، لتحبلي منه فهو بمشيئة الرب.
في اليوم التالي حدثت زوجها بما رأته فقال لها:
- الرب يدعونا للسفر إلى الأراضي المقدسة.
وعندما وصلا هناك تعرفا على ماهر، كان سائق التاكسي الذي ينقلهما إلى الأماكن التي يزورانها، ورأت فيه السيدة «كلارك» ما يحقق الرؤيا التي رأتها في منامها. فشرحت لماهر ذلك وطلبت منه مساعدتها في تحقيق مشيئة الرب.

لم يصدق ماهر ما يسمع من قصة لم يقتنع بفحواها، لكنه لم يمانع بذلك، فقد عرضا عليه هدية مغرية، وكان هو ينظر إلى الأمور من ناحية جنسية بحته. كانت «سوزان كلارك» جميلة، طويلة، عيونها زرقاء، نهداها بارزان، كان ينظر إليها بشهوة الرجل الشاب الممتلئ حيوية والباحث عن امرأة تطفئ نار جسمه الملتهب.

التصق بها في الفراش، كان مثل حصان جامح، لم تصدق السيدة كلارك أن تكون مثيرة لشاب في عمر أبنائها فهي تكبره ب 25 سنة، لكنها شعرت بحرارة جسمه، قبلاته، يديه، لقد أعادها صبية في العشرين من عمرها وزرع في أحشائها بذورا مقدسة حسب رؤياها ورغبتها ورضى زوجها.
ظل يقوم بمهمته حتى تأكدت أنها حامل، فسافرت وهي في قمة سعادتها.

لم يكن ماهر يهتم أنه ترك ابنا في أحشائها فكل ما كان يهمه العلاقة الجنسية، كان يسخر من طلبها، ويقول:
- امرأة مجنونة، زوجها عاجز عن تحقيق رغباتها، وأنا لها سأجعلها تتذكر تلك الليالي الحمراء، أنا ماهر.
كان يضحك وهو يقول ذلك.
وحينما كان يضاجعها، كان يقول لها:
- سأحقق لك مشيئة الرب فلا تقلقي.

وفي رسالته الأخيرة لها بعد أن أخبرته أنها أنجبت ابنا أسمته «فرانك» أرسل يقول لها:
- مبروك، فإن أحببت أن تعودي في المرة القادمة فأنا جاهز فقد يحتاج إلى أخ.
وكان يهز رأسه ساخرا.

اليوم بعد أكثر من ثلاثة عقود يهز رأسه من جديد وهو يتذكر نفس الحادثة كأنها حصلت بالأمس، لكنه لم يسخر منها، بل يسخر من نفسه لأنه في غمرة نشوته نسي أنه يزرع ابنه في تربة الآخرين.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً