الصفحة الأساسيةقصص وسرد
البطرك وبائع السمن
الأحد ١٧ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٠
بقلم عادل سالم

كان مشهورا بحبه للسمن البلدي، وكان يدفع سعرا مغريا لقاء تنكة منه، لكنه كان يشترط دائما أن يتذوق السمن قبل شرائه، ولذا لم يكن يقبل شراء التنكات المغلقة من الشركات ويفضل شراءها طازة ومفتوحة من الفلاحين، أو البدو في منطقة أريحا حيث كانوا مشهورين في تلك الأيام، أربيعينات القرن العشرين، بالسمن البلدي ولم يكن أحد يجرؤ على غش السمن البلدي الذي يباع للبطرك، لمكانته الدينية ولعلاقته بسلطة الانتداب، إذ يكفي إشارة منه ليسجن صاحب السمن المغشوش.

وفي أحد الأيام طرق بابه أحد الشباب من إحدى القرى حاملا معه قليلا من السمن البلدي الفاخر عارضا بيعه للبطرك. نظر إليه البطرك، مد يده، وفتح المرتبان، ثم تذوق قليلا منه، فأعجبه، وبعد حديث عن السعر اتفق مع الشاب على شراء خمسة تنكات بسعر مغر. لم يكن البطرك يقبل أن تفوت تلك الفرصة عليه، فالسمن البلدي شحيح وأسعاره عالية، قال البطرك لبائع السمن:
-  سأدفع لك بعد تسليم التنكات وسأفحصها قبل أن تقبض مليما واحدا. هز البائع رأسه وقال:
-  أمرك سيدي البطرك. ادفع متى شئت.
-  اتفقنا.

بعد أسبوع كان البطرك يتفحص بأصابعه السمن، بعد ذلك أحضر ملعقة وتفقد بطريقته الخاصة السمن، وخرج بنتيجة أن السمن حسب المواصفات المتفق عليها. شكره على بضاعته وسلمه المبلغ.

كان البطرك سعيدا بهذه الكمية من السمن البلدي التي ستكفيه لسنوات قادمة.
بعد أشهر، فوجئ البطرك أن الطباخ لديه يعلمه أن السمن أصبح لونه مختلفا وكذلك طعمه، فهرول إلى المطبخ ليفحص التنكة ويا لهول المفاجأة؟!

النصف الأسفل من التنكة لم يكن سمنا بلديا، لكنه مادة «الكسبة» كما يعرفها أهل القدس، وهي مادة يستخرجها عمال مصانع الزيوت النباتية والسمسم لونها بني وتستخدم كعلف للأبقار لتدر المزيد من الحليب وهي زهيدة الثمن ووزنها قريب من وزن السمن البلدي. بعض الناس كانوا يتناولونها مع السكر.

غضب البطرك، وقبل أن يتخذ قرارا، ذهب إلى التنكات الأخرى المخبأة في مكتبه شخصيا، فتحها واحدة تلو الاخرى وبدأ يفحص أسفل كل تنكة فوجد نفس المادة، زاد غضبه، وضرب يده على الطاولة.
-  فعلها اللعين، سأبحث عنه في كل مكان.

أرسل البطرك بعض الموظفين لديه للبحث عن كامل بائع السمن حتى عرفوا المكان الذي يتردد عليه في أحد المقاهي في شارع المصرارة.

طلب البطرك من أحد مساعديه مرافقته وتوجه إلى مركز الشرطة للتبليغ عنه، وكانت إشارة واحدة منه تكفي لسجن بائع السمن عدة سنوات خلف القضبان، ولكنه عندما وصل باب الشرطة غير رأيه، وتوجه إلى المقهى الذي يتواجد فيه كامل. انتظر في الخارج وطلب من معاونه أن يناديه ففعل.

-  كامل لم أعرف أنك نصاب غشاش تضحك على «أبونا».
- كيف ما الذي حصل؟
- أنت تعرف أن التنكات كلها كسبة، ومغطاة بالسمن البلدي من الأعلى.
-  يا أبونا أنا اشتريتهم كما سلمتك إياهم، لا أعرف شيئا عن الكسبة.

ضحك (أبونا) وقال له:
-  اسمع لا تعتقد أنني أهبل، أنت الذي قمت بذلك وأنت تعرف أنه يمكنني سجنك الآن. يكفي أن يذهب أبونا إلى مركز الشرطة ليبلغ عنك فتسجن
-  يا أبونا أنا....لم أقص... لكن..
-  كفى لا أريد أن أسمع، هل تعرف لماذا لم أذهب إلى الشرطة الآن؟
-  لأنك «أبونا»
-  لا، لكن حتى لا يقولون أن تيسا مثلك ضحك علي جدي وأشار لنفسه.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً