الصفحة الأساسيةقصص وسرد
جراح لن تندمل
الثلاثاء ١٢ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٠
بقلم عادل سالم

في إحدى عرف سجن عسقلان في منتصف ثمانينات القرن الماضي (العشرين) كان عماد المسؤول الأمني في الغرفة يلاحظ أحد الأسرى يقوم بحركة سريعة عندما يمر السجان من أمامه أثناء عد الأسرى حيث يجري عدهم أربع مرات كل يوم.

كان الأسير ماهر عبد المطلب أحيانا يحك رأسه عندما يمر السجان من أمامه، وأحيانا يحك أنفه ومرة ثالثة يفرك عينيه ومرة رابعة يرفع رأسه للأعلى. هذه الحركات لم تكن طبيعية، فبعد كل حركة كانت إدارة السجن تقوم بمداهمة القسم وتفتيشه،
فقررت لجنة الأمن إخضاع الأسير ماهر للتحقيق الفوري.

في اليوم التالي بعد أن انتهت فترة العشاء، طلب عماد من ماهر الحديث منفردا في إحدى زوايا الغرفة البعيدة عن باب الغرفه وعين السجان، وطلب من بقية الأسرى الابتعاد قليلا عنه حتى لا يستمعوا لحديثهم الجانبي.
بعد حديث قصير قدم عماد المسؤول الأمني والمكلف بالتحقيق مع ماهر عبد المطلب إليه رسالة طلب منه قراءتها قبل المباشرة بالحديث الجاد.

كان عماد قد وزع المهمات على أسرى الغرفة على الشكل التالي. أسيران يحملان أدوات معدنية حادة كالسكاكين مهمتهما طعن ماهر إن حاول الاستغاثة بالسجان والصراخ، واثنان مهمتهما إغلاق فمه إن حاول الصراخ وأسير واحد مكلف بمراقة مردوان القسم والتأكد بأن السجان يجلس بعيدا عن الغرفة.
بدأ ماهر يقرأ بالرسالة:

(إلى ماهر الصافي....)

قبل أن يكمل ماهر قراءة رسالته أحس بشيء غير طبيعي، مطلع الرسالة لا يوحي بالخير، إنهم يخاطبونه دون كلمة الأخ أو الرفيق أو المناضل،[يبدو أنني كُشِفت]
تابع الرسالة....

يحاول العدو الصهيوني الإيقاع بالمناضلين في شباكه، حيث يقوم بإجبارهم بالتهديد، أو الترغيب بالتعامل معه والتجسس على اخوتهم الأسرى مقابل وعودات بائسة ومكاسب خادعة.

إن الثورة تحاول أن تميز بين الجواسيس الذين ما زالوا في بداية الطريق، وبين الأشد خطرا الذين قدموا معلومات أضرت بالمناضلين، وعرضت حياتهم للخطر. الثورة طريق إصلاح هدفها الأول والأساسي فك ارتباط الجواسيس بالعدو الصهيوني.

إنها فرصة أمامك لتعترف بمحض إرادتك بكل علاقتك بإدارة السجن والتعاون مع لجنة التحقيق مع التعهد بعدم إيذائك. وفي حال إنكارك سنضطر لاستخدام العنف معك. ونحذرك من أية محاولة للاستغاثة بالسجان فقبل وصول أحد لحمايتك ستكون سكاكين المناضلين قد مزقت جسدك في كل مكان.
إنها لثورة حتى النصر.

كان ماهر كلما قرأ سطرا زاد عرقه تصببا، واحمر وجهه وزادت دقات قلبه.
-  هل أنكر؟ لا لقد انكشف كل شيء.

عندما أنهى الرسالة بدأ يبكي، غطى وجهه بيديه ثم قال لعماد:
-  أنا حقير، تافه، لا أستحق أن أكون بينكم. افعلوا بي ما تريدون، أنا فعلا جاسوس أقدم للإدارة المعلومات عنكم أطلب الرحمة. لا تفضحوني أرجوكم. لا تخبروا أهلي سيموت أبي لو عرف ذلك، لن يزورني أحد من الأهل.

قال له المسؤول الأمني الذي تعود على تلك الحركات من الجواسيس لحظة انكشافهم.
-  أريدك الآن أن تركز معي وتجيب بصدق عن كل سؤال أسألك إياه.

بدأ يسأله عن كل صغيرة وكبيرة، وكان كل فترة يعيد عليه بعض الأسئلة بطريقة أخرى للتأكد من تقديم نفس الإجابة. وبعد أن أنهى جولته الأولى قدم له قلما وورقة وطلب منه كتابة تقرير شامل عن حياته منذ ولادته حتى اليوم وقصة ارتباطه مع العدو بغض النظر عن المعلومات التي قدمها خلال استجوابه الأول.

كان ماهر قد ارتبط مع المخابرات الإسرائيلية خارج القضبان وكلفته المخابرات الالتحاق بالحركة فانضم لها عن طريق أحد الأعضاء في قريته، وأصبح بعد ذلك عضوا في خلية، وبعد أن قامت ببعض النشاطات واستعدت للقيام بعملية عسكرية كبيرة، هاجمتها القوات الإسرائيلية والقت القبض عليها، وكي لا ينكشف أمر جاسوسها ماهر فقد اعتقلته معها، وعندما طالب باطلاق سراحه لأنه كان جاسوسا لهم ولم يكن عضوا بالحركة، هددوه بالالتزام بالأوامر وإلا كشفوا علاقته معهم، حينها سيواجه الإعدام من رفاق دربه. فاستمر بالتعامل معهم داخل السجن ولم يستطع التخلص من المصيبة التي ورط نفسه بها.

كانت مهمته تقديم المعلومات عبر الإشارات فكل إشارة تعني رمزا معينا، وربما لم يكن يعنيهم بعض الإشارات لكنها وسيلة لربطه الدائم معهم وإشعاره أنه جاسوس يخون شعبه وأنه لا يستحق عطفهم ولا رعايتهم.
توقف ماهر عن تقديم الإشارات مما أثار شكوك إدارة السجن. فبدأت تخطط لكيفية الاتصال مباشرة بجاسوسها القديم.

مفاجأة ماهر كانت اعترافه بأنه مرتبط مع الإدارة مع جاسوس آخر بتبادل معه المعلومات. إنه راتب الذي لم تستطع لجنة الأمن أن تسجل عليه أية شبهه أمنية.
-  راتب الخطاط؟
-  نعم راتب الخطاط.

خضع راتب الخطاط لتحقيق عنيف، لكنه أنكر التهمة الموجهة إلية ورفض أن يكون موضع اتهام، تحمل راتب أقسى أنواع التحقيق وكاد أن يموت بين أيديهم وهو يكرر:

  • أنا بريء، لا يمكن أن أكون جاسوسا، لا أبيع وطني بكل كنوز الدنيا. هناك خطأ بمصدر معلوماتكم. أرجوكم لا تتسرعوا.

لكن التحقيق العنيف مع راتب قد أفقده توازنه فلم يعد قادرا على الوقوف وظل مصمما على موقفه.

  • أنا بريء.

لجنة الأمن توصلت إلى قناعة بعد عشرة أيام من التحقيق المتواصل أنها تسرعت في إخضاع راتب للتحقيق فأعادت ماهر إلى التحقيق العنيف الذي اعترف في اليوم التالي أنه لا يعرف إن كان راتب جاسوسا أم لا وأن إدارة السجن هي التي قد طلبت منه إذا انكشفت أمره أن يعترف على راتب بأنه جاسوس مثله.

سياسة إدارة السجون الصهيونية إثارة البلبلة حتى بعد كشف جواسيسها باتهام أحد مناضليهم الشرفاء وبالتالي إثارة الخلافات.

فوجئت لجنة الأمن بذلك، وحملت ماهر المسؤولية عن تضليلها لأنه كان قد اعترف أنه ينسق مع راتب حول المعلومات عن الأسرى، لكن اعترافه الأول لم يكن دقيقا.
هذا الخلل أساء إلى أحد المناضلين.

كم الجراح التي يصعب تضميدها الآن من ذاكرة راتب؟!

بيان فوري صدر إلى أسرى سجن عسقلان يوضح ملابسات المناضل راتب ويؤكد براءته ويطالب الجميع بالتضامن معه وإعادة البسمة إلى شفتيه. إنه اعتذار علني، تقدم منه كل أسير في القسم بمعانقته والشد على يديه، بعض أصدقائه المقربين بادلوه البكاء، لقد عرفوا كم من الجراح خلفه التحقيق على جسده وعلى كرامته.

