الصفحة الأساسيةقصص وسرد
التلفون والجريمة
الخميس ٣ حزيران (يونيو) ٢٠١٠
بقلم عادل سالم

في رحلته الأخيرة إلى ألمانيا لحضور معرض دولي للتكنولوجيا كان سميح يحاول توقيع عقد لشراء كمية من الهواتف النقالة (المحمول) لصالح الشركة التي يعمل بها في مصر، لفت انتباهه في إحدى أجنحة المعرض جناحا خاصا للأدوات الأمنية التي تباع للحكومات والشركات الكبيرة التي تسمح لها دولها باستخدامها، إحدى الأدوات المعروضة كان جهازا خلويا (محمول) يعمل كتلفون ويستخدم في نفس الوقت كجهاز إرسال، ولديه جهاز آخر تابع له يمكنك من خلاله (الجهاز المستقبل) التصنت على المكالمة التي يجريها المتكلم في الجهاز الأول وسماع ما يدور معه أو حوله من أصوات وحديث دون الحاجة إلى أي جهد من جانبه.
كل ما عليك عمله هو الضغط على زر لديك في جهاز الاستقبال لتسمع كل شيء.
والجهاز يعمل حتى مسافة بعيدة.

فكر سميح بهذا الجهاز العجيب وقال في نفسه:
-  فكرة أن أشتري جهازا لأجربه فإن نجح يمكن بيعه في مصر، سيتهافت الناس على شرائه.
اشترى سميح الجهاز وقرأ طريقة استخدامه ولم يبلع أحدا بسره حتى يكتشفه بنفسه.

بعد عودته إلى مصر قال لزوحته لقد أحضرت لك محمولا جديدا، انظري إنه جميل وعجيب يمكنك الاتصال به مع الشبكة العنكبوتية أينما كنت، إنه أكثر تطورا من الجهاز الجديد المسمى آيفون.

شكرت نادية زوجها على هديته اللطيفة وطبعت قبلة حارة على شفتيه. نقلت الشريحة إلى هاتفها الجديد وبدأت تتباهى به أمام زميلاتها في العمل، حيث تعمل محاسبة في إحدى الشركات الكبيرة.

صار سميح بين الفينة والأخرى يتصنت عليها فيسمع من حولها وهم يتحدثون إليها، لم يكن يرغب بالتجسس عليها لكنه فجأة أصبح كأنه يراقب حركاتها. كان يريد الاطمئنان على أن الجهاز يعمل كما سمع عنه، لكنه أصبح مشدودا لأحاديث النساء على الهاتف.
فصديقاتها يتحدثن معها عن أسرارهن وعلاقاتهن مع أزواجهن وأحيانا كانت إحداهن تتحدث على الجنس، وقدرة الرجال، ....

أحاديث جذبته، أصبح أحيانا يقضي الساعات يستمع للثرثرات النسائية حتى أدمن عليها. ولم يستيقظ إلا على صوت مدير الشركة التي تعمل فيها زوجته نادية يقول لها:
-  بعد الدوام مناسب يا نانا...
-  مناسب جدا
فقال لها
-  لا تنسي الموعد.

فكر سميح في الموعد، وتساءل أي موعد بعد ساعات الدوام.
لم يهتم كثيرا فربما هناك لقاء عمل، لكنه قلق جدا عندما اتصلت به زوجته وقالت له:
-  حبيبي سأذهب الليلة إلى بيت أختي على العشاء وقد دعتك معي. ما رأيك أن تذهب إلى البيت مساء وتحضر معك الأولاد لنسهر عند أختي فأمي أيضا ستأتي إلى هناك وأخي أحمد.
-  ما هذه السهرات المفاجئة يا نادية لا أستطيع الحضور، سأكون مشغولا في البيت بتحضير بعض الأوراق.
-  حسنا سأراك الليلة، إلى اللقاء حبيبي.

في المساء عند الساعة السابعة تقريبا، كان سميح في البيت يراجع عبر حاسوبه بعض الطلبات الخاصة بالشركة، فقرر أن يستمع لهاتف زوجته، لعلها الآن تحاور أختها وأمها فقد كان والدها قد توفي منذ سنتين، بينما كان ابنه سامح، 17 سنة وابنته سميحة 16 سنة في الغرفة الأخرى يشاهدون مسلسلا تلفزيونيا. فوجئ سميح للصوت المنبعث من الجهاز. هز رأسه، وضع إصبعه في أذنه، لم يصدق.
إنها تأوهات امراة مع زوجها في قمة الانفعال.
عاد يتذكر ما حصل اليوم:
-  ما رأيك بعد الدوام يا نانا؟
-  حبيبي ما رأيك أن نسهر عند بيت أختي.
فجأة سمع صوت رجل، يقول لها:
-  ما أروعك، ما ألذ الجنس معك، ليتك تأتي كل يوم.
اهتز بدنه وبدأ يهذي:
ـ ما الذي أسمعه؟
جن جنونه، هل هذه نادية؟ معقول؟ لكني لم أميز صوتها تماما، كل ما أسمعه تأوهاتها وأنينها، لكنه صوت أنينها، تختلف بعض الشيء من يدري ربما شعورها هناك يختلف.
فجأة سأل نفسه:
-  هل يمكن لهذا الجهاز أن ينقل لي صوت جهاز آخر لشخص آخر اشترى جهازا مشابها؟
لا أصدق أن نادية تعملها، تزوجتها منذ عشرين سنة. لكن من يدري لربما كنت المغفل.
أراد أن يغلق الجهاز لئلا يسمع شيئا، لكنه ظل مشدودا لتأوهات قادمة عبره، فجأة سمع التأوهات الآخيرة ولم يعد يسمع سوى صوت القبلات. كأنهما وصلا إلى الرعشة الأخيرة.

ضرب الطاولة بيده، وأغلق الجهاز، لا يريد أن يسمع. اتصل بها على هاتفها، فلم ترد. الجهاز مغلق.
-  طبعا مغلق لأنها في قمة اللذة، تفوه.
لم يعد سميح يركز بشيء، بعد لحظات اتصل إلى بيت أختها، فردت عليه أختها:
-  أهلا سميح، أين أنت يا زوج أختي، تمنينا أن تشاركنا العشاء مع الأولاد.
لم يرد قال لها:
- هل نادية عندكم؟
- طبعا
- هل ممكن التحدث إليها.
- لو سمحت اتصل بعد عشر دقائق، فهي في الحمام.
أغلق الخط، لم يصدق ما قالته أختها.
-  في الحمام؟ طبعا في حمام الهنا. هل يمكن أن تكون أختها تغطي على عيوبها؟ لكن من أين ستحضر خلال عشر دقائق؟

عاد يفكر بمدير الشركة، وتذكر أنه يسكن في منظقة قريبة من بيت أختها نادية، يبدو أنها هناك، وتحتاج لعشر دقائق لوصولها إلى البيت! لكن الرجل متزوج ولديه أولاد، إذن ربما في فندق، فندق من؟
إنه فندق «بيراميزا»، هذا فندق قريب جدا من بيت أختها نادية إذن هو.

فتح الجهاز ليستمع، فلم يسمع شيئا، بعد ثوان صدر صوت زامور سيارة، يبدو أنها في طريق العودة.
الخائنة، سأقتلها.
بعد عشر دقائق اتصل ببيت أختها، فردت نادية:
-  ألو
-  أنت فين يا نادية؟ قال بانفعال.
-  أنا عند أختي يا حبيبي منذ الخامسة مساء.
-  من الخامسة؟
-  أيوه، إيه ألا تصدقني؟ لم أنت غاضب؟
-  متى ستعودين؟
-  إن أحببت أعود الآن، لعيونك أترك كل شيء.
-  لعيوني؟
ضحك ضحكة مصطنعة، وقال لها:
-  أنا بانتظارك، أشعر بالتعب بعض الشيء.
-  حاضر يا سمسم سأكون عندك بعد لحظات.
أغلقت الخط.
هز رأسه ساخرا،
-  سمسم!! تخونني وتقول سمسم؟!
لكن لماذا أختها لم تقل لي إنها خارج البيت. من غير المعقول أن تكون أختها على علم بما يجري، لربما قالت لأختها أن تبلغني أنها خرجت للقائه.
أو...
لا أدري، رأسي يكاد ينفجر
لم يشأ أن يحدثها بالأمر أمام الأولاد، فأولاده في سن لا يسمح لهم بمثل هذه الصدمة. ولأنه حريص عليهما ويبذل جهدا لتعليمها فقد انتظر بعد وصولها بفترة، تم طلب منها أن تلحقه إلى غرفة المكتب. وهناك بدأ يمطرها بالأسئلة:
-  متى ذهبت إلى بيت أختك؟ وأين كنت عندما اتصلت بك؟ ولماذا لم تردي على الهاتف عندما اتصلت بك
لم تتحمل نادية أسئلته المتلاحقة، فقالت له غاضبة:
- ما هذه الأسئلة يا سميح، أفصح عما تريده فشكلك غاضب من شيء وتبحث له عن مبرر.
-  مبرر؟ طبعا. وهل ما فعلته اليوم يحتاج إلى مبرر؟
-  فعلت؟ ماذا فعلت؟
ضحك بصوت خافت كي لا يسمع الأولاد ثم أجاب:
-  ترتكبين الجرائم وتتظاهرين بالبراءة؟!
-  لا إله إلا الله
-  محمد رسول الله، يا حبيبي، أية جرائم، أرجوك وضح كلامك.
-  أين كنت اليوم الساعة السابعة؟
-  قلت لك عند أختي!
-  من كان عندكم؟
-  أنا وأخي وزوجته وزوج أختي وأمي ذهبت في مشوار صغير وعادت.
-  وهل ذهبت أنت في مشوار صغير وعدت؟
-  لا لم أترك البيت، هل تحقق معي يا سميح بعد كل هذه السنين.
اقتربت منه، نظرت إليه، وقالت:
- سميح ما الذي يدور في رأسك؟
-  حسنا دعيني أسمعك هذا التسجيل؟
أخرج من جيبه جهاز الاستقبال، وكان قد سجل تلك الحادثة، فجهاز الاستقبال لديه الإمكانية لتسجيل المكالمات لأكثر من ساعة كاملة.
-  اسمعي يا نانا.
-  بدأت تخرج صوت تأوهات امرأة تضاجع رجلا في لحظة انسجام عاطفي.
فوجئت نادية، وكأنها عرفت ما يقصد
-  هل أفهم أنك تتهمني أن هذا أنا مع رجل آخر؟ آخر ما توقعته منك يا سميح.
-  أليس هذا صوتك؟
-  اخرس، احفظ لسانك! إنك تطعنني في الصميم إن كرامتي التي جرحت لا تلتئم بعد ذلك بكلمات الصفح والغفران. ما هذه التفاهات التي تتهمي بها؟ تسجيل في جيبك تدعي أنه لي؟ حسنا من الذي تتهمني به حضرتك؟
-  مدير شركتك؟
-  السيد فريد؟ يا إلهي، ما هذا الذي تقوله، يبدو أنك جننت.
-  اسمعي أنا لم أجن، سأثبت لك خيانتك دون الحاجة لنرفع أصواتنا ونقلق الأولاد، لا أريد أن أصدمهم بحقيقة أمهم.
-  احفظ كلامك.
نظر إليها بغضب، كاد يهوي عليها بقبضة، لكنه تراجع عن ذلك، فلو فعل ذلك لحصل مالا يريده أن يحصل.
قال لها:
-  الهاتف الذي معك، في داخله جهاز إرسال مرتبط بالجهاز الذي أحمله، مثل (الووكي توكي) لكنه باتجاه واحد وأنا أستطيع بالنسخة الثانية الموجودة معي أن أستمع لما يدور من حديث بجانب الهاتف الذي معك، وسأجعلك تجربين ذلك الأن لتتأكدي، كما يمكنني سماع أية مكالمة هاتفية تجرينها، وهذا التسجيل الذي أسمعتك إياه سجلته اليوم الساعة السابعة مساء، فإن كنت في بيت أختك كما تدعين، فكيف وصلني هذا الصوت؟ هل كانت أختك مع زوجها في غرفة النوم وأنت في الخارج مع أمك تتفرجين على التفزيون؟
-  سميح، أي جهاز وأي تسجيل؟ هل كنت تتجسس علي؟
-  لا كنت أجرب الجهاز لأستورد مثله لكني فجأة بدأت أكتشف أشياء لم أعرف بها.
فجأة قال لها:
- انتظري لحظة،
فتح حقيبة يدها، أخرج الهاتف، وخرج حيث الأولاد، وضع الهاتف بجانبهم وقال لهما، لا تستخدماه، وعاد لها.
-  ضغط على إحدى الأزرار المخصصة للاستماع للجهاز الأول فسمعا ما يدور بين ابنهما وابنتهما في الغرفة الأخرى وكان صوت التلفزيون واضحا خلال سماعة الجهاز.
قال لها وهو يحدق بها،
- أستطيع تسجيل ذلك الصوت إن أحببت لكني لا أريد حذف التسجيل الأول.
هكذا يا ست نانا سجلت الصوت الذي سمعته، فهل اعترفت بالجريمة؟

احمر وجهها، أصيبت بدوار شديد، لم تعرف ماذا تقول، بعد لحظة صمت قالت له:
-  حبيبي، صدقني أن كل ما سمعته لا علاقة لي به وأنني كنت لدى أختي ويمكنك أن تسأل زوجها إن أحببت.
حبيبي، لا تتخذ قرارات متسرعة، قد تكون هذه الأجهزة تخطئ فتنقل مكالمات خاطئة. لا تحكم على علاقة بنيناها عبر سنين طويلة بالموت.
ليس هكذا يكون نهاية حب جميل.
-  حب؟ حسنا أعطني جوابا لما سمعت؟
صمتت.
-  لا أعرف. صدقني لا علاقة لي بما سمعت.
نظر إليها وقال:
-  اسمعي سأترك البيت، ولن أنام هنا الليلة، سأتركك لتفكري. مصلحة أولادنا أهم شيء عندي.
إن كان لديك بقية من كرامة سأحضر غدا، لأجدك راحلة من حياتي إلى الأبد. سنبلغ الأولاد أننا اختلفنا، ليس حرصا على إخفاء الحقيقة، ولكن لأنني لا أريد لأولادي أن يطأطئوا رؤوسهم إلى الأسفل.
-  يكفي طعنا بأشرف أم وأنبل زوجة...
أنت تقتلني قبل أن تحاكمني، لن أغفر لك إساءتك، إن كنت قد اتخذت قرارك، فلتتحمل مسؤوليته وحدك.

خرج سميح غاضبا، لا يعرف إلى أين.
كان خلال الطريق يفكر بكلامها:
-  اتهامك باطل، إنك تصدر الأحكام قبل أن تتأكد!
لكن الجهاز لا يخطئ، جربته، والصوت يشبه صوتها، ربما شعورها بالانسجام معه غير نبرات صوتها. اللعينة، هل اتفقت مع أختها وزوج أختها أنها كانت عندهم؟

توجه إلى أحد الفنادق، لينام ليلته، لكن أنى له أن ينام، القلق سيطر عليه، قرر أن يخرج ليسهر في إحدى الكازينوهات، ترك سيارته أمام الفندق واستقل تاكسي إلى إحدى الكازينوهات، هناك جلس على طاولته وحيدا، طلب كأسا من الفودكا، يريد أن يسكر لعله ينسى.

هل السكر نسيان؟! أم مجرد تخدير للعقل الباطني للحظات يفقد فيها الإنسان توازنه.
كان يهلوس كالمجانين لا يعرف ماذا يقول ولا ماذا يريد، بينما كانت زوجته في البيت تبكي حظها المتعوس. بعد أن غادر البيت بلحظة اتصلت بأمها وقالت لها:
-  هل أنت في البيت؟
-  نعم
-  انتظريني سأحضر إلى زيارتك.
-  في هذا الوقت المتأخر من الليل؟ اللهم اجعله خير.
كان منظرها لا يوحي بالخير، وجهها الأحمر، دموعها التي لم تجف على خدودها، شعرها المنفوش.
سألتها بعد أن جلست:
-  هل تشاجرت مع سميح؟
-  ليس المهم سميح، المهم أريد أن أعرف اسم المحل الذي ذهبت اليوم مساء لتبديل الفستان منه؟
تغير شكل أمها، تلعثمت بالحديث، ثم قالت:
- الفستان؟ المحل؟ طبعا. لكن لماذا؟ هل أعجبك أنت لم ترينه بعد!
-  أمي بدون مقدمات ولا لفات، أين كنت مساء اليوم، الساعة السابعة مساء؟
-  لقد قلت لك كنت أستبدل الفستان لأن قياسه غير مناسب.
هزت نادية رأسها وقالت لها.
-  اسمعي، التلفون الذي كان معي، جهاز حديث، وأحضره معه سميح في آخر رحلة عمل إلى ألمانيا، وهو يحتوي على جهاز إرسال أي أن سميح يستطيع أن يستمع من جهاز آخر معه ما نتحدث به الآن لو كنت أحمله. لكنني تركته في البيت. وأنت، عندما خرجت الساعة السادسة والنصف، قلت لي أن بطارية هاتفك على وشكل أن تصبح فارغة وتحتاج إلى شحن، فاستبدلت جهازك بجهازي ووضعت شريحتك في الهاتف الخاص بي وذهبت إلى مشوارك.
في تلك الفترة كان سميح يستمع، فسمع ما لا يجب أن يسمعه، وقد أسمعني إياه فلم أصدق.
أمي دعك من الإنكار التسجيل موجود لديه.
تغير وجه الأم، أجهشت بالبكاء.
- لقد توفي والدك منذ سنوات، وأنا وحيدة، أنام وحيدة لا أحد معي، لا أحد بجانبي... أنا إنسانة...
-  أمي! ولكن تعلمت منك إنه زنى...
-  نعم إنه زنى.
-  فلماذا تمارسينه؟
-  الشيطان.
-  الشيطان؟ أي شيطان؟ إنه أنت، أنت التي ارتكبت الجريمة، وليس الشيطان.
صمتت الأم.
-  وهل ستعترفين له بذلك؟
-  لا أعرف، أنا بين نارين، إما أنا أو أنت. الأمر سيان عندي. لكن المأساة أن من أحب يتهمني بخيانته وأنا التي ضحيت من أجله وأحببته حبا أعظم من حب ليلي لقيس. أنت السبب يا أمي، أنت السبب!
إنك تقتلين ابنتك بيديك.
تركتها وعادت إلى بيتها. لا تعرف ماذا ستفعل.
الصدمة أكبر مما توقعت، وأوسع مما يمكن تضميده.

في الصباح، عندما أشرقت الشمس غادر سميح الكازينو متوجها إلى الفندق، وهناك اتصل بالشركة يعلمهم أنه سوف يتغيب عن العمل لأمر هام، وضع رأسه على المخدة، وذهب في سبات عميق.
بعد الظهر اتصل به ابنه سامح يخبره أن أمه حملت حقيبتها وقالت لهما أنها ذاهبة إلى بيت أمها لعدة أيام.
-  بابا، لماذا تشاجرت مع أمي؟
-  لا لم نتشاجر...
-  بابا أنا لست طفلا، هناك مشكلة ومن حقي أن أعرف.
-  حسنا عندما أحضر بعد قليل سنتتحدث معا.
خرج سميع من الفندق باتجاه البيت. وفي الطريق رن جرس الهاتف، ضغط على الزر، كان المتصل زوج أختها.
-  سميح أنت فين يا باشا؟
-  أنا في الطريق إلى البيت.
-  حسنا أنا قادم لزيارتك هناك!
-  أهلا وسهلا. خير يا عاصم؟
-  عندما أصل سنتحدث.

لم يكن مفاجئا أن يعرف عاصم بخروج نادية من البيت فقد أخبرت سميحة ابنت خالتها التي أخبرت زوجها، وقد طلبت منها خالتها أن لا تنقل الخبر لعماتها أو أعمامها. أسرار الآباء يجب أن يحافظ عليها الأبناء مفهوم؟!
-  أمرك يا خالتي.

حاول عاصم أن يعرف من سميح سبب خلافه مع نادية، لكنه لم يستطع الوصول إلى الحقيقة، كل ما سمعه أن الخلاف بسيط وأنها هي التي تركت البيت لتريح رأسها بعض الوقت. أما نادية فقد استسلمت لقدرها، وقالت لأختها أنها لا تستطيع العيش مع سامح، لكن أختها لم تتركها حائرة فقد ظلت وراءها تسألها حتى عرفت الحقيقة فصعقت ولم تصدق.
-  أمي، أمي ابنة الستين سنه.
لا لن أصدق ذلك، أي فضيحة جلبتها لنا، وأي عار ماذا لو عرف أخونا، سيقتلها. لا تخبريه، يكفي إلى هنا.
لكن لماذا عليك أن تتركي سامح من أجل جريمة أنت لم ترتكبيها؟
-  وماذا أفعل، هل أخبره حقيقة أمي، هل أغطي على فضيحة لأكشف غيرها؟
فشلت كل الجهود باصلاح ذات البين بين نادية وزوجها.

في أحد الأيام حمل سميح تلفون زوجته الذي سبب كل المصائب، فقد تركته زوجته عندما غادرت البيت وأخذت الشريحة فقط، وضع به شريحته وتوجه إلى العمل في الشركة، خلال العمل اقترب منه صديقه أحمد وقال له إن بطارية هاتفه قد توقفت، ولا يريد شحنها في الشركة حيث هذا مخالف للقوانين. وهو بانتظار مكالمة هامة، لذلك طلب منه أن يقرضه هاتفه لبعض الوقت ليضع به شريحته أخرج سميح الهاتف من جيبه، وأخرج شريحته منه وأعطاه لصديقه.

في المساء كان ابنه سامح عابس الوجه على غير عادته. لعله اشتاق لأمه، سأله أبوه مداعبا:
-  مالي أراك عابسا يا سامح؟
نظر سامح في وجه أبيه، ولأول مرة خاطبه كالرجال، قال له:
-  أبي هل أستطيع التحدث إليك منفردا.
-  طبعا.
انفرد سميح بسامح في مكتبه وسأله:
-  لماذا تريد الاجتماع بي، هل وحشتك أمك؟
-  أكيد ولكن أريد أن أعترف لك بأمر!
-  أمر؟! ما هو، قل لا تخف.
-  كنت أتفقد هذا الجهاز وضغطت على أحد الأزرار فسمعت صوت رجل يخاطب امرأة واتفق معها على موعد اليوم مساء، لم يكن صوتك، لكن كان الصوت كأنه محادثة تلفونية، بعد ذلك سمعتك تتحدث مع نفس الرجل كأنك تعرفه. هذا جهاز رائع.
هز رأسه سميح وسأله:
- وماذا سمعت أيضا؟
-  فقط هذا ما سمعته.
فتح سميح الجرار وأخرج الجهاز. وسأل ابنه:
- ألم أعلمك يا سامح أن لا تعبث بأغراض ابيك؟
-  لم أقصد لكنه كان يشبه الهاتف وشكله غريب فأحببت أن القي نظرة عليه.
-  حسنا، لا تقلق.
-  لكن من هذا الذي كان يتحدث مع المرأة، لقد كان يتحدث بأمور.... على الهاتف.
- وماذا سمعت؟
-  كان يقول لها أحبك، لا أستطيع العيش بدونك.
-  كفى كفي يا بني. هذا شخص من الشركة طلب مني استعمال هاتفي لإجراء مكالمة له. لم أعرف ماذا قال.

جلس سميح، يفكر بما حدث. صديقه أحمد يلاحق امرأة غير زوجته!!
صمت، وأطلق العنان لتفكيره وتساؤلاته:
-  هل يمكن؟ لا لا، لم لا؟
فجأة اتصل بعاصم وبعد أن اطمأن على أخباره سأله:
-  عاصم هل تذكر ليلة كانت نادية عندكم؟
- وكيف أنسى؟
-  هل تذكر ان استخدم أحد هاتفها؟
-  لا لا أذكر، لكن لماذا تسأل؟
-  بصراحة التلفون مكسور ولا أعرف إن كسرته هي أم كسره أحد الأولاد؟
-  كل ما أذكره يا سميح أن أمها ذهبت تستبدل فستانها وأخذت هاتف نادية لتستخدمه مع شريحتها لأن _ هاتفها كان لا يعمل بسبب البطارية. وعندما عادت أعطتها الهاتف، كان سليما على ما أظن.
-  هل تذكر متى؟
-  قبل السابعة بقليل، حوالي السادسة والنصف.
-  لكن ما علاقة الوقت بالتلفون؟ يبدو أن هناك شيئا آخر تريد الوصول إليه.
-  لا شيئ تحديدا لكني سأتصل بك فيما بعد.

أطرق سميح رأسه، وأصبح في حيرة، زوجته بريئة من كل الاتهامات، أهانها واتهمها بخيانته، أمها في قفص الاتهام لكن من يدري فقد تكون أمها بريئة مثلا؟ أحمد صديقه يخون زوجته، ابنه سامح يكتشف خيانة صديق أبيه!!
ربما اعتقد سامح أن أباه يخون أمه مثل أحمد. فالناس على شاكلة أصدقائهم!
-  هل الجهاز السبب؟ أم الناس وحبها للتلصص؟!
ولكن بعد كل ما جرى، ما العمل؟ كيف أستعيد نادية إلى البيت؟ هل أكشف لها جريمة أمها؟ أم أنها تعرف ذلك الآن؟ ربما تعرف قبلي ورأت أن تستر فضيحة أمها، إنها أمها، لكن ما ذنبها؟ ما ذنب الأولاد؟
هل ستعود عندما أذهب لها؟ هل ستصفح عني بعد كل الإساءات التي وجهتها لها؟

في اليوم التالي حمل سميح باقة ورد وتوجه مع أولاده سامح وسميحة إلى بيت جدتهم. رن جرس فتحت نادية الباب، نظرت إليهم جميعا، فوجئت بحضور سميح مع سامح وسميحة، نظر سميح إليها، قدم لها باقة الورد مع ابتسامة عتاب، قال لها:
-  نادية! كلنا عاوزينك.
بكت، لم تصدق، لم تتحمل المفاجأة، أصيبت بدوار، أمسكت بالباب كي لا تسقط على الأرض كانت أمها في الداخل تسألها:
-  من بالباب يا نادية؟
أعطى سميح الورد لابنته سميحة وفورا تلقف نادية. حملها بين ذراعيه ودخل بها إلى البيت.
ألقى بها على السرير، كان الأولاد قلقين ينادون ماما ماما والأم تصيح:
-  نادية نادية، ثم ذهبت تحضر بعض الماء لترشه عليها. وضع يده على وجهها، تحسس يدها، ثم مسد شعرها وقال لها:
-  نادية، سامحيني.
أفاقت نادية من غيبوبتها، نظرت إلى زوجها وأولادها. لم تعرف ماذا تقول.
نعم تحبه، ويحبها، لكنه جرحها، أهانها، لكن فضيحة أمها تجبرها على التنازل عن كل كبرياء.
كانت تتساءل وهي تنظر إليه:
-  هل ترى عرف السر؟ لا يمكن أن يأتي إلا إذا عرف أنني بريئة، لكن هل يعرف صوت من كانت تلك المرأة؟ قطع عليها حبل تفكيرها وقال:
-  نادية، جئنا نأخذك إلى البيت.
-  إلى البيت؟ أنا، أمي
دخلت أمها تحمل ابريق الماء، وقفت بعد أن شاهدتها تقف أما سميح قال لها مقاطعا:
- لم نأت نسألك العودة، جئنا نحملك إلى البيت.
اقترب منها، أمسك بيديها، نظر إليها وقال لها:
-  هل يصلح الورد ما أفسده الشوك؟
احمر وجه أمها. فخرجت لتتركهما وحدهما وسحبت الأولاد معها.
نظرت إليه، كأنها بثت في عيونها رحلة عتاب طويلة. قال لها: لا تقولي أي شيء. عرفت السبب:
-  إنه الهاتف اللعين، إنه تشابك خطوط، سأكسره بعد عودتي لا أريد بيعه حتى لا يقع الناس في مشاكل مع شركاء حياتهم.

ابتسمت، عرفت أنه عرف السر، لكنه لا يريد أن يذكرها بجرح أمها، فكتم الأسرار نوع من الحب. هل هو سر؟ إنها جريمة، لكن بعض الجرائم يعالج بالهدوء. إنها مثل الجرح الذي يحتاج الطبيب إلى تضميده بعض الهدوء.
اقترب منها أكثر عانقها، شدها إلى صدره، ألقت برأسها على كتفه وبدأت تجهش بالبكاء.


تعقيبك على الموضوع
مشاركة منتدى:
التلفون والجريمة
الاثنين ٣١ كانون الثاني (يناير) ٢٠١١
بقلم الشيخ علي خازم

نص رائع ومضمون مؤثر بواقعيته وتربويته غير الوعظية




الرد على هذه المشاركة

في هذا القسم أيضاً