إنها أيام رهيبة، ما أقساها! ما أقسى أن يتهم المناضلون بوطنيتهم. ضحى بحياته، تعرض للاعتداء من قبل قوات الاحتلال، عانى من مرارة السجن وحرمانه، حرم من رؤية أهله الإ ما ندر، وأخيرا يتهم بوطنيته، يضرب من قبل أخوة له بالنضال، كانوا يعصبون عينيه فلا يعرف من كان يضربه، لكنه يعرفهم فالغرفة تضم ثمانية أشخاص من سواهم؟! هل ستطوى الأيام تلك الصفحات أم ستظل جرحا غائرا في الذاكرة؟

أحد الإخوه الذي كان مكلفا بجلده قدم بعد الحادث استقالته من الحركة ولم يعد يمارس أية مهمة حزبية لم يستوعب أبدا أنه كان يكيل الضربات القاسية لمناضل شريف. كان يستيقظ بالليل قلقا، أحلام وكوابيس تهاجمه كل ليلة، لم يعد يستوعب كيف تحول لفترة من الزمن إلى جلاد رفيق دربه في النضال. خيرت اللجنة الأمنية في القسم على راتب أن يقوم بجلد ماهر بنفسه انتقاما لما حصل له لكنه رفض ذلك فما حصل لا يتحمل مسؤوليته ماهر بل لجنة الأمن الداخلية التي صدقت اعترافات أحد الجواسيس دون أن تفحص إن كان يقدم لها معلومات كاذبة ومفبركة.

بعد أسبوع استدعت الإدارة الأسير ماهر إلى العيادة الطبية لمراجعة الطبيب، فالجواسيس لهم طرقهم في الاتصال المباشر مع إدارة السجن، وأبرزها العيادة الطبية، والسجان أو الممرض دائما يكون أحد رجال الخابرات حيث يتم دعوة عدة سجناء مرضى لمراجعة الطبيب لأمراض مختلفة ويكون الجواسيس بينهم.

اقترب مسؤول الأمن من ماهر، سلم عليه وهمس في أذنه بعض الكلمات دون أن يسمعه أحد.
تجمع المرضى من كل القسم وعددهم ستة وفتح لهم الباب إلى العيادة الطبية.

كان ماهر أول الداخلين إلى العيادة فيما بقي الخمسة الآخرون ينتظرون دورهم.

بعد عدة دقائق سمعوا صراخا حادا من العيادة فتح الباب فجأة، هرول السجانون إلى العيادة فيما تم سحبهم إلى غرفة مجاورة، نظروا بسرعة ليعرفوا ما الأمر، فإذل بماهر يضرب بشفرة حادة الممرض.

ماهر يضرب رجل المخابرات الذي يلبس لباس الممرض إنه يعلن له انتهاء الحبل الذي يلفونه حول رقبته.
هجموا عليه وكالوا له اللكمات ثم قيدوه وأدخلوه إلى الزنزانة الانفرادية.

أعيد المرضى إلى القسم ولم يتم معالجة أحد منهم .
إدارة السجن تعلن معاقبة الأسرى لأن أحدهم هاجم الممرض (رجل المخابرات) مع أنه جاسوسها الذي كانت من خلاله تتجسس عليهم.

ارتسمت على وجه مسؤول الأمن ابتسامة.

  • إذن لقد صدق ماهر وها هو يكفر عن خيانته. سأله عماد قبل أيام.
  • هل تريد تطهير نفسك والعودة إلى شعبك؟
  • يا ريت.
  • إليك الثمن. قد يقتلونك وقد يسجنونك عشر سنوات أو أكثر، لكن التكفير عن الذنب لن يكون بالكلمات بل بالأفعال.
    نظر إليه ماهر وقال:
  • أنا لها، أنا متشوق للتكفير عن الذنب، وأتمنى في سبيل ذلك الشهادة.

في جلسة المحكمة قال ماهر للقاضي:

  • لا أعترف بعدالتكم، فأنتم رمز الظلم والعنصرية في العالم. نعم لقد ضربته وكنت أنوي قتله تكفيرا عن خيانتي لشعبي. كنت سعيدا بالهجوم عليه، أشعر بكل ضربة أنني أكفر عن وشاية من الوشايات التي قدمتها ضد مناضلي شعبي. لا أطلب رحمتكم ولكني أطلب أن يغفر لي أبناء شعبي وأهلي عما قمت به.

تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً